لم يُوظِّف ابن خلدون نظريته في «العصبية» بشكل واضح في ثنايا كتابه في التاريخ، «العبر وديوان المبتدأ والخبر»، لكنه بسط عناصرها في مقدمته الشهيرة. أما المثقف العربي فقد فاته منذ تعرَّف على ابن خلدون، أن يستثمر أفكار هذا المفكر العملي في الواقع الميداني وفق منهج يستنزلها به على أحداث التاريخ وتحولات الحاضر، بعيدًا عن التجريد. يُعالج هذا الكتاب الوجه الآخر لـ «قانون العصبية»، وهو ما سمَّاه «قانون الفراغ»، الذي يبحث في العلل الخفية، غير المادية، وراء عملية قيام الدول والجماعات وانهيارها؛ فينظِّر له ويُتبع هذا التنظير دراسات حالة -على امتداد فصول الكتاب- في تاريخ الإسلام واتساع رقعة دوله شرقًا وغربًا إلى سقوط الدولة العثمانية. وذلك بهدف الانتقال بصرح ابن خلدون إلى حقل التنظير العملي لاستيعاب تحولات الماضي والحاضر واستشراف المستقبل.
اختتمت هذا العام بقراءة الكتاب الخمسين في قائمتي والذي كان بعنوان "ما لم يقله ابن خلدون". وللأسف، لم تكن النهاية على قدر التوقعات، بل جاءت مخيبة للآمال خاصة أنني كنت أتوقع الكثير من الكتاب.
ما دفعني إلى شراء هذا الكتاب هو اهتمامي الشديد بنظرية ابن خلدون التي درستها في مادة النظرية السياسية، وقد رأيت في هذا العنوان محاولة مهمة للبناء النظري على نظرية ابن خلدون وكانت هناك وعود كبيرة في المقدمة أن الكاتب سيقوم بما أغفله الكثيرون من التطوير على نظرية ابن خلدون وليس الاكتفاء بشرحها، ولذلك توقعت الكثير من الكتاب.
يتناول الكتاب فكرة أطلق عليها المؤلف "قانون الفراغ"، وهو الحالة التي تنشأ عقب انهيار العصبية، حيث يبدأ الفراغ بالظهور في مرحلة الدعة والترف، ويمتد حتى ما بعد انهيار السلطة. هذا الفراغ لا يقتصر على غياب إدارة الدولة، بل يشمل أيضًا خواءً فكريًا على مستوى المجتمع. المؤلف أضاف أبعادًا للفراغ، منها ما هو متعمد وما هو قدري.
ورغم أن الفكرة تبدو واعدة، إلا أنها من وجهة نظري وبشكلها الحالي لا تتطلب كتابًا كاملًا، بل ربما تكفيها ورقة علمية مختصرة. الكاتب حاول تطويل النص بتكرار مفرط وإطناب أضعف قوة الطرح. كما أن استعراضه للأمثلة التاريخية جاء عشوائيًا وسريعًا، مما جعل الانتقال بين الحالات غير متماسك أو مقنع.
كنت أتمنى لو تبنى الكاتب أسلوبًا أكثر تنظيمًا، حيث يركز على حالتين تاريخيتين ويطبق عليهما نموذجه النظري بشكل معمق. كما كنت سأجد الكتاب أكثر فائدة لو تناول حالة الفراغ في الدولة الوطنية العربية المعاصرة..
ولعل استفادتي الأهم من هذا الكتاب، هي أن لا أتعجل في شراء الكتب الجديدة مهما كانت عناوينها براقة أو نالت تقريظات من أسماء لامعة، لاسيما أن هناك الكثير من الكتب التي تعارف المجتمع العلمي على أهميتها البالغة والتي لم أقرأها بعد.
قانون الفراغ قي تفسير قيام الدول والجماعات وانهيارها
د. كمال القصير
مدارات للأبحاث والنشر
عدد 320 صفحة
نشر عام 2024 الطبعة الاولى
الكتاب رقم 14 من العام 2026
قانون الفراغ هو مفهوم يمتد عبر عدة مجالات:
التنمية البشرية وقانون الجذب: ينص على أن "الطبيعة تمقت الفراغ"؛ فلكي تحصل على شيء جديد في حياتك (مثل النجاح، أو العلاقات الإيجابية، أو المال)، يجب عليك أولاً التخلص من الأشياء القديمة أو السلبية وإفراغ مساحة له.
السياسة وعلم الاجتماع: يُقصد به "الفراغ السياسي"، وهو الحالة التي تنشأ عند انهيار سلطة أو نظام ما، مما يولد فراغاً في القيادة أو الفكر تسعى قوى جديدة لملئه (وقد أشار إليه المفكر ابن خلدون ضمناً في تفسير صعود وسقوط الحضارات).
الفلسفة والفيزياء: يناقش غياب المادة أو الهواء داخل حيز معين، حيث اعتقد فلاسفة الإغريق كـ "ديمتريوس" بوجوده، بينما جادل "أرسطو" بأن الطبيعة تأبى الفراغ.
قانون الفراغ: هو قوة كامنة في العقل الباطن لأنه نقطة الصفر السابقة للعصبية؛ فقبل أن تنشأ العصبية فإنها تحتاج إلى أن تقوم فوق جغرافيا فارغة من الكثافة العصبية والأيديولوجيا. وعندما تمرّ العصبية بعد نشأتها بأطوارها المختلفة مع توالي الأجيال، فإنها تضعف مرة أخرى وتتراجع حتى تتلاشى، ثم تُحدث أثناء انفجارها فراغًا، يمثل وعاء جديدًا يستعد لاستقبال عصبية صاعدة. ويترك انفجارُ العصبية فراغًا في نسيج الاجتماع والجغرافيا السياسية، ويتقلّص حينها مجالُ الدولة؛ فتصبح أطرافها فارغة، ومناسبة للقوى الجديدة للانطلاق منها، والزحف نحو المركز للسيطرة عليه.
عني الكاتب بمناقشة أسباب قيام الدول والجماعات وانهيارها، وسؤاله البحثي منصب على جهد ابن خلدون في تفسير هذا الإشكال، ومساهمته النظرية في هذا الحقل، وهل استطاعت نظريته أن تغطي هذا الإشكال بالجواب المكتمل، أم أنها تركت بياضات كثيرة تحتاج إلى استئناف نظر، حتى تسوي النظرية على أصولها، وتكتمل قواعدها، وتمتلك بذلك قدرتها التفسيرية التفصيلية
وضح ابن خلدون عناصر قانون الفراغ في مقدمته الشهيرة. أما المثقف العربي فقد فاته منذ تعرَّف على ابن خلدون، أن يستثمر أفكار هذا المفكر العملي في الواقع الميداني وفق منهج مبني على أحداث التاريخ وتحولات الحاضر، بعيدًا عن التجريد. يُعالج هذا الكتاب الوجه الآخر للعصبية وهو ما سمَّاه «قانون الفراغ»، الذي يبحث في العلل الخفية، غير المادية، وراء عملية قيام الدول والجماعات وانهيارها؛ فينظِّر له ويُتبع هذا التنظير دراسات حالة -على امتداد فصول الكتاب- في تاريخ الإسلام واتساع رقعة دوله شرقًا وغربًا إلى سقوط الدولة العثمانية. وذلك بهدف الانتقال بصرح ابن خلدون إلى حقل التنظير العملي لاستيعاب تحولات الماضي والحاضر واستشراف المستقبل.
فالعصبية التي كان يربط ابن خلدون قيام الدول بها، والتي تقوم على الروابط بين الجماعات (رابطة الدم، والمعايشة المستمرة، والنسب، والولاءات والأحلاف) لم تعد تستوعب التحولات التي عرفتها الدول الحديثة، ولم تعد قادرة على تفسيرها، وحتى التراتبية التي حدد مراحلها ابن خلدون، حين زعم أن الدولة تتأسس على العصبية، وأن الملك حين ترسى قواعده، ينتهي فيه الحاكم إلى الانفراد بالحكم في مرحلة ثانية، لتأتي مرحلة السقوط بالتفرغ للدعة والترف وتشييد المباني العظيمة، وينتهي بتفكك العصبية. هذه التراتبية التي أصل لها ابن خلدون في نظريته التفسيرية لقيام الدول وانهيارها، تحتاج إلى نظر استئنافي، يجدد قدرتها على التفسير، ويملأ البياضات التي تكتنفها، لاسيما ما يرتبط بالشروط التي تسبق حالة السقوط، في حالة الفراغ التي تعيشها الدولة أو الجماعة، قبل أن تنهار بشكل كلي، فيرى الباحث أن ابن خلدون، اهتم بالأسباب المادية المشاهدة لقيام الدول وانهيارها، ولم يقف على كثير من العوامل الخفية من العلل غير المادية التي تؤدي لسقوط دول وقيام أخرى على أنقاضها، وأن هذا هو الذي سوغ له البحث في قانون الفراغ،.
وهكذا، ينتهي الباحث إلى أن فراغ المضمون الداخلي للدولة وتآكله، هو ما يدفع نحو سقوطها، وأن هذه الحالة، هي التي ينبغي التوقف عند مؤشراتها ومظاهرها بدل الاهتمام فقط بالأسباب المادية الصلبة.
يستند الباحث إلى قصة موت نبي الله سليمان، وكيف لم يدرك الذين تحت قهره وسلطته أنه مات، حتى خر ساقطا بعد أن أكلت حشرات الأرض عصاه التي كان يتوكأ عليها، وأن تأخر إدراك هؤلاء لموته ناتج عن الصيرورة الزمنية التي أخدها التآكل البطيء للعصا من الداخل، ليخلص من ذلك إلى أن حالة الفراغ تأخذ وقتها في الزمن، وأن الدول تفقد في الجوهر مقومات استمرارها في الحياة بشكل مبكر، لكن هياكلها الداخلية تبقى مستمرة، فيخيل في الظاهر أنها ترمز لعافية الدولة، ولا تظهر حقيقتها حتى تقتلعها القوى الجديدة، وتنشئ شرعيتها الجديدة على أنقاض زوالها.
تذهب جرأة الباحث بعيدا في القول بأن قانون الفراغ يفسر في عدة مواضع نماذج سياسية أكثر مما يفسره قانون العصبية، ، فيرى أن قانون العصبية ليس لديه كثير مما يمكن قوله في تشكل تنظيم القاعدة، أو تنظيم الدولة داعش، فهذان التنظيمان سيطرا على مناطق ممتدة في الجغرافيا، مع انتفاء شروط القبيلة والعرق المعروفة لدى ابن خلدون. وفي المقابل، فإن قانون الفراغ، يقدم التفسير الفعال لنشأة هذه التنظيمات، فمناطق التوحش والفراغ، تغري هذه التنظيمات بمحاولة إقامة دولة بها، وهو ما يفسر خارطتها الجغرافية في المناطق الحدودية بين العراق وسوريا، وفي أجزاء كبيرة من أفغانستان، واليمن، وفي صحراء كل من ليبيا ومالي.
قانون الفراغ.. الأبعاد النظرية والتطبيق العملي في التاريخ:
قسم الكاتب كتابه إلى خمسة فصول، خصص الأول، للجانب النظري، أي بحث الأبعاد النظرية لقانون الفراغ وبنيته وارتباطاته، وأهم المفاهيم الدائرة في فلكه، سواء عند ابن خلدون أو بحسب الاستقراء العام الذي اعتمده الكاتب. أما الفصول الأربعة المتبقية، وهي جوهر الكتاب وثمرته، فقد خصصها لبحث تفاصيل النموذج العملي لتطبيقات قانون الفراغ وعالميته في الخبرة التاريخية الإسلامية، وذلك منذ نشأة الدولة الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى نهاية الدولة العثمانية مع إفراد الخبرة التاريخية المغربية بقدر كثيف من البحث في الفصل الثالث، ويظهر من لائحة مصادر البحث ومراجعه مدى الجهد النظري والبحثي الذي قدمه الباحث في هذا العمل..
فعلى مستوى البناء النظري، يتوقف الباحث في شرحه لمفهوم قانون الفراغ على ما أسماه تآكل المضمون، ويعني به تآكل مضامين الهياكل السياسية والإيديولوجية للدولة، وانخفاض كثافة عصبتها الاجتماعية، وانكفائها على الأشكال الخارجية المتبقية وتمكسها بها، إذ تحصل هذه العملية في اللحظة التي يتوقف فيها تجديد المضامين ومراجعتها، فيحل الجمود محل التجديد، ويسود التقليد بدل الاجتهاد، ويتم الانعطاف إلى التقديس والتنميط. ويمثل الباحث لهذه الصورة في الدولة الحديثة ونحن نعيش هذه الأنماط الان وهي تفقد مضمونها الداخلي، فتنكفئ على الأشكال الخارجية، ومنها القومية، التي لا تحمل أي مضمون يمكن الرهان عليه لتجديد المضمون الثقافي والإيديولوجي والسياسي والاجتماعي، وإنما هو مجرد وعاء خارجي يحتاج هو نفسه لمن يملأه بمضمون حضاري يدفع نحو الفاعلية والتجديد والحركة.
ويضرب لذلك مثلا بتركيا ما بعد العثمانيين، وكيف فقدت مضمونها الداخلي رغم تمسكها بالوعاء القومي، وكذلك بالدول العربية القطرية التي نشأت بعد الزمن العثماني، متجردة عن أي مضمون فكري وسياسي واجتماعي، مما اضطرها للاغتراب في إيديولوجيات الأجنبي في محاولة فاشلة لإضفاء مضمون داخلي على الوعاء القومي الذي تبنته.
اكتشاف الجزر الفارغة واستثمار الفراغ.. دروس من التاريخ : يعتبر الباحث في تفسيره لصعود دولة المدنية في التجربة الإسلامية النبوية، أن اتجاه النبي الكريم إلى المدينة المنورة كان القرار الأكثر ذكاء في العالم في تلك المرحلة، بالنسبة إلى انبعاث دين جديد وانتشاره، إذ تم توطين المشروع في جغرافية فارغة ملائمة للصعود والتمدد، ويفسر الباحث هذا الاستنتاج بالقول بأن المدينة المنورة كانت تشكل منطقة فراغ بامتياز، سواء من حيث غياب العصبية القبلية الجامعة لمكوناتها، أو من حيث غياب الإيديولوجيا الكثيفة، وذلك مقارنة بمكة التي كانت مركزا للكثافة الدينية ومركزا للعقيدة الوثنية، وكانت تركيبة السلطة فيها تخضع لقواعد صارمة، لا يملك أحد أن يحصل على جزء منها ما لم يكن ممثلا في دار الندوة، ولم يكن بإمكان أي قبيلة أن تتخذ قرارها بشكل مستقل عن باقي الشركاء سواء في قضايا الحرب أو السلم أو بخصوص إدارة شؤون الحرم. في حين لم تكن في المدينة المنورة سلطة منظمة، وهو ما أسهم في بناء نموذج سياسي بعيدا عن الضغوطات ودون مخاصمة لنموذج سياسي قائم. يقدم الباحث نموذج الفتوحات الإسلامية وخارطة التمدد الإسلامي في العالم كنموذج تطبيقي لتفسير سقوط امبراطورية فارس والروم، حيث اعتبر هذه الفتوحات شاهدا على أشكال من استثمار جغرافية الفراغ التي تشكلت بسبب سقوط عصبيات الدول الكبرى، إذ بدأ التمدد من استثمار الفراغ في أطراف الامبراطوريتين (منطقة الجزيرة العربية، مصر، طرابلس، وبرقة، المغرب).
ومن الأمثلة والوقائع التي أعمل عليها الباحث نموذجه التفسيري المستند إلى قانون الفراغ سقوط الدولة الأموية، فألمح إلى الثورات التي واجهها الأمويون، وكيف ضعفت أيديولوجيتهم في مواجهة خصومهم في الحجاز والعراق ومصر، وذكر سبيين رئيسين لتحلل دولة الأمويين أولهما هو ظهور مشكلة الأطراف، والثورات في منطقة الفراغ وزحف هذه الثورات على السلطة، ثم ثانيا انتشار وباء الطاعون سنوات متواصلة، وركز على الجانب فراغ الدولة من مضمونها الإيديولوجي في مواجهة إيديولوجية عباسية صلبة وكثيفة، وكيف تم استثمار الفراغ في منطقة خراسان، حتى أضحت الخاصرة التي ضرب منها الأمويون، إذ لم يستطيعوا ان يبنوا عصبية قبلية جامعة في خراسان، فلم تتمكن القبائل المتناحرة في هذه المنطقة من مواجهة صعود العباسيين، وذلك بالرغم من جهود الأمويين في إدارة مسألة العصبية في تلك الأطراف، واستطاع الفرع العباسي الأكثر دينامية ونشاطا أن يستثمر أجواء الفراغ، وضعف العصبية، ليبرر صعوده وتمرده على الدولة الأموية.
وقد تناول الباحث فراغ الأندلس بنفس الأدوات التحليلية، إذ كانت الأندلس تعيش بعد سقوط الدولة الأموية وضعا مشابها، من جهة مواجهة كثرة الاضطرابات والصراعات بين اليمينة والقيسية والانقسامات العرقية، وغياب عصبية جامعة، إذ لم يساعد تدهور الدولة الأموية على تدخلها لحل النزاعات في الأندلس، فساعدت سنوات القحط وسوء أحوال الاقتصاد في بروز فراغ سياسي وتفكك عصبي، فجاء أموي آخر هارب من المشرق (عبد الرحمان بن معاوية)، واستثمر أجواء الفراغ، فأقام دولة عصبية أموية جديدة بعيدا عن السلطة المركزية للعباسيين، فجدد الدولة الأموية في الأندلس على حد ما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته.
وقد تناول الباحث أيضا الصعود الفاطمي كجواب عن الفراغ الذي تركته الدولة العباسية لاسيما في الأطراف، وفسر ذلك بفشل الشيعة في مواجهة العباسيين في المركز واضطرارهم إلى الانتقال بدعوتهم نحو الأطراف أي مصر، وتناول في المقابل، ظهور دولة الأدارسة على أطراف نفوذ الدولة العباسية (المغرب)، إذ بنى الأدارسة نموذجا للتسنن الممزوج بحب آل البيت في المغرب الأقصى، فأسسوا دولتهم في الفراغ، الذي كان في الواقع ينتمي لمنطقة جغرافية مستقلة نسبيا عن النفوذ العباسي بعد أن أقطع هارون الرشيد إبراهيم بن الأغلب شمال إفريقية، والأمر نفسه يصدق على دولة العبيدين في الأطراف من شمال إفريقيا التي تأسست في منطقة تعرف فراغا إيديولوجيا وفكريا وتعاني من المظالم الضريبية.
يبدأ المُلك بتشكل العصبية، وينتهي بعد تفككها.. ثم تتشكل عصبية أخرى وتدور في دورتها الخاصة. هذا ما قاله ابن خلدون. لكن ابن خلدون أشار ولم يقل لنا عن تلك الحالة التي تسبق تشكل العصبية واشتدادها، ولا تلك الحالة التي تعقب انهيار الملك. أقصد حالة (الفراغ والخواء) التي تفسر الانهيار الذي يبدو مفاجئا، وتستدعي الملء الذي يصير لازما. والكاتب كمال القصير هنا، يلفت الانتباه إلى ما جعله قانونا في سياق التاريخ. وسمّاه (قانون الفراغ). هذا الفراغ الذي يبدأ مع مرحلة الدعة والترف، ويمتد إلى ما بعد انهيار الملك. والفراغ خواء إدارة على مستوى الدولة، وفراغ فكر على مستوى المجتمع. والخواء لا يعني بالضرورة غياب الهيكل والشكل والخارجي. كما تحدث الكاتب عن الإفراغ المتعمد والقدري. وهذا مهم جداً. جاء هذا التنظير في الفصل الأول من الكتاب، وهو الجزء الأهم. ثم أتبعه الكاتب بدراسة حالة من التاريخ الإسلامي القديم على امتداده منذ البعثة والفتوح إلى العباسيين والدول من بعدهم. ودراسة أخرى عن الدولة السعودية والفكر الوهابي من الزمن الحديث. وختم كتابه بنقاش قدرة النموذج التركي على ملء الفراغ الإسلامي السنيّ الحاليّ. وفي الكتاب مقارنة غير وافية -ولا لازمة- بين واقع الفراغ في العالمين السني والشيعي. ولم يخلُ الكتاب من تكرار وإطالة في غير ما موضع.
فكرة الكتاب ممتازة، وهذا "الفراغ" يستحق الالتفات إليه معطى في معادلات الهدم والبناء على السواء. وقد تمنيت لو أن الكاتب ناقش (الفراغ) في سياق الحضارة الغربية وواقعها المعاصر، وفي ظاهرة الدولة الوطنية العربية الراهنة. وخطر لي التساؤل عن (حراسة الفراغ)! فإذا كان هناك من يقوم بالإفراغ المتعمد، أفلا يكون هناك من يحرص على بقاء الفراغ أياً كان سببه وشكله؛ يمده ويحرسه؟
لا أتذكر أنني قرأت مقدمة ابن خلدون ولكن أفكارها الأساسية قرأتها فى مواضع مختلفة من كتب ودراسات ومقالات مختلفة لذا لم أشعر بالحاجة لقراءتها مباشرة ولكن كانت المرة الأولي التي أشعر بها أنني لم أستوعب المقولات الأساسية للمقدمة ولكنه فى المجمل كتاب ماتع ينطلق الفكرة الأساسية أن الفراغ السياسي لأنظمة الحكم المركزي والتي تميزت به الامبراطوريات علي الأطراف كان يلعب الدور الأهم فى صعود قوي جديدة تستغل حالات الضعف وثم تمتد من الأطراف إلي المركز مع ضعفه وازدياد قوتها العصبية. دعم الكتاب هذه الأطروحة بأمثلة كثيرة منذ عصر ما بعد الخلافة الراشدة حتي الأسرة المالكة الحالية فى المغرب.