في البداية ظننت أن قالب الكتاب سيكون روائي لكن اتضح أنها فصول من مذكرات الكاتب.
يحكي الكاتب في هذه الفصول القصيرة فترة حافلةً في حياته، انتقل فيها من الإسكندرية إلى الكويت التي كانت وقتذاك أشبه بعاصمة للثقافة العربية، يجتمع فيها الأدباء والشعراء والفنانون والموسيقيون من كل أطراف العالم العربي، ومنها كذلك تصدر أهم المجلات العربية وفيها تقام أهم الأمسيات الفنية والثقافية. ثم ما لبثت يد الغزاة أن طالت هذه اللؤلؤة الجميلة، وقلبت نهارها ليلًا وأمسياتها جحيمًا وهدمت كل مظاهر الجمال على رؤوس قاطنيها..
بحكم نشأتي فقد درست عن الغزو العراقي للكويت وعن الكويت في حقب مختلفة من تاريخها لكنني لما أطلع بما يكفي على مذكرات من عاش فيها في تلك الفترة وقلما لمستُ الحديث عن الغزو العراقي في أعمال وقصص كتبها غير الكويتيين ولذا كان هذا الكتاب رغم صغر حجمه إضافةً جميلةً لمعرفتي الضحلة، وقد شجعني على قراءة كتاب "أيام الغزو" الصادر أيضًا عن منشورات تكوين والذي كتبه الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط.
التنقل في هذه المذكرات لطيف للغاية، يحكي الكاتب في بعض الفصول معاناته في ست وعشرين يومًا قضاها تحت وطأة الغزو، ويتنقل منها إلى حياته قبل المجيء إلى الكويت، وعن بداياته فيها والسنين العشر الاولى التي سبقت اغسطس ١٩٩٠، وينتقل كذلك في خواتيم الكتاب إلى عودته للكويت بعدما سُمح للعاملين فيها بالعودة بعد التحرير، وهو في هذه الانتقالات سلس جميل لا يزعج القارئ ولا يُرهقه بتفاصيل ليس لها داع.
استوقفني ارتباط الكاتب العاطفي بابنته وكيف كان كلما تزاحمت في رأسه الأفكار وفي قلبه المشاعر هرع إلى ورقته وقلمه وكتب الرسائل إلى ابنيه كأنهما ملجؤه ووجهته، وهو المحرر الصحفي الذي يمكن أن تكون الجرائد والصحف وتجميع المسودات هدفه الأول، لكنه عوضًا عن ذلك يكتب إلى أبنائه أولًا.
لفت زكريا عبدالجواد من مشاهداته أيام الغزو انتباهي إلى مدى فداحة الموقف وقتذاك، حين كان الزعيم المشؤوم يتشدق أمام الكاميرات والميكروفونات بعروبته وقوميته وعدائه لإسرا.ئيل لكنه في الحقيقة هاجم أول ما هاجم: جيرانه وأقرب الديار إليه، وأحدث بهذه الرعونة شرخًا لم ولن يلتئم في جسد عروبتنا، يبقى أثره حتى اليوم في نظرتنا لبعضنا وتعامل كلٍ منا مع الآخر، الآخر الذي لم يكن ليكون "آخرًا" لولا جنون صدام ذات صباح صيفيٍ غابر.
كتاب جيد أنصح بقرائته وأعتبره "بوابة" لكتب أكثر تفصيلًا وتوثيقًا.