نجمةٌ واحدة لكتابٍ خُطَّ على غلافِه اسم الشيخ بناهيان. هذا ما لم أتخيله في حياتي قط!
الحديث عن الكتاب ذو شجون، ولا يغرنّكم غلافُه وعنوانه ولا مؤلفه، فداخله لا يشبه خارجه إلا في كلمة الأسرة التي لم تتكرر سوى مرات قليلة في الكتاب -رغم أن الأسرة موضوعه الرئيس- وشبه الأسلوب بأسلوب الشيخ بناهيان في محاضراته، لا في كتبِه.
تصفحته قبل أن أبدأ بقراءته، ولفتني إخراجُه الضعيف وكأنه كتابٌ طُبع في بداية الألفية الثالثة، لا قبل عامين فحسب! تجاهلتُ هذه النقطة تقديمًا للفائدة على الشكليات، رغم أنِّي انزعجتُ منها فيما بعد لتأثيرها على عملية القراءة.
إنَّ أولَ ما توقعته من الكتاب هو تعريفه للأسرة الصالحة قبل أن يناقش معالمها، ولكن الصفحات كانت تُطوى، وحتى الصفحة الأخيرة.. لم أجد تعريفًا للأسرة الصالحة، ولا حتى ترتيبًا لمعالمها! أدركُ أنَّه على القارئ أن يكون ذكيًّا بما يكفي لكي يستخلص المعاني من الكتاب، وأنَّ الكاتب ليس ملزومًا بمدِّ ملعقةِ المعرفة إلى فم القارئ، ولكنَّه على الأقل لا يتركه أمام مائدة فارغة، ولا يقتصر على طبقِ مقبِّلات مع توقع القارئ منه وليمةً كاملة!
بدأ الكتاب تقريبًا عند الصفحة الستين، أي في منتصفه، أما الصفحات الستون الأولى فقد تضمنت مواضيع يصعب أن تجد العلاقة بينها وبين الموضوع الرئيس للكتاب -إن وُجدت علاقة مباشرة-، ولم تخلُ الصفحات الستون الأخيرة من مثل هذه الفصول، ولكنها كانت أقل نسبيًّا.
جاءت الفصول -إن صحَّت تسميتها بهذا الاسم- عشوائيةً، بلا عناوين، وقصيرةً جدًّا، بِطول مقطعٍ تشاهده للشيخ على منصات التواصل الاجتماعي، وهذا ما لم تعتد عليه في كتبه -إن كنتَ قد قرأتَ له-، وأغلب الفصول التي ضمّت بين سطورها ما يمكن أن تستنتجَ أنه من معالم الأسرة الصالحة كانت تكرر بعضها وتعيد صياغةَ النقطة نفسها ولكن بأسلوب أو مثال جديد، وقلَّ وندرَ أن يأتي فصلٌ بمعلومةٍ جديدة.
ذُكرت بعض الروايات والأحاديث في موقعها المناسب، ولكن خلوَّ الكتاب كليًّا من المصادر وعدم الإشارة حتى إلى سند الرواية كان مزعجًا، أضف إلى ذلك اقتصار الكتاب على ذكر الرواية التي تستحق تأملًا في تفاصيلها دون الوقوف عليها، وكأنَّها أضيفت زينةً له، لا من أجل التوضيح وتقديم المعرفة.
من طريقة عرضه، صفحاته الأولى، أسلوبه، وأخطائه اللغوية، شككتُ في انتسابِ محتواه للشيخ بناهيان، ولولا الشبه في الأسلوب لأنكرتُ ذلك تمامًا. وإن كان الكتابُ له، فلا أعتقد أنَّ الشيخَ كاتبُه، لعلّها اقتباساتٌ من محاضراتٍ ألقاها فجُمعت تحت اسمه، وهذا أقرب التفاسير إلى ذهني، وأزعجني ألا يكون محتوى الكتاب -بعيدًا عن الروايات والأحاديث- واضحَ المصدر، فكتب الشيخ بناهيان تصدر عن مؤسساتٍ معروفة، ولا تخلو من اسم المترجم أولًا، وتتميز بترتيبها وفصولها المتسلسلة وعدم إهمالها للمصادر ثانيًا، واهتمامها بسلامةِ اللغةِ وفصاحتها ثالثًا، ففي قراءتي لكتابِه (العبد والمولى) شدَّني استعمال بعض المفردات العربية التي تظنُّ بوجودها أن الكتابَ كُتب أصلًا بالعربية، ومع تتبعي للغته -أي كتاب العبد والمولى-، لا أذكر أنّي صادفتُ خطأً لغويًّا واحدًا، وإن كان، فمرة أو مرتين فحسب، وجلَّ من لا يسهو.
أزعجني الكتاب كثيرًا، لا لسوء محتواه أو تخييبه ظنوني، ولكنني أحسستُه وسيلةً للمتاجرة باسمِ الشيخ بناهيان، فمَن قرأ له ولو كتابًا واحدًا سيستشعر الفرق بين كلِّ تلك الكتب (أدب الصلاة، ثقافة الانتظار، العبد والمولى) وهذا الكتاب.
بعد كتابةِ كل ما سبق، بحثتُ لكي أصلَ إلى إجابةٍ تزيح عني الظنون، ولكي لا أنشر ما كتبت عن جهلٍ وتقصير، فاتضح لي أنَّ الكتاب لم يكن سوى تجميعٍ لخمس محاضراتٍ ألقاها الشيخ في عام ٢٠١٣، جُمعت في الكتاب بمثلِ ما هي عليه في الموقع الإلكتروني، دون ترتيبٍ أو عنونة، وهذا ما لا أحبه في كتبِ التجميع، فمن قال أنَّ قراءةَ المحاضراتِ -نصًّا كما أُلقيت- كالاستماعِ إليها؟ بل إنَّ نسخَها ولصقها فطباعتها يفقدونها بريقها، وإنَّ للكتابِ المقروء شأنًا يختلف عن المحاضرات، فكما أنَّه من المستحيل أن تعدَّ نفسك محاضرًا حين تأتي بكتابٍ فتقرؤه نصًّا على المستمعين دون أن تبذل أيَّ جهدٍ أو تقدم أي إضافة، يستحيلُ أن يكونَ الكتابُ كتابًا حين يملي على قرائه محاضرةً لها أجواؤها الخاصة.
إضافةً لكلِّ ما كتبت، أعيبُ في دار النشر عدم تنويهها عن هذا الأمر، أي كون الكتاب مجرد تجميع للمحاضرات، لا من تأليف الشيخ نفسه. ومع شدة انزعاجي منه، إلا أنني من خلاله أدركتُ أنَّ مرافقةَ الشيخ بناهيان لي في سفري الأخير صوتًا وصورةً وكلمةً، من خلال استماع محاضراته وقراءة كتابه (العبد والمولى) أثمرت بمعرفتي له، وتمييزي لصوتِه المسموع عن صوتِه المقروء، وهذا حقيقةً أثمن ما أهداني إياه الكتاب.