في كتابه "في أدب مصر الفاطمية"، يأخذنا محمد كامل حسين في رحلة فريدة عبر الأدب الذي أُنتج في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ مصر. يطرح المؤلف تساؤلات مثيرة حول موقف المصريين من الحكم الفاطمي: هل كانوا راضين، أم أن أقلامهم كانت تصطف ضد الحكم؟ يسعى الكتاب إلى تقديم صورة شاملة للأدب الفاطمي، بدءًا من العقيدة الشيعية وما كتبه الشعراء حولها، وصولاً إلى آراء المؤرخين والفقهاء. بأسلوبه العميق والموثق، يفتح حسين أمام القارئ نافذة على مرحلة غامضة من تاريخنا، حيث تتجلى التوترات بين التأييد والمعارضة في النصوص الأدبية.
شكرًا "مكتبة جرير" على إتاحة الفرصة لقراءة هذا العمل الأدبي الرائع مجانًا عبر تطبيق "قارئ جرير"، ابتدأت القراءة وإذ بي أفاجأ بالربع الأول من الكتاب وهو يسرد تاريخ العُبيديين (المسمَّوْن بالفاطميين) سردًا مفصلاً مسترسلاً جميلاً ماتعًا، حتى أني نسيت سبب اقتنائي الكتاب! وددت لو أن الكاتب يؤلف كتبًا تاريخية، فلديه من الأسلوب الجذاب ما يؤهله لأن يكون مؤرخًا، فضلاً عن البلاغة والفصاحة وأدواتهما. بعد سرد التاريخ شرع الكاتب في بيان العصر الأدبي، شاعرًا تلو شاعر، قصيدة تلو قصيدة، قصة تلو قصة، العصر الذي لم ندرس عنه شيئًا في المدرسة بسبب الخلاف السياسي المعروف، فمن يعرف مثلاً عمارة اليمني؟ رقيق الطبع فصيح اللسان، ومن يعرف الزبير بن المهذب؟ وأخاه؟ وغيرهم كثر، كالأمير تميم وأمية بن أبي الصلت وظافر الحداد (الشاعر الشعبي بلغة عصرنا)، وقصائد جمة قيلت في مناسبات تاريخية وطقوس استثنائية، لا يسعك إلا أن تستمتع وأنت تجول ببصرك بين صفحات الكتاب، ولذا أنصح كل متذوق للأدب بقراءته، وأراهن أنه لا يعرف عن هذه الحقبة شيئًا.
لسبب ما توقعت من الكتاب أن يكون مدخلًا للأدب الفاطمي، مرتبًا إياه تسلسليا، وبماذا تأثر وكيف تطوّر، لم أجد ذلك كما أردت، ولكنّني ظفرت بغنائم أخرى. فمحمد حسين أولًا مطّلع على كثير من المخطوطات التي لم تنشر، وسعى إلى الحصول عليها بنفسه واقتناها، ولم يكتف بالمنشور القليل لكي يحكم، هذا سوى أنه حقّق بعض تلك المخطوطات. وثانيًا: هو منحاز بشدّة للفاطميين وفترتهم، وهذا أمر صحّي في هذا الجوّ من التحامل الشديد على الفاطميين. فهو بذلك يبرز جماليات الإسهام الفاطمي في مجالات عدة. ولكن الكتاب، بالنسبة لي، عابه أحيانًا كثرة الأبيات التي يوردها، هكذا إيرادًا. أحيانا بتعليق موجز، وأحيانا بلا إياه. ولعلّ ذلك احتاج إلى حسّ ناقد، أو حسّ مؤرخ، أكثر منه حسّ من يَعرض للفترة. مفيد