What do you think?


شطحات لمنتصف النهار
شذرات من سيرة ذاتية، مكتوبة بطريقة تجمع بين أسلوب الوصف وكثافة الشعر. كتابة جسد حيوي، تبحث عن جمالية مضادة، لا تستلم للغة الاعترافات السهلة أو لغة السرد المباشر، المطول. ستة وأربعون نصاً يستعرض محمد بنيس من خلالها لحظات من حياته الشخصية، اليومية، الثقافية، منذ سنوات الطفولة حتى بداية التسعينيات، وقد انتقل من فاس إلى المحمدية، ومن التدريس في المحمدية إلى كلية الآداب في الرباط، ومن الكتابة الشخصية إلى الحياة الشعرية والثقافية في السبعينيات والثمانينيات كما عاشها، في أوضاعها وصراعاتها. كتابة تستعيد الماضي لتتأمله بوعي يختار لغة المقاومة.
303 pages, Paperback
Published January 1, 2018
About the author
محمد بنيس
37 books40 followersتابع دراسته العليا بكلية الآداب والعلوم الانسانية بفاس حيث حصل على شهادة الاجازة في الأدب العرب سنة 1978. وفي سنة 1978 دبلوم الدراسات العليا من كلية الأداب والعلوم الانسانية بالرباط، ومن نفس الكلية حصل على دكتوراه الدولة سنة 1988.
يعمل حالياً أستاذاً للشعر العربي الحديث بنفس الكلية.
أسس مجلة الثقافة الجديدة سنة 1974 وهو أحد مؤسسي (بيت الشعر في المغرب) إلى جوار محمد بنطلحة، صلاح بوسريف وحسن نجمي.
يتحمل حالياً مسؤولية رئاسة (بيت الشعر في المغرب). حصل على جائزة المغرب عن ديوانه (ورقة البهاء). تلازمت كتاباته الشعرية مع اهتماماته الثقافية والتنظيرية للشعر العربي.
يعمل حالياً أستاذاً للشعر العربي الحديث بنفس الكلية.
أسس مجلة الثقافة الجديدة سنة 1974 وهو أحد مؤسسي (بيت الشعر في المغرب) إلى جوار محمد بنطلحة، صلاح بوسريف وحسن نجمي.
يتحمل حالياً مسؤولية رئاسة (بيت الشعر في المغرب). حصل على جائزة المغرب عن ديوانه (ورقة البهاء). تلازمت كتاباته الشعرية مع اهتماماته الثقافية والتنظيرية للشعر العربي.
Ratings & Reviews
Friends & Following
Create a free account to discover what your friends think of this book!
Community Reviews
Displaying 1 - 2 of 2 reviews
September 25, 2024
بدأت الحكاية قبل سنة وبضعة أشهر، حين أدركت أن مكتبتي تفتقر للأدب المغربي. تزامن إدراكي هذا مع مشاهدتي لستوري أحد القراء يتحدث فيه عن سيرة الشاعر المغربي محمد بنيس، ولم يكن هذا القارئ مغربيا. وشدتني هذه المفارقة، إذ ما أبعده عن المغرب جغرافياً، لكن بنيس الفاسي يتواجد بمكتبته، بينما مكتبتي تعج بروايات ودواوين كتاب عرب من مصر، سوريا، لبنان، البحرين، الكويت والعراق! وأعلم أني لا أحدُّ نفسي في القراءة، ولا يهمني من أي بلد الكاتب، بقدر ما تهمني جودة أعماله. على ذاك، ارتأيت أن أخطو قليلاً نحو الأدب المغربي و أبدأ بسيرة بنيس هذه، ولم أجد فرصة أنسب من معرض الكتاب كي أقتنيها!
ظلت موضوعة على الرف لثلاثة أشهر، ثم ذات ليلة، بعد منتصف الليل خطر لي أن أشطح مع بنيس! وقرأت أول نص، حائرة، تائهة ومندهشة! عمن يتحدث؟ ومن يقصد بلالّة هذه؟ من تراها هذه السيدة؟ أمه أم جدته؟ ورغم عدم فهمي له إلا أني أكملت القراءة، وانتقلت للنص التالي، والدهشة تحيط بي! لم أقرأ منذ زمن سرداً فاتناً كهذا. ووجدتني مهرولة إلى بعض الأصدقاء، أحكي لهم عما قرأت، و عن شاعرية بنيس ولغته المصقولة بعناية فائقة!
"المطبعة ومخلوقاتها".. كان هذا النص خير تجسيد لافتتاني ببنيس، إذ قرأته أربع مرات متتالية، حتى وجدتني أسجله بصوتي وأحفظه في هاتفي ثم أرسلته لمن سبق لي أن حدثتهم عن بنيس. نص كهذا لا يسعني أن أمدحه أو أنقده، بل كل ما أستطيع إزاءه هو أن أنقله حرفا حرفا بالنقطة والفاصلة. وكذلك فعلت. ولا أذكر كم مرة استمعت إليه، حتى حفظت بعض فقراته عن ظهر قلب. وأنظر إلى مارتن بوكنر، وكتابه "العالم المكتوب" وأرى إلى عجزه مقارنة بالعالم الذي صوره بنيس. ليت يوهان غوتنبرغ حياً، كي يقرأ هذا النص المكتوب في مديح الطباعة. وفي لحظات كثيرة كنت أغفل عن اسم يوهان هذا، لكني لن أنسى اسم أحمد الرايس الذي نفث السم في دم بنيس حين وشى له بفكرة طباعة ونشر ديوانه الأول. كواليس مجلة "الثقافة الجديدة" ومشاوير بنيس الكثيرة إلى المطبعة وحرصه على صدور العدد في وقته المحدد. عن حيرة اختيار كل من العنوان والغلاف وتيه الكاتب بينهما. ورغم المرات العديدة التي قرأت فيها هذا النص أو استمعت إليه، إلا أنه لم يفقد لذته قط، بل كنت في كل مرة ألاحظ تفصيلاً صغيراً ضاع مني في قراءات سابقة!
"الصدفة وحدها"، "الكهف"، "سنوات النحو".. نصوص أخرى تحتم علي تسجيلها ومشاركتها مع الأصدقاء، وللدهشة بقية. يحكي عن بنيس عن ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في المغرب، عن فاس مترنحة بين الأصالة والحداثة، بين الفرنسية كلغة ازدهار والعربية كرمز تخلف، عن ظهر المهراز والثكنة العسكرية وثانوية ابن كيران. تجمعات الأصدقاء في الكهف وأحاديث تتشعب في الأدب والفن والثقافة مع تردد على السياسة. ويتوله بنيس الشاب بالأدب شاقاً طريقه نحوه، يتطلع إلى إصدارات الشرق الأدبية ويرنو إلى ثقافة فرنسا ويرتوي منها هي الأخرى، مترجما من أدبها ما أحب. ومن الأدب إلى اللسانيات يمضي بنيس سنوات النحو في ظهر المهراز.
"مناديلٌ، مناديل".. النص الأحب إلى قلبي. هنا قرأت بنيس الرجل، متجرداً من صفة المثقف، القارئ، أو الأستاذ. هنا يصف بنيس جماليات المرأة الفاسية ومكانة المنديل عندها. ويحكي كذلك عن تشبث الفاسيات بأصالتهن في مجتمع يركض وراء حداثة معطوبة، عن عذابات وشهوات الرجل الفاسي إزاء هذا الجمال الباذخ لدى النساء الفاسيات، عن تنكر الرؤية للحياد، عن اضطراب الأعضاء وضحكها في حضرة هذا البهاء النسوي الفاسي. يذهب بنيس في تصوير جماليات المرأة الفاسية ومناديلها بعيداً إذ يرصد اختلافات أنسجة هذه المناديل، عن الحرير والستان ولمعانهما، تطريز الورود على المناديل وتنوع ألوانها، وكيف تُعقَد حتى يبرز هذا الطرز الذي يجمِّلها، مع خصلات شعر متدلية وأقراط لها من النعومة ما لهذه المناديل. وللدهشة بقية.
"عذابات المعنى"، و"تحت سماء المواجهة" كانا تمهيداً لرحيل بنيس من فاس، بعد فترة طويلة من اللا انتماء، هذا الشعور الآخذ بغزو بنيس قد أفلح أخيراً في انتشاله من هذه الأرض الحافلة بالتناقضات، إلى أرض أخرى لم تُشَوَّه بعدُ، المحمدية. بعد تنصيبه في وزارة التعليم رفقة زوجته، أمامة، ينتقل بنيس معها إلى العيش بالمحمدية حيث يحل البحر الأطلسي محل حدائق فاس وزليجها. وحيثما ارتحل المرء أوجد لنفسه متنفساً. ورغم أن هموم المثقف قد زادت بعد احتكاك بنيس بالوسط الثقافي في الدار البيضاء أو الرباط، إلا أنه عقد العزم على وضع رجله في هذا الوحل الثقافي المغربي من خلال المشروع المؤجل لسنين طويلة، مجلة الثقافة الجديدة رفقة مصطفى المسناوي وعبدالله راجع. هابطاً إلى جحيمه، يصور بنيس في بضع نصوص أخرى كيف أن الثقافة حددت مصيره.
"جدارٌ بين لغتين"، "صباحُ شاعرٍ"، "السبعينيات"، "أسطورة أن يفهموك".. آثار الاستعمار ولغته التي تأبى أن ترحل دون أن توصم العربية بالرجعية والتخلف، جاعلة بذلك من نفسها اللغة الأهم بالنسبة لأرستقراطيي المغرب وأصحاب القرار فيه. وها بنيس الآن يحاول أن يواكب اللغتين، وما يصدر بهما في الشرق والغرب، وها هو مغرب ينقسم بمبدعيه إلى فرانكفونيين وعربيي اللسان والقلم في الأدب والفن بشتى صنوفه. ويعد تسلق هذا الجدار شرطاً كي يكون المرء مثقفا في مغرب السبعينيات. وحتى إن فعلت فلن يفهموك، فلا أنت هنا ولا أنت هناك. ولا عزاء لبنيس سوى الصباح، يقرأ ويكتب فيه ما يشاء من الشعر، متنقلاً بين أعلام الشعر الغربي مثل رامبو، ملارمي، ريلكه، دانتي وبورخيس وأيقونات الشعر العربي كالسهروردي، أبو حيان التوحيدي، ابن عربي، امرؤ القيس، المتنبي والقندوسي. يباركهم بنيس جميعاً، ويمضي إلى وطنه الوحيد، الكتابة، كل صباح.
"الجحيم الثالثة"، "قوة اليأس"، "هل جاءك النبأ؟".. يسطر بنيس إحباطاته من النظام وقمعه للمبادرات والمنتجات الثقافية في الثمانينيات. سنوات الرصاص في المغرب تحول كل شيء إلى رماد، مهما كانت دوافع صاحبه أو قوتها، ولا يهم على أي أرض بنيت مشروعك الثقافي، للنظام سلطة وسطوة عليك وهو قادر دائماً على هدم ما بنيت! وتمر سنين، وعقود، وتدرك بأن الأنظمة الجائرة كهذه لا تريد لشعبها أن تمحى الغشاوة عن عينيه، إذ هي قائمة على عماه، وبهذا تُسَيِّرُه كما تشاء. أيديولوجيات تحكم كل السيناريوهات في هذه البلاد. ومقص الرقيب يطول كل شيء، فلا تغامر كثيراً!
وفي ختم سيرته الذاتية، يخبرنا بنيس كيف يرى نفسه ويتهيأ لمجهوله، وما يعنيه بالمجهول هو التيه في الكتابة، أرضه وموطنه. وبعد ستة وأربعين سنة على هذه البسيطة، يحكي بنيس كيف عبر النهر إلى الصحراء، ولا داعي لشرح رمزية كل منهما. إذ ظل لسنوات يحاول خدمة الثقافة والوطن حتى يكتشف أن الوطن يمقت محاولات كهذه، ويعاوده شعور اللاانتماء بشكل أقوى وأوسع هذه المرة، فيتخذ بعدها من الكتابة أرضاً له ومن التيه شعلة يحملها على الدوام. أما عن أزمة منتصف العمر وما تدِرُّ من اضطرابات نفسية فإن بنيس يحيل إليها بشاعرية مرهفة من خلال العنوان الذي اختاره لسيرته، "شطحاتٌ لمنتصفٍ النهار".
أنهى بنيس هذا الكتاب سنة ١٩٩٤، وبعد مضي ثلاثين سنة عليه، آملُ وبشدة أن يتوج بنيس شطحاته هذه بجزء آخر بعد أن عاش على هذه الأرض السعيدة بضع عقود أخرى. ولي أن أتصور حجم الفراغ الذي ستتركه بي هذه السيرة بعد أن رافقتني لعشرة أشهر كانت فيهما خير ملاذٍ، ولطالما بكيت مع بنيس، وغضبت للتعسف الذي مورس عليه، فرحت لإنجازاته، تحفزت بطاقته الشابة، ونهلت بإفراطٍ من شاعريته. وأقول دائماً أن قراءات من هذا النوع كل ما يسعنا حيالها هو أن نحضن الكتاب كمن يودع صديقاّ، ولن أسلط الضوء على جزئية البكاء في الوداع، بقدر ما سأشدد على التوصية المحبة للأصدقاء القراء.
إن أكرمتني الحياة يوماً بلقاء هذا الرجل، سأقبل يده وأقول له، "بوركت يدك يا سيدي".
ظلت موضوعة على الرف لثلاثة أشهر، ثم ذات ليلة، بعد منتصف الليل خطر لي أن أشطح مع بنيس! وقرأت أول نص، حائرة، تائهة ومندهشة! عمن يتحدث؟ ومن يقصد بلالّة هذه؟ من تراها هذه السيدة؟ أمه أم جدته؟ ورغم عدم فهمي له إلا أني أكملت القراءة، وانتقلت للنص التالي، والدهشة تحيط بي! لم أقرأ منذ زمن سرداً فاتناً كهذا. ووجدتني مهرولة إلى بعض الأصدقاء، أحكي لهم عما قرأت، و عن شاعرية بنيس ولغته المصقولة بعناية فائقة!
"المطبعة ومخلوقاتها".. كان هذا النص خير تجسيد لافتتاني ببنيس، إذ قرأته أربع مرات متتالية، حتى وجدتني أسجله بصوتي وأحفظه في هاتفي ثم أرسلته لمن سبق لي أن حدثتهم عن بنيس. نص كهذا لا يسعني أن أمدحه أو أنقده، بل كل ما أستطيع إزاءه هو أن أنقله حرفا حرفا بالنقطة والفاصلة. وكذلك فعلت. ولا أذكر كم مرة استمعت إليه، حتى حفظت بعض فقراته عن ظهر قلب. وأنظر إلى مارتن بوكنر، وكتابه "العالم المكتوب" وأرى إلى عجزه مقارنة بالعالم الذي صوره بنيس. ليت يوهان غوتنبرغ حياً، كي يقرأ هذا النص المكتوب في مديح الطباعة. وفي لحظات كثيرة كنت أغفل عن اسم يوهان هذا، لكني لن أنسى اسم أحمد الرايس الذي نفث السم في دم بنيس حين وشى له بفكرة طباعة ونشر ديوانه الأول. كواليس مجلة "الثقافة الجديدة" ومشاوير بنيس الكثيرة إلى المطبعة وحرصه على صدور العدد في وقته المحدد. عن حيرة اختيار كل من العنوان والغلاف وتيه الكاتب بينهما. ورغم المرات العديدة التي قرأت فيها هذا النص أو استمعت إليه، إلا أنه لم يفقد لذته قط، بل كنت في كل مرة ألاحظ تفصيلاً صغيراً ضاع مني في قراءات سابقة!
"الصدفة وحدها"، "الكهف"، "سنوات النحو".. نصوص أخرى تحتم علي تسجيلها ومشاركتها مع الأصدقاء، وللدهشة بقية. يحكي عن بنيس عن ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في المغرب، عن فاس مترنحة بين الأصالة والحداثة، بين الفرنسية كلغة ازدهار والعربية كرمز تخلف، عن ظهر المهراز والثكنة العسكرية وثانوية ابن كيران. تجمعات الأصدقاء في الكهف وأحاديث تتشعب في الأدب والفن والثقافة مع تردد على السياسة. ويتوله بنيس الشاب بالأدب شاقاً طريقه نحوه، يتطلع إلى إصدارات الشرق الأدبية ويرنو إلى ثقافة فرنسا ويرتوي منها هي الأخرى، مترجما من أدبها ما أحب. ومن الأدب إلى اللسانيات يمضي بنيس سنوات النحو في ظهر المهراز.
"مناديلٌ، مناديل".. النص الأحب إلى قلبي. هنا قرأت بنيس الرجل، متجرداً من صفة المثقف، القارئ، أو الأستاذ. هنا يصف بنيس جماليات المرأة الفاسية ومكانة المنديل عندها. ويحكي كذلك عن تشبث الفاسيات بأصالتهن في مجتمع يركض وراء حداثة معطوبة، عن عذابات وشهوات الرجل الفاسي إزاء هذا الجمال الباذخ لدى النساء الفاسيات، عن تنكر الرؤية للحياد، عن اضطراب الأعضاء وضحكها في حضرة هذا البهاء النسوي الفاسي. يذهب بنيس في تصوير جماليات المرأة الفاسية ومناديلها بعيداً إذ يرصد اختلافات أنسجة هذه المناديل، عن الحرير والستان ولمعانهما، تطريز الورود على المناديل وتنوع ألوانها، وكيف تُعقَد حتى يبرز هذا الطرز الذي يجمِّلها، مع خصلات شعر متدلية وأقراط لها من النعومة ما لهذه المناديل. وللدهشة بقية.
"عذابات المعنى"، و"تحت سماء المواجهة" كانا تمهيداً لرحيل بنيس من فاس، بعد فترة طويلة من اللا انتماء، هذا الشعور الآخذ بغزو بنيس قد أفلح أخيراً في انتشاله من هذه الأرض الحافلة بالتناقضات، إلى أرض أخرى لم تُشَوَّه بعدُ، المحمدية. بعد تنصيبه في وزارة التعليم رفقة زوجته، أمامة، ينتقل بنيس معها إلى العيش بالمحمدية حيث يحل البحر الأطلسي محل حدائق فاس وزليجها. وحيثما ارتحل المرء أوجد لنفسه متنفساً. ورغم أن هموم المثقف قد زادت بعد احتكاك بنيس بالوسط الثقافي في الدار البيضاء أو الرباط، إلا أنه عقد العزم على وضع رجله في هذا الوحل الثقافي المغربي من خلال المشروع المؤجل لسنين طويلة، مجلة الثقافة الجديدة رفقة مصطفى المسناوي وعبدالله راجع. هابطاً إلى جحيمه، يصور بنيس في بضع نصوص أخرى كيف أن الثقافة حددت مصيره.
"جدارٌ بين لغتين"، "صباحُ شاعرٍ"، "السبعينيات"، "أسطورة أن يفهموك".. آثار الاستعمار ولغته التي تأبى أن ترحل دون أن توصم العربية بالرجعية والتخلف، جاعلة بذلك من نفسها اللغة الأهم بالنسبة لأرستقراطيي المغرب وأصحاب القرار فيه. وها بنيس الآن يحاول أن يواكب اللغتين، وما يصدر بهما في الشرق والغرب، وها هو مغرب ينقسم بمبدعيه إلى فرانكفونيين وعربيي اللسان والقلم في الأدب والفن بشتى صنوفه. ويعد تسلق هذا الجدار شرطاً كي يكون المرء مثقفا في مغرب السبعينيات. وحتى إن فعلت فلن يفهموك، فلا أنت هنا ولا أنت هناك. ولا عزاء لبنيس سوى الصباح، يقرأ ويكتب فيه ما يشاء من الشعر، متنقلاً بين أعلام الشعر الغربي مثل رامبو، ملارمي، ريلكه، دانتي وبورخيس وأيقونات الشعر العربي كالسهروردي، أبو حيان التوحيدي، ابن عربي، امرؤ القيس، المتنبي والقندوسي. يباركهم بنيس جميعاً، ويمضي إلى وطنه الوحيد، الكتابة، كل صباح.
"الجحيم الثالثة"، "قوة اليأس"، "هل جاءك النبأ؟".. يسطر بنيس إحباطاته من النظام وقمعه للمبادرات والمنتجات الثقافية في الثمانينيات. سنوات الرصاص في المغرب تحول كل شيء إلى رماد، مهما كانت دوافع صاحبه أو قوتها، ولا يهم على أي أرض بنيت مشروعك الثقافي، للنظام سلطة وسطوة عليك وهو قادر دائماً على هدم ما بنيت! وتمر سنين، وعقود، وتدرك بأن الأنظمة الجائرة كهذه لا تريد لشعبها أن تمحى الغشاوة عن عينيه، إذ هي قائمة على عماه، وبهذا تُسَيِّرُه كما تشاء. أيديولوجيات تحكم كل السيناريوهات في هذه البلاد. ومقص الرقيب يطول كل شيء، فلا تغامر كثيراً!
وفي ختم سيرته الذاتية، يخبرنا بنيس كيف يرى نفسه ويتهيأ لمجهوله، وما يعنيه بالمجهول هو التيه في الكتابة، أرضه وموطنه. وبعد ستة وأربعين سنة على هذه البسيطة، يحكي بنيس كيف عبر النهر إلى الصحراء، ولا داعي لشرح رمزية كل منهما. إذ ظل لسنوات يحاول خدمة الثقافة والوطن حتى يكتشف أن الوطن يمقت محاولات كهذه، ويعاوده شعور اللاانتماء بشكل أقوى وأوسع هذه المرة، فيتخذ بعدها من الكتابة أرضاً له ومن التيه شعلة يحملها على الدوام. أما عن أزمة منتصف العمر وما تدِرُّ من اضطرابات نفسية فإن بنيس يحيل إليها بشاعرية مرهفة من خلال العنوان الذي اختاره لسيرته، "شطحاتٌ لمنتصفٍ النهار".
أنهى بنيس هذا الكتاب سنة ١٩٩٤، وبعد مضي ثلاثين سنة عليه، آملُ وبشدة أن يتوج بنيس شطحاته هذه بجزء آخر بعد أن عاش على هذه الأرض السعيدة بضع عقود أخرى. ولي أن أتصور حجم الفراغ الذي ستتركه بي هذه السيرة بعد أن رافقتني لعشرة أشهر كانت فيهما خير ملاذٍ، ولطالما بكيت مع بنيس، وغضبت للتعسف الذي مورس عليه، فرحت لإنجازاته، تحفزت بطاقته الشابة، ونهلت بإفراطٍ من شاعريته. وأقول دائماً أن قراءات من هذا النوع كل ما يسعنا حيالها هو أن نحضن الكتاب كمن يودع صديقاّ، ولن أسلط الضوء على جزئية البكاء في الوداع، بقدر ما سأشدد على التوصية المحبة للأصدقاء القراء.
إن أكرمتني الحياة يوماً بلقاء هذا الرجل، سأقبل يده وأقول له، "بوركت يدك يا سيدي".
September 25, 2024
شطحات لمنتصف العمر، لمنتصف النهار؛ وكم من الوقت يمضي، كم الحيوات تمضي لتصل إلى نهاية النهار. ستة وأربعون شطحة لستة وأربعين عاماً. وها هي حيواتٌ لأناس وقصص ومواقف تمرّ، الآن، أمامك وأنت قبالة الأطلسي. يمر الشريط مثل فيلم في سينما العّشابين في فاس. حيوات المرتادين وقصصهم، أشكالهم وأوهامهم، تتوازى في القدر أهمية مع الأفلام التي كنت تشاهدها أيامَ الجمعة والأعياد هناك، في فاس. حيوات تمتزج بكينونتك، وها هو ذا ذلك المراهق ينبثق فجأة، من المجهول، في منتصف النهار. تخط الشطحات وتنتظر المجهول. شطحاتٌ تحكي عمّا مضى في شاعرية ترى إلى الكتابة ملاذا من الجحيم إلى الجحيم، والكتابة "لغة تدلنا على طريق السفر بين ضفتين،" ضفة الميلاد وضفة الموت. على شاطئ المحمدية كانت الشطحات أنيسا للأمواج والأحجار. هدوء مدينة أعانك على مواجهة عنفوان اليد التي تنفلتُ عن باقي الجسد، فتكتب. لا سلطة لك عليها، ولك الصمت أمام أمواج الأطلسي يا ابن دروب فاس الضيقة. ها هو ذا الصباح يبرز، صباحٌ شاعر. يلد الصباح أبدية الشعر والشاعر. لحظة بين الحياة والموت، والشعر ينفي الصدفة عنه. بعد سنوات من الاعتقاد الرومانسي بأنّ القصيدة تترصّد لصاحبها، يُعلن بنيس الصباح صباح للقصيدة ولا شيء سواها. الليل والغابة، العفوية والبداهة، والانفعال كذلك، هذه وصايا الرومانسية للشاعر الشاب. "كانت القصيدة عندما كانت يدي تغافلني وتكتب ما تشاء وما لا تشاء" قصيدة انفعال، وقصيدة الانفعال تظلّ، على الدوام، وليدة الصدفة. تكتب وتنتظر الليل لتكتب، أو تلجأ إلى حقول ويسلان، منتظرا لحظة التجلي مع غروب شمس فاس، غروبٌ تنسكب خيوطه حمراء بين منعرجات الصمت. تكتب في الليل لتستيقظ على أوراق وكلمات لا تعثر فيها سوى على كلام مبتذل، وليد الانفعال والصدفة، والقصيدة هي حتماً غير الصدفة. يعلمك الصباح الصرامة والتواضع أمام القصيدة، لتطل على أسلافك، أنت المهاجر إلى أرض الكتابة، تعين أسلافك داخل هذا الوطن، ولا وطن لك سواه.
يرحل بنيس عن فاس لكنها تنبثق أبداً في سؤال الذات والقصيدة. بقاياك تزورك في المحمدية. بقايا طفولة ومراهقة "مباركة" تنبعث من جديد، ولكَ العذابات. اكتب، يأمركَ الصوت. اكتب لتعرف سرّ البقايا ففي القصيدة الجواب. فاس القرمزي والأخضر، وبين المشرق والمغرب، تظل البقايا امتدادا لوجودٍ على أرض فاس. تزورك البقايا في صباحات المحمدية، والصباح للشعر والكتابة. هو السؤال ذاته ينبثق بعد عُمر: ماذا تبقى لنا؟ وما لهذه البقايا تتدافع مرة واحدة، بعنفوان، من أجل القصيدة؟ إلى أي مكانٍ أنت مسافر، وهل تسافر فاس فيك أم إليك؟ بقاياك جدار، جبصٌ، نافورةٌ، ولونٌ أخضر.
يرحل بنيس عن فاس لكنها تنبثق أبداً في سؤال الذات والقصيدة. بقاياك تزورك في المحمدية. بقايا طفولة ومراهقة "مباركة" تنبعث من جديد، ولكَ العذابات. اكتب، يأمركَ الصوت. اكتب لتعرف سرّ البقايا ففي القصيدة الجواب. فاس القرمزي والأخضر، وبين المشرق والمغرب، تظل البقايا امتدادا لوجودٍ على أرض فاس. تزورك البقايا في صباحات المحمدية، والصباح للشعر والكتابة. هو السؤال ذاته ينبثق بعد عُمر: ماذا تبقى لنا؟ وما لهذه البقايا تتدافع مرة واحدة، بعنفوان، من أجل القصيدة؟ إلى أي مكانٍ أنت مسافر، وهل تسافر فاس فيك أم إليك؟ بقاياك جدار، جبصٌ، نافورةٌ، ولونٌ أخضر.
Displaying 1 - 2 of 2 reviews



