يبدو لك من اسم الكتاب أنه سيعطيك نبذة عن تاريخ الفلسفة والتصوف، إلا أن "تاريخ" جاءت هنا بالمعنى العامي عندما نقول "راح اطلع لكم تاريخ الفلسفة والتصوف" بمعنى التاريخ الأسود. الكتاب عبارة عن قصة تكون جواراتها بين جماعة من المؤمنين أحدهم دكتور وبينهم درويش وآخر فيلسوف. وما حدث هو أن الكل مجتمع على الدرويش جاعلين منه أضحوكة، ومادة جيدة للسخرية. والمؤسف أن الكاتب جعل الكل نوابغ إلا الدرويش جعله أحمقا لا يرد على الاتهامات الموجهة، بل يأتي بأمور تكون في صالح خصومه بمثابة الرد عليهم، وبعد أشواط الضحك والاستهزاء اهتدى الدرويش !! لا يوجد شيء في الكتاب لمناقشة الفلسفة عدا كونها ليست من القرآن ولا من السنة. كتاب غير منصف. وغير حيادي. وفكرة القصة كانت فاشلة جدا.
الانسان الذي يؤمن بعقيدة وفكرة ما لا يتنازل عنها بسرعة والا اعتبر انسانا بلا عقل، وهذا ما بدى لي في هذا الكتاب، حيث أن الشيخ رحمه الله تعالى أظهر لنا شخصية الدرويش على أنه ضعيف الاعتقاد بحيث أنه من خلال جلسة أو جلستين تنازل عن كل معتقداته وآمن بكل ما قاله الآخرون وقرروه - وان كان ما قالوه مستندا الى الآيات والكثير من الروايات - الا أن المتصوفة والفلاسفة أنفسهم وخاصة الفلاسفة المسلمون فانهم يستندون الى الآيات والروايات أيضا. فمن الواجب في نظري لكي تكتمل الصورة وتثبت أن يطرح ردود واشكالات الفلاسفة على مر العصور. ولكن نلتمس له العذر في ذلك حيث أنه أراد أن يوصل فكرة بسيطة وهي أن العلم والمعرفة لا تأتيان الا عن طريق القرآن وعدله العترة الطاهرة، ومن غير هذين الطريقين فمردود
بالمناسة: عنوان الكتاب ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالتاريخ
الكتاب يتناول بشكلٍ قصصي بعضًا من ملامح الفلسفة والتصوّف وخلاف مدرسة المعارف الإلهية معهما. من جهة فنية، لم يكن اسم الكتاب منسجمًا مع مضمونه بالدرجة المتوقعة، ولم يوفَّق الكاتب لصياغةٍ قصصيةٍ ناجحة؛ فدور الدرويش والفيلسوف لم يكونا واقعيَّين بتسليمٍ الأول دون نزاعٍ مُعتَدٍّ به وصمت الثاني وعدم إشكاله على ما يورَد عليه، ناهيك عن كلمات بعض الشخصيات التي لا تنسجم مع طبيعتهم ظاهرًا، وطبيعة الأحداث، بالإضافة للصياغة التي قد لا تنسجم مع طبيعة البناء القصصي عادةً.
ومن ناحيةٍ علمية، الكتاب يفتقر لمستويات من الدقة المرجوة في هذه المباحث، لكن قد يُعتَذَر لذلك بأنّ طبيعة البناء القصصية تفرض ذلك، وفي مورد ذكره للملا صدرا يُضاف لها ما ذهب له بعض أهل الفلسفة من أنّ غاية ما فعله الملا صدرا هو تقديم فكر ابن عربي في قالبٍ فلسفي لا أنه قدَّم شيئًا آخر، كيفما كان، هنالك موردٌ أو اثنان أظنُّ عُسر أو استحالة جريان هذين العذرين أو أحدهما فيه.
الكتاب واقعًا جيِّدٌ في إعطاء صورة مبدئية حول الخلاف بين الفلاسفة والمتصوفة ومدرسة المعارف الإلهية، وقد يكون رأس خيطٍ، بل أكثر من ذلك، فيعين بشكل جيِّد في مسيرة البحث حول المسائل التي جرى في الكتاب تناولها، بل وغيرها، وواقعًا اشتدَّ عطشي لمسألتين تناولهما الكتاب بعد تطرُّقه لهما: - أما الأولى، فهي المعرفة الإلهية وصانعها، والتي أميل بوضوح لوجهة النظر التي يتبنّاها الشيخ (رحمه الله) إزاءها؛ للنصوص الشرعية الوافرة، واشتدَّ مَيلي بعد قراءتي للمطلب في ما جاد به حبر الشيخ حسين العصفور (رحمه الله) في مسائلَ له، والسيد عبدالله شبر في كتابه مصابيح الأنوار. - أما الثانية، فهي مفهوم العلم في النصوص الشرعية، وأثر المنطق اليوناني على اصطلاحه لدينا.