يسلّط هذا الكتاب الضوء على عصارة الفكر الجنبلاطي وتجربة كمال جنبلاط ومواقفه من القضايا العربّية وفي مقدمتها القضية اللبنانية ، كذلك دوره في مختلف المحطّات من تاريخ لبنان والمنطقة العربية في الفترة ما بين العام 1953 حتى تاريخ استشهاده في 16 آذار 1977، وهي الحقبة التي عايشه فيها الصحافي والمناضل السياسي ورجل الدولة محسن دلول. استنادًا إلى علاقته اللصيقة به طوال تلك السنوات، يتناول دلول في كتابه هذا فصول الحرب الأهلية اللبنانية المشؤومة، من أسباب اندلاعها إلى مسار تطورها، من زاوية مواقف جنبلاط منها في كلّ محطة من محطّاتها حتى تاريخ استشهاده، وأدوار الوساطة التي قام بها باستمرار مع القادة المحليين والعرب لمحاولة احتوائها.
صحافي وسياسي لبناني (مواليد علي النهري، زحلة، 1933) شغل مواقع حزبية في الحزب التقدّمي الاشتراكي منذ عام 1951، وأخرى رسمية في الدولة اللبنانية، إذ عُيـِّن نائبًا عن قضاء بعلبك الهرمل سنة 1991، كما انتُخب نائبًا عن قضاء زحلة عام 1992، وعن محافظة البقاع عام 1996، ثمّ عن زحلة مجدّدًا عام 2000. كذلك، شغل مناصب وزارية في وزارتي الزراعة والدفاع من عام 1990 حتّى عام 1998. له ثلاثة عشر مؤلّفًا سابقًا.
يقدّم الكاتب شهادة قريبة جداً من الحدث ومن الشخص، ويحاول بوضوح أن يكون موضوعياً في سرد الوقائع وتحليلها. إلا أن هذا السعي إلى الموضوعية يصطدم، خصوصاً في الجزء الأول من الكتاب، بثقل السياسة وحرارة المرحلة، حيث يفرض الانحياز نفسه أحياناً، سواء في توصيف الأطراف أو في تفسير بعض الأحداث المفصلية.
مع تقدّم الفصول، يكتسب الكتاب نبرة أكثر هدوءاً ونضجاً. في الأجزاء الأخيرة تحديداً، يبرز ما يشبه الاعتراف الضمني بالأخطاء، ليس فقط على مستوى الخيارات السياسية الداخلية، بل أيضاً في الإقرار بتأثير الدور السلبي للفلسطينيين في تعقيد المشهد اللبناني خلال تلك المرحلة الحساسة، وهو طرح نادراً ما يُقدَّم بهذه الصراحة في كتب السيرة السياسية.
القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في محاولته شرح دوافع كمال جنبلاط في اتخاذ قرارات مصيرية، لا تبريرها ولا تبرئتها، بل وضعها في سياقها التاريخي والنفسي والسياسي. القارئ يخرج بفهم أعمق لتعقيدات تلك المرحلة، حيث لم تكن القرارات وليدة شعارات، بل نتاج ضغوط داخلية، إقليمية، وخيارات محدودة في زمن الانهيارات.
هذا الكتاب لا يقدّم رواية مثالية ولا تاريخاً منزهاً عن الأخطاء، بل شهادة إنسان عاش التجربة من الداخل، وتعلّم منها. لذلك، هو كتاب مهم لمن يريد فهم تلك الحقبة بعيداً عن الخطاب التعبوي، وقريباً من الأسئلة الصعبة التي لا تزال مفتوحة حتى اليوم.
على الرغم من أن الكاتب أسهب في الإشادة بشخصية كمال جنبلاط، وبسعة معارفه، وبقدرته على بناء شبكة واسعة من العلاقات مع العديد من الشخصيات العربية الدبلوماسية، من رؤساء دول ووزراء خارجية، فإنه في المقابل يلمّح إلى وجود قدر كبير من القصور في تقديره ووعيه السياسي، ولا سيما فيما يتصل بعلاقته مع النظام النصيري الذي كان يهيمن على كلٍّ من سوريا ولبنان آنذاك. ويذهب الكاتب إلى أن هذا الخلل في التقدير كان له أثر ملموس في مسار الأحداث التي آلت في نهايتها إلى اغتياله. كما يؤكد الكاتب، في معرض تحليله لمسار الحرب اللبنانية، أنه كان أكثر بصيرة وذكاءً من كمال جنبلاط وسائر حلفائه في فهم تطورات المعارك وفي تقدير طبيعة العلاقة مع النظام النصيري، معتبرًا أن قراءته للمشهدين اللبناني والإقليمي كانت أدق وأكثر واقعية. ويشير الكاتب في جميع المناسبات، وبشكل مستفز ومنافي للحقيقة، إلى أن حافظ الأسد كان حريصًا جدًا على مصلحة لبنان واستقراره، وجادا في تصديه للإسرائيلي، وعلى الحفاظ على التوازن بين الفئات المتقاتلة، بل يلمّح، بما يكاد يرقى إلى التصريح، إلى أن قاتل كمال جنبلاط هو ياسر عرفات والفلسطينيون، وأن حافظ الأسد الهالك بذل جهده للتفاهم مع كمال جنبلاط، غير أن الأخير كان، بخفة وسوء تقدير، متأثرًا بالضغط الفلسطيني ورفض التفاهم بشكل مطلق.