إلى أي حدّ يغيّرنا المرض؟ وبأيّ معنى يكون هذا الشخص المريض، والنحيل، والشاحب، وطريح فراشه جلدًا على عظم، والواجم، والعاجز حتى عن تحريك شفتيه من أجل أن يمنح أقاربه وأصدقاءه ابتسامةً خاطفةً ولو مجاملةً، بأي معنى يكون هو نفسه ذلك الشخص الذي كان قبل المرض ممشوق القوام، وصبوح الوجه، ومورّد الخدّين، ومفعمًا بالحيويّة والنشاط، ومحبًّا للضحك؟ هل يكون المرء هو هو بعد المرض، وبعد أن يكون المرض قد غيّر كل شيء في هيئة جسده، فضلًا عن حالته النفسيّة؟ كان إميل سيوران، الكاتب الفرنسيّ/الرومانيّ العدميّ، يقول بأنّ “على المرء أن يغيّر اسمه بعد كل تجربة مهمّة” في الحياة، والمرض ليس فقط تجربة مهمّة كان علينا أن نغيّر أسماءنا بعدها حتى نكون أشخاصًا آخرين، وكي نسمّي المسمّيات بأسمائها الحقيقيّة، بل هو أخطر تجربة بشريّة بعد الموت؛ لأنه التجربة البشريّة الوحيدة تقريبًا التي تغيّرنا على نحو كامل أو شبه كامل بحيث لا نعود بعده كما كنّا قبله، حيث يصبح جسدنا ليس فقط مفصولًا عنا، ومركز تحكّمه خارجنا، بل كأنه صار شيئًا آخر غريبًا عنّا وعلينا، بحيث لو وقف الواحد منا أمام المرآة لما عرف نفسه، ولما عرف أن هذا الشبح المعروض أمامه هو جسده بعد أن تقلّص وتحدّد وانكمش حتى صار بقايا إنسان، “نصف أو ربع إنسان”.
نادر كاظم (1973م) كاتب وناقد ثقافي وأكاديمي بحريني ، ولد في قرية الدير بمدينة المحرق
مجالات الاشتغال ؛ النقد الثقافي وترابط العلوم الإنسانية والنظرية النقدية
درس المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدارس البحرين درجة الدكتوراه في الأدب العربي من معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة في العام 2003 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. درجة الماجستير في النقد الحديث من جامعة البحرين في العام 2000/ 2001 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة البحرين في العام1994/ 1995 بتقدير امتياز.
ساعات ديكارت رديئة الصنع. التقييم: ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️ . . يحمل العنوان بين طياته سؤال فكري علمي, لماذا نمرض؟ يطرح الكاتب أفكاره حول المرض, ويسقطها على مفكرين و فلاسفة مستعرضاً مراحل حياتهم ما قبل المرض وبعده.
برأيي نجح الكتاب في إثبات نفسه ككاتب يستحق ان يُقرأ و أن يتمعن فيه القارئ ببعض التقنيات التي سأعرضها لكم. بداية من النص, التي تعتبر جديدة من ناحية طرحها في عالمنا العربي, ونقل المرض إلى زاوية فكرية, إذ يذهب بنا الكاتب إلى خفايا سؤال (لماذا نمرض؟) بطرح الموضوع حسب آراء المفكرين و مستعرض وجهات نظرهم حسب كل مفكر و مرضه. ثانياً, الحبكة في الكتاب التي برع فيها الكاتب, فقد قسم الكتاب إلى قسمين, القسم الأول يستعرض نظريات حول المرض, والتي يطبقها على أربع فلاسفة في القسم الثاني من الكتاب, فنرى كيف أن المرض غير طريقة تفكيرهم ونظرتهم للحياة وكيف أثر المرض على ذاتهم وعلى علاقتهم مع مجتمعهم. ثالثاً, لغة الكتابة, فهي ليست معقدة, فميزة الكتاب أنها سهلة الفهم وسلاسة إدخال المعلومة إلى عقل القارئ, فالكتاب موجه لكافة الناس وليس حصراً على البعض, قد يواجه القارئ صعوبة في فهم القسم الثاني من الكتاب لإحتواء كمية أفكار قد تكون ثقيلة. رابعاً تحليل الأفكار, التحليل كان رائعاً من الكاتب, التي تسلسل فيها طيلة الكتاب, فنظريته "سيف ديموقليس المصلت فوق رؤوس الجميع" التي بنى عليها فكرة من قصة قصيرة, والفكرة تم تطبيقها على جميع أمثلته, كذلك نظرية "الحصان الجامح" عارضاً كيف يجب أن يتزن العقل والجسد و أي خلل فيهم كيف يؤثر, و وضح ذلك خلال أمثلة المفكرين. ختاماً, هذا الكتاب جدير بتصدر مكتبة كل قارئ, لما يحتويه من فكرة نادرة أن يُكتب عنها, و فرصة ثمينة لعرض المرض من زاوية مختفية الظهور, كتاب فكري ثري بالأفكار. . .
في هذا الكتاب، يطل علينا نادر كاظم برداء جديد لم نعتد عليه منه. فليس هذا الكتاب كتابا تاريخيا، ولا هو في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ولا هو في النقد ودراسات الهوية، ولا هو بالكتاب الفكري.
هذا كتاب عن "المرض"! نعم. "المرض"، وعن كيف يؤثر المرض على حياة الإنسان وشخصيته، وعن العلاقة بين الإنسان وجسده، وعن: لماذا لم يُخلق الإنسان كاملا ومُحصّنا ضد المرض؟ (وبالتبعية عن معضلة الشر إلى حد ما). وأيضا، يتناول الكتاب تأثير المرض على حياة أربعة من كبار المفكرين: سارتر، ألتوسير، فانون، وإدوارد سعيد.
مجملا، وجدت الكتاب جميلا جدا ومثريا. ولكن توجد بعض المواضع في الكتاب حيث كان ثمة الكثير من الإطناب.
كتاب مختلف في الطرح وتعددت الاجوبة لكن كلنا نمرض وهذا عكس ما نتمناه لاجسادنا جميع من تم ذكرهم اثروا بالعقل البشري وهذا ما يجمعهم لكن هناك فرضية لو ان المذكورين لم يخنهم جسدهم واستمروا بالعطاء والكتابة كيف يكون الحال اعتقد سيتغير كثيرا الجسم البشري لعين يخون صاحبه باستمرار. عموما تشعر وان نادر كاظم يحكي لك قصص وانت تسمع وتدون شكرا نادر استمتعت
"المرض، مثل الولادة والموت، مسألة طبيعية جدًا، وربما كانت ضرورية لتجدد الحياة وإفساح المجال أمام أجيال وأجيال ستأتي في المستقبل، و ستمرض وتموت عاجلًا أو آجلًا كما مرضت وماتت أعدادٌ لا تحصى قبلهم. على ألا ننسى أن المرض، كما الموت تمامًا ليس نهاية المطاف، لأن أجسادنا قد تعتل، وتتدهور، وتموت، وتتحلل تمامًا، لكن أفكارنا تبقى صحيحة معافاةً، وعصيةً على الموت، وتتواصل نابضًة بالحياة إلى أجل غير مسمّى."
يدهشني المفكر البحريني د. نادر كاظم من جديد في كتابه هذا، وقد أثار فضولي أصلًا منذ أعلن عن صدور الكتاب، فهو في تخصصه بعيد كل البعد عن المجال الطبي، لكنه كعادته باحثٌ متفحص، يمسك بتلابيب الفكرة منقبًا فيها من الألف إلى الياء.
الكتاب فلسفي، بالتاكيد طالما ديكارت يحتل عنوان الكتاب، الذي آمن أن جسد الإنسان مشابه للساعة الميكانيكية التي تعمل بدقة، وأي خلل فيها يُحدث المرض، لكن ما ابرزه الكتاب هو أبعاد المرض في الأفراد والوجود، إذ يخلص أنه أساسي في التجربة الإنسانية الكونية، ولا بد منه لفهم ذواتنا والحياة بشكل عام.
يطرح المؤلف تساؤلات عميقة، متطرقًا إلى مفهومه لدى أطباء وفلاسفة قدماء مثل ابن سينا و جالينوس،كما يقدم تحليلًا جريئًا حول ثقافة المرض والموت في تراثنا العربي والإسلامي، إنما الجليّ استعراضه لعدد من الشخصيات الشهيرة كان للمرض دور كبير في تشكيل وتطوير فكرهم وفلسفتهم، أذكر منهم سارتر، فانون وادوارد سعيد.
هنا نظرة شاملة عن المرض، منحته للمرء كتجربة إبداعية، وأنه جزء لا ينفصل عن دورة الحياة، فماذا لو انقطع المرض؟ كفرضية ساراماغو في الموت! ما الحكمة من وراء المرض؟ وكيف يغيرنا المرض؟
كتاب بديع، دسم، فريد أتمنى ترجمته للغات العالم، فأهميته لا تقل عن أي مؤَلف أجنبي تسعى دور النشر لترجمته، ونقله إلينا!
▪️يمكن للإنسان أن يجد معنى لمرضه، ولربما يشعر أنه محظوظ بمرضه، إذا تنازل قليلًا عن غروره وكبريائه، وفهم المرض على حقيقته بوصفه عارضًا طبيعيًا وعادلًا، وأنه حين يمرض إنما يؤدي دوره الضروري في المخطط الكلي للكون!
تدور عجلة حيواتنا في سرعة غير متناهية، نشبهها بسرعة البرق، أو كلمح البصر، هي الحياة التي نعتقد بأننا نمسك بكل جزئياتها تحت سيطرتنا، إرادتنا، سطوتنا، حريتنا فيما نأتي فيها وفيما نذر.
ثم تقرأ مثل هذا الكتاب الذي يسألك سؤال بسيط في مبناه، ولكنه أبعد ما يكون عن البساطة في معناه: لماذا نمرض؟ لتصاب بالدهشة التي تجعلك تعيد النظر في حالة صفاء ذهنك، وخفقان قلبك، وحرارة جسدك، وكل وظائفك الحيوية.
يؤكد مؤلف الكتاب منذ الصفحات الأولى على أهمية إدراك ثنائية العقل/ الجسد لدى الفلاسفة منذ اليونان، مرورا بالعصور الوسطى وصولا إلى العصر الحديث، ورغم الحيرة التي بقيت تطوق كل تلك الأفكار كلما طرح السؤال المهم: لماذا نمرض أساسا؟ أو بالسؤال الديكارتي: لماذا يصنع صانع الساعات ساعات رديئة أصلا؟.
هل يمكن أن تضعف الأمراض المستعصية/ المزمنة/ القاتلة من قيمة الأفكار التي نؤمن بها؟ في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، يستدعي المؤلف مقاطع من سير عدد من الفلاسفة والمفكرين من مونتاتي إلى ألتوسير إلى سارتر ومن فرانز فانون إلى إدوارد سعيد، إذ وجد كل هؤلاء سيف ديموقليس مسلطا فوق رؤوسهم، لتسقط كل تلك المقولات أمام خذلان الجسد الذي يتولى زمام قيادة العربة إلى الهاوية، متأملا حالهم قبل/ بعد اكتشاف المرض القاتل، ووقع كل ذلك على قدراتهم الذهنية، والنفسية والجسدية، ليثبت بأن المرء قبل المرض لا يمكن أن يبقى كما هو بعده، وفي حالات أشد وطأة ننسى حتى أسمائنا وكل ما يعز علينا " شيء فينا يموت عندما نمرض، شيء عزيز، شيء عظيم، بل جوهري بحيث لا نعود بعد المرض كما كنا قبله".
بقي السؤال محيرا لكل من حاول أن يفسر أسباب الأمراض التي تودي بالنفس الإنسانية، أو حالة الساعات رديئة الصنع قبل توقفها النهائي. رغم أن المرض كما هو بوابة للموت؛ كان ينبغي أن يكون حدث طبيعي لا يؤثر على قيمة الساعة ودقتها، وقدرة خالقها الذي صنع كل شيء فأحسن صنعه، إلا أن العجز الإنساني، والانهيار غير المفهوم للجسد الذي كما يقول الكاتب" يشيح بوجهه ويمضي في طريقه، وكأن الذي ينهار ويصرخ من شدة الألم كائن آخر لا يعنيه" هو ما يجعلنا نعيد التفكير في سؤال العقل والجسد في كل مرة يتخبط مينا الساعة التي نرتديها/ترتدينا.