عبد الله صخي روائي عراقي مقيم في لندن صدرت له في الثمانيات مجموعة قصصية بعنوان حقل دائم الخضرة صم بعد ذلك بأكثر من عقدين من الزمن أصدر ثنائيته خلف السدة ودروب الفقدان صدرت له مؤخرا رواية اللاجئ العراقي
هذا هو العنوان الذي تسلل الى قلبي وأنا أقرء هذه الرواية العذبة.. نعم هي عذبة بكل ما تحمله من شجون ومآسي وأحزان لا تنتهي عن البلد الذي أدمن أهله السير في مواكب القهر والحزن والحنين..
رواية تقف على حافة الماضي تشد الرحال الى قلب الهجرة.. التي الهجرة الحديثة التي أسهمت في تكون قلب العراق حيث تدفق الناس من القرى والأرياف النائية بحثاً عن الحياة وعن لقمة العيش ، بحثاً عن النداء الذي دوى في جنبات تلك الأرياف والأهوار القابعة في عمق النسيان..
رحلوا من قراهم تجاه العاصمة ،،لم يدركوا العاصمة نفسها ولكنهم بحثوا عن أرض قريبة تأويهم محنة الشتاء وحر الصيف بحثوا في بقعة ليفترشوا تعبهم وليذوقوا طعم الراحة فوق التراب.. تراب ما إن بدء يتحول إلى بنيان بسيط من الطين وسقيفة مهترئة تؤوي في جوفها أناساً قد وجدوا في تلك الأبنية ملاذاً ومحطة للتزود بفتات عيش تسمى في عـُرفهم حياة.. تلك هي تجمعاتهم سميت بـ (خلف السدة)..
تدت الحياة في تلك البقعة حيث تنتشر الأسواق ويلعب الأطفال في حاراتها العشوائية ويرتفع صياحهم ويكبرون وتكبر معه الآمال.. في تلك الأثناء تطغى الأحداث السياسية على أهل السدة فتحدث الإنقلابات والإضطرابات وتسير الأحداث بين الهدوء وأخرى تحمل مأساة ونكبة تطيح بإعتى الرجال..
الرواية تحمل إنسيابية عذبة تجعلك تتمنى أن لا تنتهي تتمنى أن تطول.. تحب تفاصيها وإنتقالها السلس بين الاحداث والماضي والحاضر بدون أن تجد نفسك ضالاً في معرفة مسار الرواية أو تمل من كثرة الإنتقال بين الاحداث والأزمنة.. هذه الرواية قطعة فريدة رسمها فنان عراقي بقلم ناصع البياض فوق تلك الأوراق السوداء التي ربما تقدر أن تمحي أو لعلها تظهر بعض من جوانب تلك الحقبة من تاريخ العراق..
رواية صادقة جميلة ملئية برائحة العراق العذبة وبلغته الجميلة التي يدرك جمالها إلا عاشق للأدب أو متأمل في زمن الذكريات العطرة..
لن أكتب أي شئ عن القصة وأحداثها ولكن سأكتب عن تأثيرها علي. في النصف الأول من الرواية زحمة أشخاص و ملل رهيب وكآبة وفوضي كبيرة وطيران في الأفكار! أحسست أن الكاتب مشوش بزحمة شخوصه وأماكن الناس في خلف السدة! بصراحة لم تشدني أبدا.كل ماآحسست فيه كآبة وملل رغم انه هناك بعض المقاطع الجميلة عن خوف المرأة من القتل في هذه المجتمعات المحافظة رغم عشوائية مساكنها وهجرتها! أيضا ربما أحببت ايمان الفقراء بالغيبيات و صلابته واستخدام الخرافات في طرد الموت وعلاج المرض و بناء بيوت الطين وطقوس الشيعة الحسينية! ولكن ... عندما تناقشت مع أحد الأصدقاء العراقيين بدأت أحب القصة أكثر! ربما لأنها محلية، لن يحب النصف الأول إلا الأشخاص الذين تربوا في بغداد! عموما عندما وصلت الي النصف الثاني، وهذا عكس المتوقع، بدأت الرواية تشدني بشدة ! عبدالله صخي داهية !!!! عرف كيف يقدم أفضل ما عنده في النهاية وليس البداية! كثير من الروائيين يشدوني في البداية وبعدها يكررون أنفسهم قبل نهاية مبتورة ومتسرعة ! أجمل مافي النصف الثاني عبدالكريم قاسم وعلي بطل الرواية الذي لم نشعر بكيانه في البداية!علي هو جوهرة عين أمه، الشاب الصغير المشغول بمراقبة العالم وحبه ل بدرية! عبدالكريم قاسم الإنسان الطيب القلب و المكافح الذي أحبه أهل خلف السدة لأنه لم يكن سياسيا أبدا! هو كان حالما أراد آن يسعد الفقراء لأنه منهم ولهذا كان اغتياله اغتيال حلم طبقة فقيرة كبيرة في العراق! أبدع الكاتب في وصف عبدالكريم قاسم وفي مشاهد الإنقلاب وإضفاء الرومانسية على وجه وعقل عبدالكريم قاسم قبيل الإغتيال! من أجمل المقاطع مقطع النهاية عندما ينتهي زعيم وتأتي حقبة خطيرة في العراق ومع هذا لا يشغل بال علي الشاب المغرم الا العثور على حبيبته التي يحبها من طرف واحد ! نعم في الحرب ووسط الفوضي والفقر والزلازل السياسية يفكر الناس في الحب!!فقدان الأمل عندما يضيع الحب هو مثله مثل فقدان زعيم حالم مثل عبد الكريم قاسم. قاسم الذي لا أعرفه أنا الا من خلال سمعة سيئة من خلال رغبته في ضم الكويت 1961 وأيضا من خلال دكتاتورية جمال عبد الناصر ودعاياته المغرضة ضده لعدم تعاونه معه! ربما قاسم فعلا انسان لم يعرف كيف يلعبها صح لانه لم يكن سياسيا وربما لأنه كان في الزمان أو المكان الخطأ! عبدالله صخي كان مملا جدا في البداية لكنه ملك القارئ في النهاية ! عندي رغبة كبيرة في قراءة الرواية الثانية له لأنها ربما تكون تكملة ل خلف السدة!الهجرة والمهاجرين والمهجرين منذ نهاية الخمسينات من الجنوب الى ضواحي بغداد ن هو ما يشغل عبدالله صخي! من خلال هذه المعاناة يصف أيضا التحولات الكبرى التى طرأت في العراق الحديث !أعتقد ان هذا الأمر مهم جدا والدخول الي نفسية الإنسان المهاجر خاصة من خلال مجموعات كبيرة هو شئ لم يصفه الأدب يشكل ملموس كما وصفه صخي و أيضا كما وصفه الظفيري في الصهد . " تذكر الرجل الأعمي وتمنى لو يراه تلك اللحظة، ليته هناك، عندها سيأخذه من يده وبأثر الضوء الغزير في قلبه سيوصله إلى بدراو. سوف يرميه في حجرها من بعيد فيهبط هبوطا بطيئا كهبوط ريشة من علو شاهق. وما أن تمسكه بيدها حتى يحلق معها في فضاء أزرق، جسدان مالتحمان يلتمعان في الشعاع الأثيري الشفاف ويشقان طريقا لهما عبر الكواكب والنيازك والسحب والرياح! " فيما ظلت حليمة مستيقظة تفكر بارتعاشة عيني الفتى الذاهلتين وتحاول أن تدرك تلك الكلمة الغامضة التي قالها لكنها سرعان ما شعرت بالذنب وتذكرت حكاية كلثوم التي قتلت على مشارف مدينة جنوبية بسبب شكوك إخوتها بأنها تعشق شخصا لم يتمكنوا من معرفته حتى لحظة موتها واندثار سرها. "قال قدوري ساخرا: -صاير لي سياسي، معلك صورة رئيس الوزراء، بابا هذا مخبل، اشبيه جمال عبدالناصرررر، ليش ما يتعاون وياه، شبيه الطبقجلي، عسكري محنك، واشبيها سوريا. احتقن صادق فرد بغضب: ؛يتآمرون عليه " . حاول قدوري أن يتوازن في وقفته أمام الصورة، ثم استجمع لعابه وبصق عليها بقوة. إستل خنجرا من جانبه وراح يمزقها. استبد الغضب بصادق. حاول أن يثنيه وقال له بصوت خافت: - ليش هيجي ليش، ابو الفقراء،هذا". أدرك أنه سيعدم فاعتدل في وقفته ووضع سدارته على رأسه. رفض عصب عينيه، كما رفض أن يربط جسده إلى كرسي. في تلك اللحظة توجهت البنادق نحوه، وقبل أن تنطلق رشفات الموت هتف: ؛عاش الشع.. " ولم يمهله الرصاص كي يكمل هتافه بحياة الشعب الذي أحبه حبا لم يذق طعمه أي قائد غيره !!!! أنا لست عراقية ومع هذا كش شعر بدني حزنا وحبا ل عبدالكريم قاسم في هذه الرواية! أتمنى أسمع كلام العراقيين حول هذه الشخصية التي عتم عليها التاريخ الحديث وحاول تشويهها المنتصرون ومجرموا السياسة في العالم العربي
منذ ان قالها جار الله مشيراً الى أحدى البقاع (هنا بيتي وهنا قبري)، ومنذ ان رأى سلمان اليونس البشرى في حلم في شتاء قارس، بنيت تلك البقعة ونهضت بقاطنيها المهاجرين من جنوب العراق خلف سدة ناظم باشا في بغداد، ومن ثم شقّت بين بيوتاتها الشوارع وتوسع فيها البناء وتناسل وتزاحم المهاجرون، الى ان تغيّر حال العشوئيات القديمة واندثرت ونقل من فيها الى ما عرف في ما بعد بمدينة الثورة، وما اعقب ذلك من أزمات وصراعات في عصر صدام الأخير. أعتقد ان الكتاب استحق الثلاث النجمات بجدارة، لماذا ليس أكثر: لأنها لا زالت تحتاج الى حوارات وخيالات، فقد احسست لوهلة بأن الراوي كتبها ليقصّ عين الاحداث لا غير، ورغم انه حاول ان يقارب البقعة ببقعة ماكوندو الرمزية لماركيز، الا انه أشتق من الاخرى ما يحبّ فقط ان يظهره في روايته وتركها تقريرية كما هي لكنها تبقى رواية جميلة جداً ومكثفة جداً جداً، وهذا يحسب لها في واقع الامر. ويمكن اعتبارها كذلك رواية عراقية بإمتياز، وحين أنعتها بالرواية العراقية، لا أقصد الهوية فحسب، بل أسلوبها المشبع بالقهر والمظلومية والعناء
ملحمة عراقية غاية في الروعة والرومانسية والالم، تجسد فئة كبيرة تم أقصاءها وتهميشها بوحشية وظلم من قبل السلطات العراقية
أنها قصة نزوح بعض من أهالي الجنوب بالتحديد من محافظة ميسان او العمارة الى ضواحي بغداد حيث لم يكن يسمح لهم بدخول بغداد نهائيآ وكانوا يقطنون الاهوار الريفية
سكنوا لسنوات طويلة في بيوت طينية وسقائف بدون أي خدمات وتحت ظروف قاهرة على أطراف بغداد، ومع ذلك لم تفتقر بيوتهم الى الفرح والدفيء والحب بالرغم من الامكانيات البدائية وظروف الحياة القاسية
ولاول مرة في التاريخ أهتم لهم حاكم العراق عبد الكريم قاسم رحمه الله ووعدهم ببناء مدينة ببيوت من طابوق ومدارس ومستشفيات وخدمات وشوارع مبلطة
أحبوه كثيرآ وكانوا ينتظرون تحقيق مشروعه وحلمهم لكن فرحتهم تبددت بأنقلاب الحكم الذي بطش بهم وحشرهم في السجون والمعتقلات بدون أدنى سبب
ثم تم ترحيلهم لتلك المدينة التي قاموا بأنفسهم ببناءها وبمقابل مبالغ مالية على عكس ما وعدهم الرئيس السابق بأنها مجانية وستسلم لهم بكامل خدماتها.
فكانت مدينة الثورة
وتم تسوية بيوتهم القديمة وسقائفهم بالبلدوزرات والمكائن مع الارض مع جميع أحلامهم ومخاوفهم وحنانهم وغضبهم وأدعيتهم ومعاركهم.
" كانت البيوت تئن وتتطاير سقوفها، والسعف يطلق أزيزآ سريآ مكتومآ وهو يتلوى مهروسآ تحت العجلات العملاقة التي تطوية طيآ او تسحقه سحقآ "
بقيت مدينة الثورة بعيدة ومغلقة عن بغداد ينظر اليها بعين ناقصة ومليئة بالاشمئزاز
لكن ذلك لم يمنع من أن يُعرف أهلها بالطيبة والصبر والعفوية والبسالة والكرم كبقية أهل الجنوب
وقد دفعت هذه المدينة فلذات أكبادها وأجمل شبابها الى حروب النظام المستهتر وكانوا دومآ في الخطوط الاولى اكثر من أي مدن أخرى.
للكاتب لغة وأسلوب تجعلك تعيش هذه السقائف بكل تفاصيلها وآلامها وعذوبتها.
بقلم مترع بالتفاصيل يبدأ عبدالله صخي في رسم تفاصيل الذاكرة العراقية، وهو ابن العراق الذي ذاق تفاصيلها وشرب من دجلتها ونبت لحمه من تربتها ، هو العراق الذي خط على ابناءه الرحيل ولفظهم ، وكان مصيرهم التشريد قسراً، تركيبته المعقدة الفكرية والسياسية ، حياة الفقر والتشبث بالأمل كل ذلك عالجه صخي في جزئي كتابه - خلف السدة/ دروب الفقد اثرت ان أكتب المراجعة شاملة الجزئين لارتباطهما معاً
في الجزء الاول تبدأ الحياة تدب في خلف السدة ، ولطبيعة الانسان الذي يبحث عن حياة ايسر من تلك التي يعيشها عله ينتشل من ذلك الفقر الذي اتعب روحه المنهكة لا سيما أنه عاش في زمن الاقطاعية / الملكية التي لم يملك فيها الفرد الا قوت يومه ، ولما كان الانسان قد جبل على أن يكون حرا اثر ترك تربته الاولى الى تربة يكون عناءها عليه أقل ، ولكن أبن الريف لن تقبله المدينة ولكنها لن تعيده في ذات الوقت ، لذا عاش في خاصرتها
لا تكتمل حياة الفقراء المقرون وعيهم بالجهل بدون الدين لذلك نرى بروز ذلك الجانب فها هو مرقد جار الله الذي اصبح مزار يفد اليه اصحاب الحوائج رغم عدم وجود صفه دينية تعاضده ، كذلك استخدم صخي ممارسات المذهب الشيعي من احياء لمراسم واقعة كربلاء الا انه دمجها بشكل مقيت مع ممارسات الحب التي تضفي ضلال قاتمة على ذلك المشهد ولم يغفل من جهة اخرى ابراز ايمانهم بالعرافات
من لم يقرأ تاريخ العراق لن يتذوق جمال النص لدى صخي ذلك انه يؤرخ لفترة مهمه في العراق وهي ثورة ١٤ تموز الذي انتهى فيها عصر الحكم الملكي ، وعليه استبشر الناس بانتهاء حقبة مظلمة لا سيم أن عبد الكريم قاسم بطل تلك الثورة كان من الطبقة الكادحة ، ومن يشعر بالالم غير من كان يعايشه ، هو ذلك الذي لم يدر ظهره في زمن كان المكسب الشخصي على حساب الفرد العراقي المعدم ، قاسم ذلك الذي قرر انتشالهم من السقائف ليبني مدينة الثورة - مدينة الصدر حاليا - غدى احلام الفقراء بأمل تأمين حياة كريمة منازل من الطوب كهرباء وماء الا ان البعثيين لم يمهلوه حتى جعلوه يلاقي حتفة في انقلاب ١٩٦٤
ينتقل أهل السقائف الى مدينة الثورة لكنها تفقد بريق مؤسسها حيث لا الاحلام تحققت ولا الفقر زال وانتهى ، بين الشيوعية وحزب البعث انقسم الشعب دب العداء في البيت الواحد ،ولسراشة ذلك الاخير كان الموت سبيلا سهلا لانهاك المنهك اصلا ، من لم ينظم له فهو عدو يجب انهاء وجوده ، الاذعان والصمت كان سيد كل شيء
رغم سلاسة النص الا انني شخصيا اعيب على صخي كثرة دس الشخصيات التي تظهر وتنتهي دون ان تكون منتجه او مساهمه في الحدث الاساسي كذلك أكثر الشخصيات حتى تلك التي حاولت المقاومة والظهور لاكثر من مره تظل. في جانب قاتم دون معرفة مآلاتها ، النهاية المفتوحة ينم عن ذكاء ونبوغ الكاتب فهو لا يفتأ يرسل لنا سواد العراق وويلاته التي لا تريد ان تنتهي
لن يفاجئ من يقرأ هذا العمل، بالتكثيف الساحر فيه. هناك حيث وصل المستكشفون الأوائل إلى خاصرة بغداد يحدوهم الأمل بحياة لا تشبه تلكَ التي جاءت بهم هاربين من بلداتهم الجنوبية الحزينة، ليختاروا بقعة تشبهها كثيراً. البحث عن المستقر، والسعادة الشفيفة، والإفلات من بشاعة العوالم الطينية، لبناء حياة أسمنتية دافئة تقيهم ذكريات الماضي الغابر، وتأمنَ في داخلها أرواحهم القلقة والمنهكة. حيث تجمعوا متآلفين، في بيوت واطئة، تتلاقفها الرياح، وتغرقها الأمطار. يسمع من داخلها أحاديث متشابكة عن نية الزعيم لبناء مدينة عصرية لهؤلاء الحالمين، بعد أن اشرأب عنق المعتقل القابع في طيّة من الأرض على مدينتهم. خلف السدة، رواية تذكرني بالكثير، مما رأيت في طفولتي. كتبها (صخي) بصدق، وهو يتأمل تاريخه، بتحولاته، وتقلباته. هي رواية متماسكة، بشخصيات أصيلة صلبة، كتبت بحنو وشغف، قصصها المتداخلة، تبدأ في نهاية القصة، حيث يكون البحث عن الحب، في لمسة اليد اليتيمة التي انفلتت منه، عنواناً صارخا لنهاية بطعم البداية، يحدوني فيها الشوق لقراءة (دروب الفقدان) وهي العمل الثاني من ثلاثية عبد الله صخي الساحرة.
خلف السدة رواية شتات ، وسيرة عائلات عراقية تربطها رؤية واحدة ، تختار الهجرة من الارياف باتجاه العاصمة يجمعهم وجع إنساني واحد ، الحلم بالحياة والبحث عن لقمة العيش والرغبة في الاستقرار سكنهم أكواخ بسيطة من طين وسقف يأويهم من حر الصيف وبرد الشتاء أكواخ بسيطة مهترئة ولكنها ارتفعت بهم وايقظت الحلم في عيونهم المتعبة .. الحلم بالحياة ، بالوطن ، بالحرية ، بالاستقرار وبأطفال يولدون ويركضون حولهم ويكبرون على ايديهم تعصف بعدها الاحداث السياسية والتغيرات والانقلابات بالبلاد ليطالهم التغيير ، والهجرة من جديد ، تتحرك الأرجل نحو المستقر الجديد بوجعهم ، بصبرهم ، وأنينهم الجارح ، تبدأ مراحل البناء والاصرار على الحياة وسط ظروف الحياة القاسية ..
ابدع الكاتب في سرد الاحداث وتسلسلها بشكل رائع مترابط لا يشعر القاريء بالملل والتشتت أثناء القراءة .. خلف السدة : رواية عراقية دافئة رغم ما تحمل من معاناة فيها رائحة العراق الحبيب ، وشموخ نخله ، ومدنه الجريحة .. شجاعة وصبر أهله تاريخه ، شوارعه وازقته ، كوارثه ، انها وطن ... تجدد الوطن في ذاكرة لكل مهاجر ، لاجيء في الشتات اجبرته الظروف وقسوة الحياة على الهجرة .
ابدع الكاتب عبد الله الصخى ألف تحية لروحه المبدعة .. ودام عطاءه ومتشوقة لقراءة اعماله الاخرى
هذه النوڤيلا القصيرة احتوت على الكثير من الشخصيات والاحداث المأساوية وتناولت فتره زمنية طويلة نوعا ما، مما ادى الى تشتت و عدم نضج وعمق الشخصيات للقارئ .. على الرغم من بساطة المجتمع الي كُتِب عنه ،برأيي لو اسهب الكاتب في التفاصيل وبناء الشخصيات لتحولت النوفيلا الى رواية اكثر عمقا .. الي عجبني فيها انها القت الضوء على مجتمع بسيط في زمن ما، ما اتخيل كنت راح اسمع عنهم بيوم من الايام لولا هذه النوفيلا الي نقلت التاريخ والوضع العام لتلك الفترة في العراق بشكل جيد.
رواية خلف السدة لعبد الله صخي شهادة أدبية تسلط الضوء على مرحلة قاتمة من تاريخ العراق، حيث تصور معاناة البسطاء في ظل الطغيان السياسي للبعثيين والقوميين. و تعكس الرواية واقع الهجرة الداخلية، حيث لجأ الفقراء إلى منطقة "السدة" في بغداد، ليواجهوا التهميش والفقر وسط طموحات مكبّلة بظروف قاسية. من خلال شخصياتها، ترصد الرواية النكبة الاجتماعية التي فرضها النظام الشمولي للبعثيين ، وتصور التناقض بين آمال الإنسان وقهر الواقع، ما يجعلها عملًا يجمع بين العمق الإنساني والتحليل التاريخي
رواية "خلف السدة" لعبد الله صخي هي عمل سردي واقعيّ يستعيد ملامح الحياة الشعبية في بغداد، لاسيما في منطقة "السدة الشرقية"، وهي حيّ فقير نشأ من هجرات ريفية إلى العاصمة. تسلط الرواية الضوء على المهمّشين والمنسيّين الذين يعيشون في هامش المدينة، وتعكس التحوّلات الاجتماعية والسياسية في العراق منذ خمسينيات القرن العشرين.
خلاّبة . رغم الملل المرافق لفصولها الأولى وكمية الألم والقهر المصحابين لشخصياتها ورغم كذلك عُجالة الكاتب -كأنه يكتب كي لا ينسى شيئاً- إلا إنها خلابة ورائعة. فصولها الأولى ملل وكآبة لكن التشويق بدأ يظهر في اخريات فصولها.
بداية الثلاثية من ضمن ثلاث روايات عن الشعب العراقي من الجانب الشيعي واسلوب الحياة للطبقة الفقيرة منذ الزمن البعيد. معاناة ومشاعر بشرية ومعترك البقاء للاقوى
رواية رائعة جداً قرأتها وذكرتني بماركيز حين اكتشف ماكوندو ، اكتشف سيد جار الله الذي قاد المهاجرين الاوائل من ارياف الجنوب الى المدينة ، البقعة المباركة هذه الارض بين السدتين الترابيتيين واختار محط رحالهم خلف السدة الاولى سدة ناظم باشا الممتدة من الرستمية جنوباً الى الصليخ شمالاً ، ومكانها الحالي الطريق السريع ( طريق محمد القاسم ) ، ومكان السيد جار الله حالياً هو ( مقام السيد حمد الله ) بين مستشفى الجملة العصبية ووزارة الداخلية ، مقام يؤمه النساء والرجال للزيارة وحل المشاكل المستعصية وايفاء النذور ، والحريق الذي حدث اعتقد قصده في الرواية حريق محطة تعبئة الكيلاني للوقود ، هواجس الفقراء ، احلامهم ، حزنهم افراحهم واتراحهم ، كلها اجاد بوصفها وذكرها الكاتب عبد الله ضخي ، ولولا امكانيته السردية الفائقة لاصبحت الرواية باكثر من صفحاتها الحالية . رواية ممتعة جداً .
"من هناك كان يصغي إلى أنين زوجته واستغاثتها . كانت تستنجد بالأئمة والأولياء، بمراقدهم وأضرحتهم، بنسبهم ومعجزاتهم وهي تتطلع إلى صورهم المثبتة على الجدار وتتمسك بعمود وسطي بيدين مشدودتين متوترتين. وبصةت جريح مثلوم غائر أطلقت قلبها إلى فضاءات الرجاء اللامتناهيه "علي، علي، علي" ."
أنني أجد نفسي هنا، في هذا العذاب والأسى والليالي السوداء الطويله شديدة الظلام، ها هم أهلي، هؤلاء هم الذين يشكلون عالمي المتيبس والمعطوب. التقي مع نفسي داخل هذه النوع من الروايات المليء بحزن الإنسان وكل خفاياه وتفاصيله التي رسمته وحددته.
يسرد عبدالله صخي حال أبناء الجنوب الذين هاجروا إلى بغداد، بعد أن انقطعت كل السبل للعيش في الريف وتوقف كل ما كان يدعوهم للاستمرار. حيث أمرهم السيد جارالله بينما هم يسيرون الى وجهتهم المجهوله القادمه، وقف في وسطهم قائلاً: "هنا بيتي، هنا قبري".
تُظهر الروايه حال بغداد القديمه (باب الشيخ، الباب الشرقي، ساحة الطيران، القصر الأبيض، الكيلاني، السده(النهضه حالياً)، الخلاني) وكل ما يجاورها من محلات قديمه، تتزامن كل هذه الأحداث مع العصر الملكي في العراق لتتحول الروايه فتصف التغيرات التي طرأت بعد ذلك من التحول للنظام الجمهوري. ما يعجبني في الكاتب أنه لم يأتي بإسم أي قائد او رئيس، ليترك لك التخمين، رغم أن ذلك كان سهلاً. ثم ينتقل الكاتب ليتطرق الى محاولات الانقلاب التي حدثت بعد وصول عبدالكريم قاسم الى الحكم، وكيف خفتت لتشتعل مرة أخرى وبضراوة أكبر.
وأنا أقرأ، مرت في خاطري رواية (عالم صدام حسين) وروايتي محسن الرملي (الفتيت المبعثر)، (تمر الاصابع) كان هناك تقارباً روحياً كبيراً -بالنسبة الي-بين هذه الروايات . نتعرف على تلك الأيام كيف تنقضي، في تلك الحقبه، كيف كانت الناس تعيش، ضحكهم، بكائهم المُرّ، الحزن المتعاظم، وآلام قلوبهم الصامته، وعشقهم... ومراسيم عاشوراء في تلك الحقبه.
لهذه الروايه جزء ثان بعنوان (دروب الفقدان) تجري أحداثها في مدينة الثوره ولكن بزمان مختلف (الحقبة التي كان يحكم فيها حزب البعث( .