سراج الملوك للطرطوشي في كتابه سراج الملوك، يناقش الطرطوشي سياسات الأمم السابقة وملوكها، موضحاً أن الحكام قسّموا سياساتهم إلى نوعين: الأحكام والسياسات. ينتقد الطرطوشي الأحكام التي وضعتها الأمم على أسس غير شرعية، مستندة إلى تقاليدهم الخاصة، مثل البيوع والأنكحة والحدود، ويرى أنها لم تستند إلى الوحي أو العقل السليم. في المقابل، يثني على السياسات التي التزموا بها للحفاظ على تلك الأحكام من خلال العدالة وحسن التدبير. الكتاب يجمع بين الحكم التي ألفاها الطرطوشي في سياسات العرب، الفرس، الروم، الهند، والسند، إلى جانب حكم الأنبياء والقرآن. رتّبه الطرطوشي بأسلوب بليغ، مشيراً إلى أنه مصدر لا يستغني عنه الحكيم أو الملك، وسماه سراج الملوك ليكون مرجعاً للحكماء والملوك و&#
ألف الطرطوشي هذا الكتاب قبل 900 سنة في الأسكندرية قبل وفاته بأربع سنوات وأهداه للوزير المأمون البطائحي. وقال عن كتابه هذا : " يستغني الحكيم بدراسته عن مباحثة الحكماء، والملك عن مشاورة الوزراء".
الكتاب مليء بالقصص والعبر والحكم، ويتكلم فيه الطرطوشي عن الحكم والملك والرعية والناس والجند والحروب ويعطي أمثلة وأقوال وقصص من كل عصر وزمان ومن كل امة وملة. اتحفظ على بعض نظرياته كما في كيفية معاملة أهل الذمة وبعض الفصول القليلة. لكن في المجمل، الكتاب كنز لا يمل منه القارئ.
أذكر اقتباس واحد من عشرات الأقتباسات الرائعة التي تجدها في الكتاب : ( قالت الصحة: أنا لاحقة بأرض العرب، قال الجوع: أنا معك، قال الإيمان: أنا لا حق بأرض الحجاز، قال الصبر أنا معك، قال المُلك: أنا لاحق بأرض العراق، قال القتل: أنا معك)
"ليس العجبُ ممن قرأ كتابي هذا فصار مهذباً كاملاً، إنما العجبُ ممن قرأه ولم يصر مهذباً كاملاً." مقولة المؤلف هذه والتي أدرجها في كتابه تلخص ثمرة الكتاب.
كتابٌ يأتي من قلب قرونٍ انصرمت، ليُضيء لنا اليوم دروبَ الأخلاق والسياسة والسلطان. إنه ليس مجرد مؤلَّف في نصيحة الملوك، بل هو سِفر جمع التجربة والحكمة والعقل والزهد والحنكة والسياسة في وعاء واحد، غزير الفوائد والحِكم للحكام والمحكومين.
يقول الطرطوشي عن كتابه: "يستغني الحكيم بدراسته عن مباحثة الحكماء، والملك عن مشاورة الوزراء." وهوكما قال، فالصفحات تموج بالحكمة العالية من عصورٍ وأممٍ شتّى: "فجمعتُ محاسن ما انطوت عليه سيرهم خاصة من ملوك الطوائف وحكماء الدول، فوجدتُ ذلك في ستٍّ من الأمم، وهم: العرب، والفرس، والروم، والهند، والسِند، والصين."
جاء السراج مرتباً في أبوابٍ متتابعة، يفتـتحها الطرطوشي ببابٍ مؤثرٍ (في مواعظ الملوك) - لقد خاب وخسر من كان حظّه من الله الدنيا.
ويختتم سِفره العظيم ببابٍ جميلٍ (مشتملٍ على حكمٍ منثورة) يختمه بحديثٍ عن (الكتب) ووصفها -نعم الكتب والقراءة، وليس المراسلات والخطابات-، وكأنما أراد أن يجعل الكتاب نفسه خاتمة الحكمة ومفتاحها.
* من (الأبواب) التي أعجبتني، ومن (الحكم) و(الأبيات الشعرية) التي اقتبستها ما يلي -وكله جميل-:
لن ترجع النفس عن غيِّها *** ما لم يكن منها لها زاجر قال أبو العتاهية: لمن هذا البيت؟ قيل: لأبي نواس، فقال: ودِدت أنه لي بنصف شعري.
لمّا مات الإسكندر.. قال أرِسطاطاليس: (أيها الملك، لقد حرّكتنا بسكونك).
وإنا لفي الدنيا كركب سفينة *** نُظَنّ وقوفا والزمان بنا يجري
تأمُّل مؤثر ص 72: وها أنا أحكي لك أمراً أصابني طيّش عقلي وبلبل حزمي وقطع نياط قلبي، فلا يزال مرآة لي حتى يواريني التراب. وذلك أني كنت يوماً بالعراق وأنا أشرب ماء، فقال لي صاحب لي وكان له عقل: يا فلان لعل هذا الكوز الذي تشرب فيه الماء قد كان إنساناً يوماً من الدهر، فمات فصار تراباً فاتفق للفخاري أن أخذ تراب القبر فصيره خزفاً وشواه بالنار، فانتظم كوزاً كما ترى وصار آنية يمتهن ويستخدم بعدما كان بشراً سوياً يأكل ويشرب وينعم ويلذ ويطرب. فإذا الذي قاله من الجائزات، فإن الإنسان إذا مات عاد تراباً كما كان في النشأة الأولى، ثم قد يتفق أن يحفر لحده ويعجن بالماء ترابه فيتخذ منه آنية تمتهن في البيوت أو لبنة تبنى في الجدار، أو يطين به سطح البيت أو يفرش في الدار فيوطأ بالأقدام، أو يجعل طيناً على الجدار. وقد يجوز أن تغرس عند قبره شجرة فيستحيل تراب الإنسان شجرة وورقاً وثمرة، فترعى البهائم أوراقها ويأكل الإنسان ثمرتها، فينبت منها لحمه وينتشر منها عظمه، أو تأكل تلك الثمرات الحشرات والبهائم، فبينما كان يقتات صار قوتاً، وبينما كان يأكل صار مأكولاً ثم يعود في بطن الأرض رجيعاً يقذف به في بيت الرحاضة أو بعراً ينبذ بالعراء، ويجوز إذا حفر قبره أن تسفي الريح ترابه فتفرق أجزاءه في بطون الأودية والتلول والوهاد، أليس في هذا ما أذهب العقول وطيش الحلوم، ومنع اللذات وهان عنده مفارقة الأهلين والأموال واللحوق بقلل الجبال، والأنس بالوحوش حتى يأتي أمر الله على الفريقين؟ أليس في هذا ما صغر الدنيا وما فيها؟ أليس في هذا ما حقر الملك عند من عظمه والمال عند من جمعه؟ أليس في هذا ما زهد في اللذات وسلّى عن الشهوات؟
-باب: في مقامات العلماء والصالحين عند الأمراء والسلاطين مواعظ ابن السماك لهارون الرشيد، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ورجاء بن حيوة، والفضيل بن عياض، ومالك بن دينار، وغيرهم..
حديث نبوي: (لا تسأل الإمارة..)
ص 129 و 130: وإذا جار السلطان انتشر الجور في البلاد وعمّ العباد، فرَقَّت أديانهم واضمحلت مروءاتهم وفشَت فيهم المعاصي وذهبت أماناتهم، وتضعضعت النفوس وقنطت القلوب، فمَنعوا الحقوق وتعاطوا الباطل، وبخسوا المكيال والميزان وجوّزوا البهرج، فرُفعت منهم البركة وأمسكت السماء غياثها، ولم تخرج الأرض زرعها أو نباتها، وقلّ في أيديهم الحطام وقنطوا وأمسكوا الفضل الموجود، وتناجزوا على المفقود، فمنعوا الزكوات المفروضة وبخلوا بالمواساة المسنونة، وقبضوا أيديهم عن المكارم وتنازعوا المقدار اللطيف وتجاحدوا القدر الخسيس، فـفشَت فيهم الأيمان الكاذبة والحيل والبيع والخداع في المعاملة، والمكر والحيلة في القضاء والاقتضاء، ولا يمنعهم من السرقة إلا العار ومن الزنا إلا الحياء، فيظل أحدهم عارياً عن محاسن دينه متجرداً عن جلباب مروءته، وأكثرُ همته قوت دنياه وأعظم مسراته أكله من هذا الحطام، ومن عاش كذلك فبطن الأرض خير له من ظهرها.
وقال الوليد بن هشام: (إن الرعية لتفسد بفساد الوالي، وتصلح بصلاحه). وقال سفيان الثوري لأبي جعفر المنصور: (إني لأعلم رجلا إن صلح.. صلحت الأمة، قال: ومن هو؟ قال: أنت).
-باب: في أن السلطان مع رعيته مغبون غير غابن وخاسر غير رابح تأمّل دقيق في معنى الولاية أنها تكليف لا تشريف.
-عن العدل: مِن أروع ما ورد في هذا الباب تأمُّله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. اعلم أرشدك الله تعالى أن الله تعالى أمر بالعدل، ثم .. أنه ليس كل النفوس تصلح على العدل، بل تطلب الإحسان، وهو فوق العدل، فقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وإيتاء ذي القربى﴾. فلو وسِع الخلقَ العدلُ ما قرن الله به الإحسان، فمن لم يصلح حتى يُزاد على العدل.. فكيف يصلح إذا مُنع منه العدل ولم يبلغ إليه؟ّ!
أفضل الأزمنة: أزمنة أئمة العدل.
والذي يخلُد به ذكر الملوك على غابر الدهور: عدل واضح؛ أو جور فاضح، هذا يوجب له الرحمة؛ وهذا يوجب له اللعنة.
ص 156 و157: كان يقال: إن السلطان الكافر الحافظ لشرائط السياسة الاصطلاحية، أبقى وأقوى من السلطان المؤمن العدل في نفسه المضيع للسياسة النبوية العدلية. والجور المرتب أبقى من العدل المهمل، إذ لا شيء أصلح للسلطان من ترتيب الأمور ولا شيء أفسد له من إهمالها. واعلم أن درهماً يؤخذ من الرعية على وجه الإهمال والخرق، وإن كان عدلاً أفسد لقلوبها من عشرة تؤخذ منها بسياسة على زمام معروف ورسم مألوف، وإن كان جوراً..
طاعة المحبة أفضل من طاعة الهيبة.
وفي كتاب ابن المقفع: الناس على دين الملك إلا القليل، فإن يكن للبر والمروءة عنده نَفاق، فسيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض. وسمع زياد رجلاً يذم الزمان فقال: لو كان يدري ما الزمان لعاقبته، إن الزمان هو السلطان.
-باب: في حاجة السلطان إلى العلم يا أيها الملك ليس أحدٌ فوق أن يُؤمَر بتقوى الله تعالى، ولا أحدٌ دون أن يأمرَ بتقوى الله تعالى، ولا أحد أجلّ قدراً من أن يقبل أمر الله، ولا أرفع خطراً من أن يتعلم حُكم الله، ولا أعلى شأناً من أن يتصف بصفة من صفات الله. ومن صفات الله تعالى: العلم الذي وصف به نفسه.
وبعض الخير خير من كل الشر.
-في معرفة العقل والدهاء، والخُبْث والمكر العقل.. إنه الاستشهاد بالشاهد على الغائب، فمن كان في طوقه أن يستدل بما شاهده على ما غاب عنه، كان معه عقل ويسمى عاقلاً عند الموحدين. فالعلم المفيد لإثبات الصانع في الشاهد مثل البنَّاء والنجّار والخيّاط وأشباههم بَعدَ النظر في صنائعهم عِلمُ اضطرار، والعلم المثبِت للصانع سبحانه عند النظر في حدث العالم عِلمُ استدلال اعتباراً للغائب بالشاهد، إذ لا فرق في العقول بين صنعة وصنعة في اقتضاء صانع.
-في الجلساء وآدابهم فكل خليلين أو صفِييّن أو صاحبين أو متوادّين اجتمعا على معصية، فهم الأعداء حق الأعداء. يُظَن بالمرء ما يُظَن بخليله. وإذا رأيت من جليسك أمرأ تكرهه أو خَلّة لا تحبها، أو صدرت منه كلمة عوراء أو هفوة غبراء، فلا تقطع حبله ولا تصرم ودّه، ولكن داوِ كلمه واستر عورته فأبقِه وابرأ من عمله. قال الله تعالى: (فإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ)، فلم يأمره بقطعهم وإنما أمره بالبراءة من عملهم السوء.
-في معرفة الخصال التي هي جمال السلطان فأصلها وقاعدتها العفو.
** كلام عجيب عن العفو ** واعلموا أرشدكم الله أن الله تعالى أمر بالعفو وندب إليه، وذكر فضيلته وحث عليه ووصف به نفسه، فقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). فأوجب الله تعالى محبته للعافين وأثنى عليهم بالإحسان فقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) وعزائم الأمور من صفات المصطفَين من الرسل عليهم السلام. قال الله تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل) وقال سبحانه: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) وقال سبحانه: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) فاستعطف الخلق وندبهم إلى أن يعفوا عن الجناة والظالمين والخاطئين كما يحبون أن يفعل الله بهم. وقال فيمن انتصر ولم يعف: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل) فرفع الحرج عن المنتصر والمنتقم ولم يوجب له فضي��ة. ثم كشف الغطاء وأزاح العذر وصرّح بتفضيل العافين على المنتصرين، والواهبين حقوقهم على المنتقمين، فقال سبحانه وتعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ). وهذا نص لا يحتمل التأويل. وتحقيق القول في ذلك أن الانتصار عدل والعفو فضل، وفضل الله أحب إلينا من عدله، لأنه إن عدل علينا فأخذناه بحقه هلكْنا، وإن عفا عنا برحمته تخلّصْنا، ولو كان العدل يسع الخلائق لما قرنه الله تعالى بالإحسان، ولما علم أن في العدل استقصاء ومناقشة، وذلك مما تضيق عنده النفوس وتحرج له الصدور. نيط الإحسان بالعدل فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ) وأيضاً فإن الانتصار سيئة والعفو حسنة. قال الله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ) والدليل على أن الانتصار سيئة قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) غير أنه إنما سميت سيئة لما كانت منتجة سيئة لا أنه لا يجوز الانتصار، وهو كقول عمرو بن كلثوم الثعلبي: ألا لا يجهلنْ أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا فسمى الجزاء على الجهل جهلاً وإن لم يكن في الحقيقة جهلاً. وعن هذا روت عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم منتصراً من مظلمة ظُلِمها قط، غير أنه إذا انتهك شيء من محارم الله تعالى فلا يقوم لغضبه شيء. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ينادي منادٍ يوم القيامة من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. فإن عفوتَ أيها الطالب كان أجرك على الله، وإن لم تعفُ كان حقك قِبَل من ظلمك، ولأن يكون أجرك في ضمان الله تعالى أوثق من أن يكون قِبَل مخلوق. وأيضاً فإنك إن لم تعفُ نلت حقك بلا زيادة عليه، وإن عفوت كانت حسنة أسديتها لأخيك، والله تعالى يقول: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا).
وقال الأحنف: (لا تزال العرب بيّنة الفضل ما لم تعدّ العفو ضيما، والبذل سرَفا). وقيل لأفلاطون: أي شيء من أفعال الناس يشبه أفعال الله تعالى؟ فقال: الإحسان إلى الناس. وكان يحيى بن معاذ يقول: سبحان من أذل العبد بالذنب وأذل الذنب بالعفو. إلهي إن عفوت فخير راحم، وإن عذبت فغير ظالم. إلهي إن كنت لا ترضى إلا عن أهل طاعتك، فكيف يصنع الخاطئون؟ وإن كان لا يرجوك أهل وفائك فبمن يستغيث المستغيثون؟
-في المشاورة والنصيحة
-في الحلم
.. ومن لم يغضب من الأشياء التي مثلها فقد فقد من الفضائل الشجاعة، والأنفة والحمية والدفاع والأخذ بالثأر والغيرة، فإن هذه الخصال نتائج الغضب، فمن فقد الغضب فقد فقد أس الفضائل على ما سنذكره في باب الشجاعة، إن شاء الله. وقيل: عند فقد الشجاعة تكون المهانة، ومن المهانة يكون سفساف الأخلاق ورذالة الطباع، فلا يبقى لسائر فضائله موقع. وكان يقال: من لم يغضب فليس بحليم، لأن الحليم يُعرف عند الغضب. واعلم أن الله تعالى ما مدح مَن لم يغضب، وإنما مدح من كظم الغيظ فقال: (والكاظمين الغيظ).
-الجود والسخاء وقال أكثم بن صيفي: صاحب المعروف لا يقع، وإن وقع.. وَجد مُتـكأ. وقال الفضيل: ما كانوا يعدون القرض معروفا. أفضل الناس عيشا: من عاش الناس في فضله.
-كتمان السر واعلم أن أمناء الأسرار أشد تعذراً وأقل وجودا من أمناء الأموال، وحفظ الأموال أيسر من كتم الأسرار، فإن أحرازَ الأموال منيعة بالأبواب والأقفال، وأحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق ويشيعها كلام سابق، وعبء الأسرار أثقل من عبء الأموال، وإن الرجل ليستقل بالحمل الثقيل يحمله ويمشي به ويثقله، ولا يستطيع كتم السر. وإن الرجل يكون سره في قلبه فيلحقه من القلق والكرب ما لا يلحقه بحمل الأثقال، فإذا أذاعه استراح قلبه وسكن جأشه، وكأنما ألقى عن نفسه حملا ثقيلا أو جبلا.
-الشكر
-فيما يجب على الرعية إذا جار السلطان
-في سيرة السلطان في بيت المال ومعظم ما أهلك بلاد الأندلس وسلّط عليها الروم أن الروم التي كانت تجاورها لم يكن لهم بيوت أموال، وكانوا يأخذون الجزية من سلاطين الأندلس ثم يدخلون الكنيسة، فيقسمها سلطانهم على رجاله بالطاس ويأخذ مثل ما يأخذون، وقد لا يأخذ منها شيئاً، وإنما كانوا يصطنعون بها الرجال، وكانت سلاطيننا تحجب الأموال وتضيع الرجال، فكان للروم بيوتُ رجال وللمسلمين بيوتُ أموال، فبهذه الخلة قهرونا وظهروا علينا.
-في معرفة حسن الخُلق اعلموا أرشدكم الله تعالى أن هذا الباب مما غلط الخلق فيه وقلبوا القوس ركوة، فعمدوا إلى أخلاق العامة وخلائق الغوغاء والدناة، وما يجري بينهم إذا تلاقوا وتعاشروا من الإفراط في مدح بعضهم بعضاً، وتعاطيهم الكذب والتصنع والملق والمراءاة، والمعاريض عن الأمور المكنونة التي يفحش إظهارها، والانخراط في سلك المزاح والمهاترة. فهذا وما أشبهه عندهم من أحسن الخلق. وهذا عندنا نقيض ما نص الله تعالى عليه ورسوله من حسن الخلق. فأول ذلك أن يعلم أنه لم تحتوِ الأرض على بشر أحسن خلقاً من محمد صلى الله عليه وسلم، فكل من تخلق، بأخلاق رسول الله أو قاربها كان أحسن الناس خلقاً وكل خلق ليس يعد من أخلاقه فليس من حسن الخلق. وهذا فصل الخطاب في هذا الباب لمن عقل، وإنما أتي الناس لأنهم استحسنوا الأخلاق العامية واستخشنوا الأخلاق النبوية لجهلهم بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإنا لم نجد شيئا يبقى على الدهر إلا الذكرَ، حسنا كان أو قبيحا.
فيجب للقوي ألا ينسى الضعيف؛ وللغني ألا ينسى الفقير، فرُب مطلوب يصير طالبا؛ ومرغوبٍ إليه يصير راغبا؛ ومسؤول يصير سائلا؛ وراحم يصير مرحوما.
-في الفرج بعد الشدة وبدعاء يوسف عليه السلام صارت مصر محبوبة، يحبها من دخلها فلا يكاد يخرج منها. وهذه لطائف الحق سبحانه وتعالى مع من سلم لأمره ورجا فضله وتكلم بالهدى والبشرى، يفسح الله تعالى له أمله ويعطيه فوق ما سأله. قال علماؤنا: ليس في خصال الخير وإن جلّت؛ ولا في أنواع الأعمال وإن عظمت، أعلى من حسن الظن بالله تعالى.
واعلم أن زمام الأمور التوفيق. الحزم انتهاز الفرصة، وترك الونى فيما يُخاف عليه الفوت.
مشاهد ومواقف: ومن أبلغ ما تضمنه الكتاب تلك النصيحة التي وجهها الطرطوشي إلى أحد ملوك الإسكندرية، حيث خاطبه بجرأة وحكمة العالم العامل الزاهد الذي لا يخاف في الله لومة لائم.
سراج الملوك كتابٌ يليق بأن يُقرأ لا في السياسة وحدها، بل في تربية النفس ومعرفة طبائع البشر. أسلوبه متين، وأمثلته مدهشة، وفيه من الذوق الأدبي والفقه في الدين والدنيا ما يجعل القارئ يقف إجلالاً أمام عقل الطرطوشي وسموّ نظره.
وحقّاً كما قال مؤلفه: "يستغني الحكيم بدراسته عن مباحثة الحكماء، والملك عن مشاورة الوزراء." وكما قال في مقدمته: الناس يُهدُون على قدرهم *** لكنني أهدي على قدري يهدون ما يفنى وأهدي الذي *** يبقى على الأيام والدهر
كتاب فريد، من يقرؤه لا يخرج منه كما دخل.
ختمه مؤلفه بقوله: "فهذا ما أردنا أن نمليَه في هذا الكتاب. فأرى لكم أن تكتبوا أنفاسهُ *** إن كانت الأنفاس مما يكتبُ
قال ابو بكر الطرطوشي -رحمه الله- عن كتابه هذا : "ليس العجب ممن يقرأ كتابي هذا فصار مهذباً كاملاً، إنما العجب ممن قرأه ولم يصر مهذباً كاملاً!".
نجز مملوءاً حكمة، بما لم تسبق أقلام العلماء مثله.
آتاه الله الحكمة الواسعة! كتاب ساحر، يحضّك على الخير، وعلى مكارم الأخلاق ومعاليها ويدنيك منها، يدرأُ عنك الشر وقبيح الأخلاق ومساويها. ذا طابعٍ سياسي واجتماعيّ، بين الحاكم والمحكوم، والصديق وصديقه، والشخص والأشخاص من الخاصة والعامة. فيه من الحكم الكم الغزير جدًا وهو مجلدّ واحد! من حكم العرب والعجم، والفرس والروم، والهند والسند واليونان وغيرهم من حكماء الأرض قاطبة، في ذكر حكاياتهم وتجاربهم التي لا يمكن إحصاؤها ويتعذر استقصاؤها.
حقيقتًا كتاب رائع بالمعنى، آيات من كتاب الله وأحاديث من السنّة النبوية الشريفة، يسبك منها المؤلف -رحمه الله- ينتزع ويستنبط منها أجمل المعاني بكلامه الرصين اللطيف.
وفيه من الأدب الكثير والشِعْر الوفير والحكم الكثيرة جدًا، وقلم الإمام ابو بكر من ذهب حقًا!".
مشكلتي مع الكتب الرائعة هو الإقتباس والتقييد، نعم؛ متعبٌ جدًا ! كل صفحة وصفحتين احتاج أحدد وأقيّد وأتأمل وهذا يلزْم جهدًا. ولهذا اقتصرت على التحديد في نفس الكتاب، لأُعاود النظر فيه كاملًا مجدداً إن شاء الله.
الطبعة التي قرأت طبعة دار المنهاج، طبعة فاخرة.
-من غلب هواه علقه، افتضح!
-من لم يملك عقلَه .. لم يملك نفسه.
-العاقلُ يتهمُ رأيه في نفسه، والجاهل يقيمُ على جهله.
-لا قويَّ أقوى ممّن قَوِيَ على نفسه، ولا عاجزَ أعجزُ ممَّن عَجَزَ عنها.
-كفاك أدبًا لنفسكَ ما كرِهتَه لغيرك.
-مجيءُ القدر يسبقُ الحذر.
-الطبيعةُ مخالفةٌ للمروءة، فاصبِر لحقٍّ وجب عليك وإن خالفَ هواك.
-قال جعفر الصادق -رضي اللّٰه عنه- : عجبت لمن ابتُلي بخمس كيف يغفُلُ عن خمس ؟!
• عجبت لمن ابتلي بالضر كيف يذهب عنه أن يقول : مسنيَ الضر وأنت أرحم الراحمين ، والله تعالى يقول : ﴿فَاستَجَبنا لَهُ فَكَشَفنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٤].
• وعجبتُ لمن ابتلي بالغَمِّ كيف يذهب عنه أن يقول : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، والله تعالىٰ يقول : ﴿فَاستَجَبنا لَهُ وَنَجَّيناهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذلِكَ نُنجِي المُؤمِنينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨].
• وعجبتُ لمن خاف شيئاً كيف يذهب عنه أن يقول : حسبي اللّه ونعم الوكيل ، والله تعالى يقول : ﴿فَانقَلَبوا بِنِعمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضلٍ لَم يَمسَسهُم سوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤].
• وعجبتُ لمن مُكِرَ به كيف يذهب عنه أن يقول : وأفوض أمري إلى اللّٰه ، إن اللّٰه بصير بالعباد ، والله تعالى يقول : ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ ما مَكَروا﴾ [غافر: ٤٥].
• وعجبتُ لمن أنعمَ اللهُ عليه بنعمةٍ خافَ زوالَها كيف يذهب عنه أن يقول : ﴿وَلَولا إِذ دَخَلتَ جَنَّتَكَ قُلتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنا أَقَلَّ مِنكَ مالًا وَ��َلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩].
• كذا سنةُ اللّٰه سبحانه فيمن صدقَ قلبُه في التجائهِ إليه ، ولم يتوكِّل في مُهِمَّاته إلا عليه .
-من لم يقدر على جمع الفضائل، فلْتكُن فضائله تركُ الرذائل! - مِنْ الجهل والجفاء إظهارُ الفرح عند المحزون.
- "لَيْس في خِصالِ الخير وإنْ جلَّتْ، ولا في أنواعِ الأعمال وإنْ عَظُمَتْ .. أعلىٰ من حُسن الظن بالله تعالىٰ".
-"لو أن اِمرأ أحسنَ الإحسانَ كُلَّه ، وكانت له دجاجةٌ فأساء إليها .. لم يكن من المحسنين".
عموماً .. الكتاب مليءٌ بالدرر والجواهر، والغرر والنوادر. اكتفي بنقل هذا القليل جدًا. رحم الله الإمام الفاضل ابو بكر.
يُعدّ كتاب سراج الملوك للإمام الفقيه المالكي أبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي مرجعاً شاملاً في السياسة الشرعية وآداب الحكم وتدبير شؤون الدول والرعية، وهو خير من يوصف بأنه "كتاب لم يغادر من آداب الأخلاق وبدائع النصائح والأمثال الرقاق من مفعول ولا متروك". يغوص الطرطوشي في هذا العمل في تفاصيل سياسات الملوك السابقين من العرب والفرس والروم والهند، مستخلصًا الدروس والحكم، ويبيّن القواعد الأساسية التي يقوم عليها الملك العادل والخصال التي تضمن ثبات الدولة وقوتها، وتلك التي تؤدي إلى زوالها. ويتضمن الكتاب مواعظ جليلة ونصائح بليغة موجهة للحكام والولاة والوزراء، حول العدل والإحسان وحسن السيرة مع الجند والرعية، كما يشتمل على أحكام سياسة الدولة تجاه أهل الذمة وشؤون الحرب، مقدمًا بذلك دليلاً متكاملاً لكل من يتولى أمراً من أمور المسلمين، ولا غنى عنه للحكيم أو الملك.