من المقاييس المحددة لدرجة تحضُّر الدول و تخلُّفها كَمُّ القوانين و اللوائح و الأنظمة التي تصدرها السلطة الحاكمة؛ فكلما ازداد عددها: دَلَّ ذلك علي ازدياد تخلُّفها, و كلما نقص عددها اعتماداً علي قواعد الأخلاق و الأعراف التي تحكمها: دَلّ ذلك علي تحضُّرها. إنَّ كلًّا من الأخلاق و القانون قواعدُ سلوك, و لكن يَفرِقُ بينهما أنَّ المجتمع يفرض جزاءً علي مخالفة القانون في شكل عقوبة مادية, بينما يترك للأعراف الاجتماعية توقيعَ الجزاءِ الأدبي علي من يخالف القاعدة الأخلاقية. و تبقي دائماً الحدودُ بين القانون و الأخلاق مرنة, بحيث إذا احتاج المجتمع: قام بنقل قاعدة أخلاقية إلي زمرة القواعدِ القانونية بفرض جزاءٍ مادي علي من يخالفها. لم يقف الكاتب – في هذا الكتيب القيم – عند هذا البيان, و لكنه أضاف بياناً آخر لا يقل أهميةً هو: أنَّ الأُمّةَ هي الأصل, و أنَّ الدولة ما هي إلا إحدي مؤسسات الأُمّة, و أنَّ الأمّة الواعية لا تكتفي بمؤسسة الدولة, بل تُقيِّم من المؤسسات الأخري بقدر ما تسمحُ الظروف.. و أفاض في ضرب أمثلة للأنشطة التي تقوم بها كلٌّ من الأمة و الدولة.. و نبَّهَ إلي أنَّ هذا التوزيع يترك مساحاتٍ مشتركةً تتداخل فيها الأدوار و المهام. إنَّ هذا "الكتيب" – علي صغر حجمه – عظيمٌ في فكرته, يحتاج في شرحه و تفصيله إلي مجلدات, و يحتاج إلي ترجمته إلي بشرٍ يمشون في الأسواق, و يعيشون بين الناس, يُبَشرون بهذا الفهم الواعي, و يُحولون الفكر إلي واقع. و الله المستعان.. أ.د. جمال الدين عطية