ومن أبرز ما حدثَ من دلائل عَظمته يومها وهو بعدُ دون الحُلم : أنّ أحد الثقات من أصحاب أبيه وأصحابه الذين كانوا يتولّون العمل في الدولة ، حبسهُ المعتصم وهدّده بالقتل وبمصادرة أملاكه ؛ لأنّه يتولّى الله ورسوله والّذين آمنوا ! ذاك هو اليَسع بن حمزة القمّي الذي روى عنه محمد بن جعفر بن هشام الأصبغي قصّته قائلاً : ( أخبرَني عمرو بن مسعدة ، وزير المعتصم الخليفة ، أنّه جاء عَليّ بالمكروه الفظيع حتى تخوّفته على إراقة دمي وفقر عقِبي ، فكتبتُ إلى سيّدي أبي الحسن العسكريّ ( عليه السلام ) أشكو إليه ما حلّ بي ! فكتبَ إليّ : ( لا روعَ عليك ولا بأس ، فادعُ الله بهذه الكلمات يُخلّصك الله وشيكاً ممّا وقعتَ فيه ويجعل لك فرجاً ؛ فإنّ آل محمد ( صلّى الله عليه وآله ) يدعون بها عند إشراف البلاء وظهور الأعداء ، وعند تخوّف الفقر وضيق الصّدر ) . الصفحة 57 قال اليسع بن حمزة : فدعوتُ الله بالكلمات التي كتبَ إليّ سيّدي بها ، في صدر النّهار ، فو الله ما مضى شطرهُ حتى جاءني رسول عمرو بن مسعدة فقال لي : أجب الوزير ! فنهضتُ ودخلت عليه ، فلمّا بصُرَ بي تبسّم إليّ ، وأمرَ بالحديد ففُكّ عنّي ، والأغلال فحُلّت منّي ، وأمرَ لي بخُلعةٍ من فاخر ثيابه ، وأتحَفَني بطِيب ، ثمّ أدناني وقرّبني وجعلَ يُحدّثني ويعتذر إليّ ، وردّ عَلَيّ جميع ما كان استخرجهُ منّي ، وأحسنَ رفدي وردّني إلى الناحية التي كنتُ أتقلّدها وأضاف إليها الكورة التي تليها ) (1) . ثمّ ذكرَ الدعاء ، وهو هذا : __________ (1) بحار الأنوار : ج 50 ص 224 ، ومنهج الدعوات : ص 272 . الصفحة 58 ( يا مَن تُحلّ بأسمائه عُقَد المكاره ، ويا مَن يُفلّ بذكره حدّ الشّدائد ، ويا مَن يُدعى بأسمائه العظام من ضيق المخرج إلى محلّ الفرَج ، ذلّت لقدرتك الصّعاب ، وتسبّبت بلطفك الأسباب ، فهي بمشيئتك دون أمرك مؤتمرة ، وبإرادتك دون وحيك منزجرة ، وأنت المرجوّ للمهمّات ، وأنت المفزع للملمّات ، لا يندفع منها إلاّ ما دفعتَ ، ولا ينكشف منها إلاّ ما كشفتَ ، وقد نزلَ بي من الأمر ما فَدَحني ثِقله ، وحلّ بي منه ما بَهضني حمْله ، وبقدرتك أوردتَ عليّ ذلك ، وبسلطانك وجّهته إليّ ، فلا مصدر لِما أوردتَ ، ولا ميسّر لِما عسّرت ، ولا صارفَ لِما وجّهت ، ولا فاتح لِما أغلقتَ ، ولا مغلق لِما فتحتَ ، ولا ناصر لِمن خذلتَ إلاّ أنت . فصلِّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ وافتح لي باب الفرج بطَولك ، واصرِف عنّي سلطان الهمّ بحَولك ، وأنِلني حسن النّظر فيما شكوتُ ، وارزقني حلاوة الصّنع فيما سألتك ، وهب لي من لدنك فرجاً وحِيّاً ، واجعل لي من عندك مخرجاً هنيئاً ، ولا تشغلني بالاهتمام عن تعاهد فرائضك واستعمال سنّتك ، فقد ضقتُ بما نزلَ بي ذرعاً ، وامتلأتُ بحمل ما حدثَ عليّ جزعاً ، وأنت القادر على كشف ما بليتُ به ، ودفع ما وقعتُ فيه ، فافعل ذلك بي وإن كنتُ غير مستوجبه منك يا ذا العرش العظيم وذا المنّ الكريم ، فأنت قادر يا أرحم الرّاحمين ، آمين ربّ العالمين ) (1) . فمُذ رفع الإمام الغلام ( عليه السلام ) كفّ الابتهال إلى ربّه جلّ وعلا بشأن اليسع بن حمزة ، استجاب الله تعالى دعاءه وفرّج عنه فكتبَ إليه : ( لا روع عليك ، ولا بأس ) !