تذكر في كلّ لحظة من حياتك أن الإنسان يسعى في هذه الدنيا دائمًا لأن يكونَ على خطى هابيل، ولكنّ جميع الأشياء من حوله تشدّه من أُذنه باتجاه الطريق التي سلكها قابيل!
يتسرب إلى أحلامنا أثناء النوم جزء من الواقع؛ وعليه نبني أضغاث أحلامنا كلها. ولكن! هل يمكن للأحلام وخيالات النوم أن تهرب إلى الواقع؟ وهل يمكن للحقيقة أن تأتي مطابقة قولاً وفعلاً لما حلمنا به أثناء الليل؟ في سجل العيادات النفسية نسمع بأمراض غريبة ونادرة، وأحد هذه الأمراض يسمى وهم النوم واليقظة. تسلط الرواية الضوء عليه وهو بحالته المتقدمة النادرة، حين يختلط واقع المريض بمناماته، ويدخله بعد ذلك في صراعات الإنكار والإقرار بينه وبين نفسه. ويشرح تأثير الأوهام والأمراض النفسية على خيارات المرء اليومية وقراراته المصيرية وتقلب حالته النفسية. الرواية لحدود ٢٠٠ صفحة مليئة بالعبارات الأدبية البليغة، تلك التي تصلح لتكون قراءات في الحياة والناس، والتي تُنسيك لوهلة أنك داخل رواية. نجد بين سطورها أحداث تجسد الصداقة، وميثاق الحب الطويل، وعلاقات الانجذاب المستحيلة لكثرة العوائق. نقرأ فيها عن صدق حدس الإنسان وصحة انطباعه الأول، كما تصوّر لنا الخوف بمختلف حالاته، خوف الإنسان من أحلامه، وخوفه من نفسه على من يحب. وندرك بعد قراءتها أن البشري الواحد عالَم من الأسرار، وأن ما يخفيه المرء أكثر بكثير مما يبديه. تتوالى أحداث الرواية بتصاعد مشوق مما يُمهد لنهاية صادمة ومرضية لقارئ يكره النهايات الضبابية المفتوحة.
سجلات الشر للشاعر حذيفة العرجي رواية محكمة في بنيتها، عميقة في فكرتها، غير منساقة للتكرار والمألوف، إنها تشكّل نوعًا من التجريب الإبداعي بالمزج بين الواقع والمتخيّل باحترافية عالية. بطل الرواية المسكون بأحلامه المتشابكة بين الواقع والخيال، بشرّها وخيرها، يحاول وفق خطّ درامي متقن أن يصل لحقيقته النفسية قبل أي حقيقة أخرى، وفي ذلك رسالة مهمّة مفادها أن إصلاح أي خلل يبدأ من داخلنا. البطل يجد نفسه أمام الكثير من الرؤى يصدق بعضها ويبطل الآخر، وفي رحلة بحثه تلك يجد أن خلاصه لا يكون إلا بالارتياح الأبدي مما يدور في رأسهِ من صراعات متجذرة في العمقِ الإنساني. الرواية جميلة جدًا وعميقة، شكلت قراءتها بالنسبة لي إضافة جديدة لمخزوني المعرفي واللغوي.
ولأنّ حذيفة العرجي شاعر في الأصل، امتازت الرواية بإحساسها العالي وجمالية تراكيبها اللغوية، ولأنّه أيضًا فاهم وعارف بطبيعة الكتابة الروائية سردًا ووصفًا حافظ على رصانة عمله السردي دون أن يجبره الشاعر الذي يسكنه على الانزياح نحو الشاعريّة دون حدود.