يعرض لنا «فرح أنطون» مشهدًا من المشاهد التي يتضمَّنها مسرح الحياة البشريَّة؛ مشهدًا يُدمي القلوب حين ترى أن الدنيا قد تحوَّلت إلى حَلْبَةِ صراعٍ بين السيادة والمَغْنَمُ فيها للقوي، والعبوديَّة والمَغْرَم فيها للضعيف، وهي المفارقة الأخلاقيَّة التي باتت تكوِّن المشهد المألوف للطَّبع الإنساني. وتتضمَّن هذه الرواية ضروبًا شتَّى من المبادئ التي تزخر بالقيم السامية؛ ففي كلِّ فصلٍ منها تتكشَّف عِبْرَةٌ جديدة؛ ومنها أنَّ المَدَنيَّة والرقيَّ ليسا رَهْنَ مكانٍ بعينه، ولكنهما فطرةٌ تُختصُّ بها بعض الشخصيات الإنسانيَّة؛ فقد يكون القَرَويُّ أرهف إحساسًا من المَدَني، وهذا ما بَرْهن عليه الكاتب في ثنايا فصول روايته، كما برهن على أنَّ الحبَّ الذي يحيا في وجدانٍ صادقٍ يتخذ منه كهفًا روحيًّا يودِعه تراتيل هذا الحب، وقد يُفْضي بصاحبه إلى الجنون، وهو ما حدث لمجنون ليلى.
فرح أنطون (1291 هـ/1874 - 1340 هـ/1922) من أعلام النهضة العلمانيّة العربية. هاجر من طرابلس لبنان إلى القاهرة عام 1897، اشتهر بدراساته عن حياة وفلسفة الفيلسوف العقلاني ابن رشد، متأثرا في ذلك بأعمال اللغوي والمؤرخ الفرنسي أرنست رينان.
فرح بن أنطون بن الياس أنطون (1874-1922م)، صحافي وروائي ومسرحي وكاتب سياسي واجتماعي. ولد وتعلم في طرابلس لبنان، وانتقل إلى الإسكندرية في مصر هربا من الاضطهاد العثماني عام 1897م، فأصدر مجلة "الجامعة" وتولى تحرير "صدى الأهرام" ستة أشهر، وأنشأ لشقيقته روز أنطون حداد مجلة السيدات وكان يكتب فيها بتواقيع مستعارة. رحل إلى أمريكا سنة 1907م، فأصدر مجلة وجريدة باسم "الجامعة"، وعاد إلى مصر، فشارك في تحرير عدة جرائد، وكتب عدة روايات تمثيلية، وعاود إصدار مجلته، فاستمر إلى أن توفي في القاهرة.
كتاب في شكل قصة يحمل نقد شديد لرجال الدين بين ما يجب أن يكونوا علية وما هم علية فعلا، كما يحمل نقد للطبيعة الانسانية المتوحشة ودعة للانسانية والتسامح والعدل
عندنا في الطبيعة ليس من حيوان ولا نبات يحتاج إلى قوت ويبيت بلا غذاء ..فإن فظائع كهذه الفظائع لا تحدث إلا بين البشر في الإجتماع.نعم.،نحن نأكل بعضنا بعضا أحيانا،ولكنا نفعل ذلك حين الحاجة فقط قياما بسد عوزنا ،أما أنتم فمع كونكم ذوي عقول تعقل ونفوس تدرك ،فإنكم تأكلون بعضكم بعضا بحاجه ومن غير حاجة..وكثيرا مايكون ذلك إرضاءا لكريائكم فقط لا لضرورة ولذلك قال أحد حكمائكم ياوحوش البر وأفاعي الغابات ،خذيني إليك آكل من طعامك وأشرب من مائك؛لأخلص من صحبة الإنسان) ... .. اكتر إقتباس عجبني في الرواية
"ليس الانفراد عن الناس هو الذي يريح الإنسان، فإن مخلوف منفرد الآن عنهم في دير ولكنه تعيس جدًّا، فراحة الإنسان وسعادته في داخله؛ أي في نفسه، فلا يبحث عنهما خارجًا عنها، والنفوس القوية العادلة المستقيمة "تَقْدر أن تكون مستريحة سعيدة حتى في وسط تقلبات الحياة. "
هكذا ختم فرح انطون لوحته الفنية.. انها رواية ممتعة و مشوقة جداً تصف مناطق مصيف لبنان و تروي مغامرة " كليم و سليم " من طرابلس وصولاً للأرز