لا تظهر الفنون الجميلة، والصنائع الحقيقية عند أمة من الأمم إلا متى تمدينت تلك الأمة وارتفعت إلى درجة قابلة لغرس تلك المعارف، واستعدت العقول لملاقاتها، وتمهدت السبل لانتشارها، حتى إنها متى أقبلت على أفراد الأمة لاقاها الجميع بالترحاب، واحتضنوها، وأعزوها، وأكرموها؛ فتنموا وتزهر، وتنتج من عجائبها ما يجعل الأمة التي كانت بالأمس في زوايا النسيان دولة ذات غز، وفخر، وجاه. وما الفنون إلا مقياس التمدن، وما خلدت أمة في التاريخ وسطرت حوادثها على صفحاته إلا بفنونها. وما اضطربت قلوبنا، وحارت عقولنا، وخضعت أنفسنا إجلالًا وتعظيمًا عند رؤية آثار منفيس، أو بابل، أو أثينا، أو روما... أو عند سمع أسمائهن، إلا لما حوين من الآثار الغريبة، والتحف الجليلة.