الخطابة ضرب من الكلام يُراد به التأثير في الجمهور من طريق السمع والبصر معًا، وهي فطرية في الإنسان كالغناء والنطق؛ ولهذا تجد آثارها عند الأقدمين في كتب الهند المقدسة وكتب مصر وفارس والصين. ولا ريب أن الأعمال العظيمة التي خُطَّت على جبين الدهر من بطولة وكرم ومجد، كان الدافع إليها خطب الأفراد الذين امتازوا بسرعة الخاطر وقوة العارضة وجرأة الفكرة وذلاقة اللسان، فمن أبطال أوميروس إلى الإسكندر وقيصر، إلى بطرس الناسك وتوما الأكويني، إلى لوثر وكلفن إلى ميرابو ودانتون وروبسبير، إلى دزرئيلي وغلادستون وتيارس وغامبتا، إلى جوريس بالأمس وموسوليني اليوم. ولا تزال البلاغة أداة الإقناع والعامل الأكبر في إنهاض الهمم وتنبيه العزائم وإذكاء الشعور، بها أثار سولون حماسة الأثينيي
نقولا فياض: هو شاعر ومترجم لبناني وخطيب وطبيب وعضو المجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية) بدمشق.
ولد عام ١٨٧٣م بمدينة بيروت في أسرة تهوى الأدب والفن والشعر، حيث كان أخوه الشاعر الشهير «إلياس فياض». تلقى تعليمه في مدرسة «الأقمار الثلاثة» الأرثوذكسية وبعد أن تخرج من المدرسة عمل لمدة سنتين في التجارة ثم تركها والتحق بكلية الطب الفرنسية ببيروت، حيث عمل طبيبًا بعد التخرج بإحدى المستشفيات إلى أن سافر عام ١٩٠٦م إلى باريس للتخصص في الطب فأمضى فيها خمس سنوات عاد بعدها إلى مصر، حيث أمضى عشرين عامًا تقريبًا متنقلًا بين الإسكندرية والقاهرة.
أحب الأدب والشعر منذ صغره وأسهم بالحركة الأدبية منذ شبابه وظل يكتب أثناء سنوات عمله إلى أن تفرغ كليًّا لممارسة الطب والأدب والترجمة بعد أن ترك الوظائف الحكومية، وقد قدم للمكتبة العربية العديد من الأعمال الأدبية المتميزة فوضع كتابًا متميزًا في الخطابة وأساليبها وكذلك ترجم العديد من الأعمال الشعرية والمسرحية منها قصيدة «البحيرة» للشاعر الفرنسي «ألفونس دى لامارتين».
أمزح، لم أقرأه بسبب ذلك، ولكنه وحسب كان من أعمال هذا الشاعر الجميل: نقولا فياض، أصبحت أحب كل ما يجيء به، وهو في كتاب الخطابة هذا شديد الحماس لذلك الفن، وشغفه بالحديث عنه بيّن جدًا جدًا، أقصد هذا الشغف الذي يجعله يضع صور شخصية كثيرة له وهو يخطب في المناسبات المختلفة سواء بالشعر أو النثر، ليوضح من خلال هذه الصور الشخصية كيف يجب أن يقف الخطيب وأين يضع يديه، وكيف يرسم الانفعالات المختلفة المتوافقة مع محتوى الخطاب
وهذا كله جميل، والكتاب حسن التقسيم إلى حد بعيد، ولم يغفل كثير من التفاصيل التي يجب على الخطيب مراعاتها، حتى التي تبدو تافهة القيمة
والقسم الثاني من هذا الكاتب جاء في ترجمته الجميلة لكثير من الخطب العالمية في الغرب، ولا سيّما الخطب الفرنسية للأعلام، ذاك لأن دراسته ولغته وثقافته الثانية هي الفرنسية، وكذلك في إيراده لكثير من الخطب العربية الجميلة للغاية، وهو – وهو المسيحي – يضع خطب النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مقدمة النماذج ويقول قبلها: لم يسمع الناس بكلام قطّ أعمّ نفعًا، ولا أصدق لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مزجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين في فحواه من كلام النبي
وهذا التأثير الإسلامي فيه غريب، فأثر الثقافة الإسلامية بارز جدًا في كتاباته بصفة عامة، هل تذكرون هذه الأبيات التي قالها مخاطبًا به أهل وطنه، لبنان، محذرًا من أن تعصف الفتن به: لبنانُ سِفْرٌ للمحبِّةِ خالدٌ صفّت يدُ الأقدارِ فيه الأحرفا
وقفَ المسيحُ على ذراه، وعطَّرتْ برديْه أنفاسُ النبيِّ المصطفى
ما ضمَّ بين رمالهِ وجبالهِ فكرًا أبرَّ، ولا لسانًا أشرفا
لبنانُ من نعم السماءِ، فحاذروا أن يستبدَّ به التعصبُ والجفا
فالمؤلف سمح الروح، وخلقه جميل للغاية، أو لم تنتشر عنه نقيصة واحدة على الأقل، ولكن هذا التأثير الإسلامي وصل إلى مستوى غير مسبوق!، أو على الأقل لم أصدق عيني عندما قرأت الترجمة لأول مرة، فهناك خطبة قالها القديس باسيليوس، يقول فيها مخاطبًا الأغنياء عندما يسألهم من أين جاء مالهم في الأصل - في ترجمة لها بالإنجليزية، عن الرومانية: If you acknowledge that they came from God, then tell me the reason why He gave them to you. Is God unjust that He gives the things of life to people unequally? Why are you rich while another is poor? In any case, is it not so that you can receive the reward for good and faithful stewardship, and the other can receive the reward for his patient effort? But you, who grasps at everything in your insatiable greed, do you really think that you are doing nobody injustice by plundering so much? Who is the greedy one? The one who is not satisfied with that which is enough. Who is the plunderer? The one who takes that which belongs to all. Are you greedy? Are you a plunderer? The one who steals clothes off someone’s back is called a thief. Why should we refer to the one who does not clothe the naked
فيترجمها المؤلف: وإذا كنتم تعرفون أنه من الله، فقولوا لي علام أعطاكهم الله وحرم سواكم منه؟، ما كان ربك ظالمًا لعبيده ليقسم هذه القسمة الضيزى، تعالى الله عن ذلك!، إنه أعطاكم الغنى لتنفقوه في سبيل الخير، وقال: "لن تنالوا البر حتى تُنفقوا مما تُحبّون"، وهكذا أعدَّ الثواب للغني والفقير، الأول لحلمه وكرمه، والثاني لصبره وألمه، وتظنون بعد هذا أن تحبسوا خيراتكم عن الناس دون الإضرار بهم؟، مَن هو البخيل؟، هو الذي لا يكفيه سد حاجته، مَن هو اللص؟، هو الذي يسلب الآخرين، أفلا تعرفون أنفسكم بهذا التعريف؟، تسمّون قاطع الطريق مَن يجرّد الناس من لباسهم، فماذا تسمون مَن لا يجود باللباس على من لا لباس له؟!
والترجمة رائعة حقًا، ولكن أفسدت مناسبتها التاريخية الكلمات الإسلامية الصميمة، التي لا يعقل أن يقولها أحد قبل الإسلام بهذه البساطة، فهذا القديس وُلد ومات قبل ظهور الإسلام، بنحو من ثلاثة قرون كاملة!، فمهما كانت طريقة الترجمة المستخدمة فإن إيراد آية قرآنية لم تكن قد أُنزلت بعد، ليس بالشيء الأمين تمامًا!
ولكن حسب المؤلف أن أبان عن مذهبه في الترجمة في بداية فصل المختارات، وقالها صراحة:
حسبُ المترجم أن يتفهّم معاني الكاتب ويدرك مقاصده ويدخل في إهابه – إن سُمح لي بهذا التعبير – ثم يجتهد أن يقدم للقارئ قالبًا عربيًا لا ينفر منه ذوقه، ولا يأباه سمعه، فيختلف التركيب عن الأصل بعد الاختلاف، ويبقى المعنى والأسلوب على حالهما
وهذا لا شيء، فهو كتاب خصيب عن الخطابة مليء بروح مؤلفه وصدى تجاربه المختلفة في هذا المجال، فليس هو كتابًا باردًا إذن