إن اعتماد نموذج تفسيري أحادي لا يمكن أن يفسر نشأة العلاقة وتطورها بين إيران الشيعية الاثني عشرية وحركة حماس الإسلامية السنية ذات المشرب الإخواني، ولذلك فإن الباحثة تلجأ إلى بناء نموذج تفسيري مركب يأخذ بعين الاعتبار الأرضية الفكرية والأيديولوجية لطرفي العلاقة وفي مقدمة ذلك الموقف من إسرائيل.
ليس من قبيل المبالغة القول إن "فلسطين" في الوجدان السياسي المعاصر قد تحولت من مجرد حيز جغرافي متصارع عليه إلى "برزخ" أيديولوجي ومجازٍ لغوي يلتقي فيه المتناقضون. في هذا الفضاء، تتلاشى الحواجز المذهبية الصلبة وتتحول لغة الصراع التاريخي بين "السُّنة" و"الشيعة" إلى لغة عبور مشتركة، جسرٍ شُيّد فوق أخاديد الاغتراب والشك. في كتابها الاستقصائي الرصين "إيران وحماس: من مرج الزهور إلى طوفان الأقصى.. ما لم يُروَ من القصة"، تشرّح الباحثة فاطمة الصمدي بضعاً من أعقد مفاصل هذه العلاقة، مقدمةً وثيقةً معرفية لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تفكك شيفرة "الجسر المهتز" الذي ظل صامداً رغم اهتزازاته العنيفة بفعل رياح الجيوسياسة. إن أهمية هذا العمل تكمن في قدرته على قراءة "جرح فلسطين" ليس كحدث سياسي فحسب، بل كضرورة استراتيجية جعلت من طهران وحماس طرفين في معادلة لا تقبل القسمة على التبعية المطلقة، معيدةً صياغة جذور هذه العلاقة منذ لحظاتها الجنينية الأولى. لم يكن التحول الإيراني تجاه فلسطين وليد ثورة 1979 فحسب، بل هو سيرورة تاريخية مشحونة بالتناقضات. تشرّح الصمدي ببراعة الذهنية القاجارية التي اتسمت بنفعية غريبة؛ ففي الوقت الذي افتتحت فيه طهران ممثلية في فلسطين عام 1897، تكشف الوثائق عن "دراما تاريخية" في لقاء ناصر الدين شاه بأحد أعضاء عائلة روتشيلد في فرنسا عام 1873. هناك، وبدلاً من الدفاع عن حقوق أصحاب الأرض، قدم الشاه مقترحاً "غريباً" يقضي بأن يشتري "الإخوة روتشيلد" بلداً يجمعون فيه يهود العالم بدلاً من تشتتهم، وهو ما قوبل بضحك صامت من روتشيلد. ومع انتقال البوصلة إلى العهد البهلوي، نجد "الازدواجية المحسوبة" في أبهى صورها؛ حيث كان الشاه ينسج خيوط التحالف النفطي والاستخباراتي مع إسرائيل سراً، بينما يتودد للعرب جهراً. وفي مقابل هذه البرغماتية السلطوية، تبرز ملامح النخبة المثقفة التي شكلت الوعي الإيراني: - جمال الدين الأفغاني وتلامذته: الذين بذروا الوعي السياسي الأول ضد الاستعمار. - محمد مصدق: الذي رأى في الصهيونية أداة استعمارية خالية من أي قداسة دينية، معتبراً إياها عدواً لليبِراليته السلطوية. - جلال آل أحمد: وهو النموذج الأهم للتحول المعرفي؛ فمن الإعجاب بـ"الكيبوتسات" والاشتراكية الإسرائيلية عام 1963، انقلب بحدة عام 1967 ليصف إسرائيل بأنها "ولاية صهيونية" وخنجر استعماري في قلب الشرق، معتبراً المثقفين الأوروبيين متواطئين في جِلاد الأمم. هذا التحول في وعي النخبة هو ما مهد الطريق لانتقال البوصلة من "دبلوماسية الشاه" الغارقة في التبعية للغرب، إلى "ثورية الخميني" التي جعلت من فلسطين ركناً في عقيدة الدولة. في شتاء عام 1992، ارتكبت إسرائيل "خطيئة استراتيجية" كبرى بإبعاد 415 كادراً من حماس والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان. هناك، وفي مخيم "مرج الزهور" وسط الثلوج، لم يولد التعب والموت، بل ولدت "الثقة العضوية". لقد استثمرت إيران هذا "الاغتراب السني" بذكاء استراتيجي نافذ، مقدمةً نفسها كظهير للمقاومة في وقت كانت فيه القوى الإقليمية الأخرى تلتزم صمت المترقب. لم يكن اللقاء هناك مجرد تقديم مساعدات، بل كان لحظة بناء مؤسساتي حولت المبعدين من "مطاردين" إلى "شركاء" في مشروع مقاوم عابر للحدود، مما مهد الطريق لاحقاً للقمم السياسية في طهران ولقاءات الشيخ ياسين بخامنئي التي أرست قواعد "الجغرافيا والدم". تستخدم الباحثة ثمانية مشاهد تاريخية لترسم ملامح التوتر القائم بين الخطاب الأيديولوجي والواقع السياسي. هنا، نرى كيف "اصطدمت" التوقعات و"تخلخلت" الثقة في لحظات فارقة: - أزمة سوريا (2012): كانت اللحظة الأكثر قسوة، حيث رأت إيران في انحياز حماس للثورة السورية "خروجاً عن المحور" وليس مجرد اختلاف في الرأي، مما أدى إلى برود استمر لسنوات. - وثيقة حماس (2017): هنا تجلى "اهتزاز الجسر" بوضوح؛ فعلى الرغم من براعة حماس السياسية، هاجمت صحيفة "جمهوري إسلامي" الوثيقة بضراوة، واتهمت الحركة بـ"الخيانة" والتأثر بـ"أنظمة النفط" العربية والسعي نحو التسوية. لقد كشفت هذه المشاهد أن العلاقة ليست قائمة على "التبعية" كما تروج نظرية الوكيل، بل هي "تحالف مستقل" دائم الاختبار، حيث تدير حماس أزماتها ببرغماتية المقاوم، بينما تدير إيران نفوذها باستراتيجية الدولة الكبرى، مما يجعل الصدام في التفاصيل أمراً حتمياً تحت سقف الاتفاق الكلي على العداء لإسرائيل. تكمن الحصافة الوثائقية للكتاب في اعتماده على "التاريخ الشفهي" والمقابلات النوعية، خاصة شهادات خالد مشعل. وبدلاً من الغرق في التفسيرات الجاهزة التي تسطّح العلاقة بوصفها علاقة "دمية ومحرك"، تقدم الصمدي تحليلًا مبنياً على "الاختيار العقلاني" وتعظيم المصالح المشتركة. هذا النهج المعرفي يرفع شأن الكتاب، إذ يثبت أن حماس لم تكن يوماً "وكيلاً، بل هي فاعل سياسي يمارس "الاختيار" بناءً على حاجته لظهير عسكري ومادي لا يوفره غير طهران، في مقابل حاجة طهران لحليف سني مركزي يمنح مشروعها الإقليمي شرعية عابرة للمذاهب. رغم الثراء الوثائقي الهائل وجرأة الطرح في ولوج "المناطق المحرمة" للأمن القومي الإيراني، إلا أن القارئ الفطن يلمس "فجوات صمت" فرضتها طبيعة المادة الحساسة. فبينما غاصت الكاتبة في تفاصيل علاقة حماس، نجد غياباً نسبياً لشهادات قيادات حركة "الجهاد الإسلامي" رغم محاولاتها، مما جعل المركز الثقلي للكتاب يميل نحو حماس. إن هذه الحدود، التي اعترفت بها الكاتبة، لا تنقص من قدر العمل، بل تؤكد صعوبة التأريخ "للأسرار" وهي لا تزال قيد التكوين. في الختام، يبرهن هذا العمل على أن الكتاب لا يروي تاريخاً مضى، بل يروي "حدود التحالفات" حين تمتحنها الجغرافيا ويختبرها الدم. إن سيرة هذا "الجسر المهتز" تثبت أن العلاقة بين إيران وحماس هي قدر المنطقة الذي لا مفر منه؛ تحالفٌ شُيّد في مرج الزهور ليعبر نحو "طوفان الأقصى"، وما بينهما من انكسارات وترميمات. يظل الكتاب مفتاحاً لا غنى عنه لفهم لغة العبور المعقدة في زمن الصراعات الكبرى، مؤكداً أن الطوفان لم يكن نهاية القصة، بل هو فصلٌ جديد في سيرة جسرٍ تعلم كيف ينجو من السقوط كلما ظن الجميع أنه انكسر.
تعتبر العلاقة بين حماس وإيران من أكثر العلاقات غرابة لأن ما يجمعها أقوى مما يفرقهما، وما يفرقهما أكثر مما يجمعهما، لذلك كانت علاقتهما موضوعا خصبا يصعب الحديث عنه بإيجاز. وفي كتاب فاطمة الصمادي هذا سعت أن ندرك أبعاد تلك العلاقة النشأة والتصدع وعودة المياه لمجاريها. ولأن الكتاب أعد لمخاطبة الجمهور العربي بدأت فاطمة بمقدمة تاريخية يدرك القارىء كيف كانت القضية الفلسطينية أيام النظام القجري وعلاقة الكيان بالنظام البهلوي واعترافه بالكيان 1950، وجعله من إسرائيل الحليف الوحيد في المنطقة. انتهى بالحديث عن ذلك العهد القسم الأول من الكتاب في القسم الثاني بدأ الحديث عن الجمهورية الإسلامية والقضية الفلسطينية، وعن حضورها في شعارات الثورة، وفي كتابات الخيمني رحمه الله، وعن علاقتها في بداية الثورة مع حركة فتح وتدريبها لأفراد كانوا نواة الحرس الثوري عقب ذلك،واستضافة ايران الثورة لياسر عرفات رحمه الله. تلك العلاقة التي أدركت ايران بعد اختيار عرفات خيار المفاوضات مع الكيان والاعتراف به أنها بحاجة إلى بديل مقاوم لا مساوم، ويعد إبعاد قادة حماس إلى مرج الزهور بداية العلاقة مع إيران، ولم تكن حبا من أول نظرة، فقد ذكر محتبى أبطحي أن الرنتيسي قال له : "ابق مكانك ولا تقترب أكثر"وعلق أبطحي قائلا:<<أذكر تحفظهم كانوا يعتقدون أننا كفار ومشركون، ويظنون أننا نعبد علي "سلام الله عليه" حتى أن بعضهم لم يرغب بمصافحتي >>. في بداية العلاقة عرضت إيران دعما ماليا ورفضته حماس،أدركت إيران حينها أنها تتعامل مع من يقدس فكرة المقاومة كما تقدسها، وعرضت على حماس أن تدرب بعض أفرادها في لبنان وطهران لتبدأ حينها حماس صناعة المتفجرات، التي ازدهرت في بيئة حماس عقب تلك الفترة. ولأنه لا يخلو صفو من كدر شاب تلك العلاقة ما كدر صفوها، وكانت البداية مع الأزمة السورية حين اختارت حماس أن تقف على الحياد بل وفي بعض الأحيان أظهرت دعمها للثورة السورية، وخرجت حماس من دمشق، ولم ينقطع دعم ايران للجناح العسكري لحماس، وأصاب العلاقة فتورا إلى أن جاءت أحداث 2014 وأدركت إيران حينها أنه لا بديل عن حماس،وأدركت الأخيرة، أنه مهما بلغت مساعدة تركيا وقطر فلن يساعدوا الجناح العسكري برصاصة ولو مطاطية. عُقدت بعد تلك المعركة لقاءات سرية وأعقبت بأخرى علنية لأجل حل المشكل بعد الاعتراف أخيرا أن هناك مشكل ينبغي أن يوجد له حل. "وفي 2016 سربت مكالمة لموسى أبو مرزوق هاجم فيها إيران واتهمها بالباطنية وأن كلامهم كذب وهراء.." وكان لتلك المكالمة التي انتشرت في وسائل الإعلام الإيرانية حظها من النقاش الذي جمع الحركة مع قاسم سليماني وهو نقاش أوردته الكاتبة في الصفحة 229 ينبغي على كل مهتم بالعلاقة بين الجانبين أن يطلع عليه. أشهد سليماني قادة حماس على أن ايران لم تطلب قط منهم موقفا سياسيا يوافق سياستها وأنها رغم الخلاف الذي كان بينهم لم تقطع العلاقة مع القسام ودعمه بما أمكنها وما وصلت إليه من تقنيات وفي عام 2017 بعد نجاح إسماعيل هنية وصالح العروري عادت العلاقة إلى سابق عهدها، إلى أن جاء طوفان الأقصى حيث امتزجت المواقف بالدماء، وعند الشدائد تذهب الأحقاد فكيف بالخلافات؟ تحدثت الكاتبة عن طوفان الأقصى وتناول الإيرانيون له وزاويا نظرهم له وهل خذلت إيران القضية ؟ وختمت بالحديث عن العلاقة بين الطرفين وأنه رغم كل ما شابها فقد ظل الطرفان على قدر من التواصل مؤمنان بأن ما يجمعهما أقوى مما يفرق مهما كثرت الخلافات.
دراسة رائعة و وفيرة المصادر. يبدو أن الباحثة/الكاتبة أرادت أن تظهر و تدرس وجهة نظر حماس و إيران في كثير من المواضيع الخارجية و ما يحكم علاقتهما الثنائية بشكل خاص. عكس الكتاب أفكارا و مواقف جديدة علي و أظن أنها كانت مهمة في وضع نصاب رؤية القارئ لإيران و علاقتها بالقضية الفلسطينية بشكل خاص، بعيدا عن ضوضاء وسائل الإعلام.
في مكتبتي الصغيرة اقرأ كتبا عذبة تستحيل معها المكتبة إلى حديقة غنّاء ،يغشاها النور، وتملأها الفراشات، تُخلِّف في قلبي بهجة وسرور ، وامتنان عظيم للحياة التي جمعتني بها . اقرأُ أيضا كتبا مُريعة ، تستحيل معها المكتبة إلى جبل أصم، صخوره حادة ، وتربته متصلبة، تخلِّف في قلبي حسرة وأسى . واحتقار شديد للغرف المغلقة على المكائد والطاولات التي تُناقش على سطحها الخيانات.
لكن مثل هذا النوع من الكتب كما في الصورة أعلاه احتار في تصنيفه ، فلا هو في الحديقة ولا هو في الجبال ، هو شيء عالق في المنتصف . فمع تفكيكه لعلاقة شائكة يكثُر الجدل حولها، ويُستسهلُ فيها إلقاء التهم، ويُرددُ في شأنها كلام كثير لمجرد الترديد ، إلا اني وجدته كتاب لذيذ ، سلس ، وسهل ، مفهوم جدا ، وواضح جدا ، ولا يعتريه أي لبس أو غموض، استغرقت في قراءته ، فتحت عيناي ، وكتمت أنفاسي خوفا وخشية ، فما عادت الناس تتساهل في شؤون القراءة ، سيحاكمونك ويحكموا عليك لمجرد أنك قرأت، رغبة في فهم أمر ما، أو حتى من باب الفضول .
حسنا.. من مرج الزهور في لبنان حتى طوفان الأقصى تُفصّل الدكتورة فاطمة الصمادي على نحو بالغ من الاستقصاء ،ودرجة عالية من التوثيق ،وقدر محترم من الإنصاف ،علاقة ايران كدولة، مرجعية وحكومة وشعب بحركة حماس الفلسطينية على امتداد تلك الفترة الزمنية بكل انتصاراتها وخيباتها ، وبكل الانعطافات الخطيرة التي اعترتها وكادت أن تُودي بها ..
كتاب ثري ويلخص علاقة حركة حماس مع الجمهورية الإسلامية في إيران بطريقة علمية بحتة بعيدة عن التجاذبات السياسية، بحيث تحاول الباحثة أخذ نظرة مقارنة لرؤية حماس وإيران لبعضهما البعض في ظل مرحلة اكتشاف الآخر بالتسعينيات، ومرحلة الخلاف بين الحركة والجمهورية الإسلامية حول الملف السوري وما أدى لمد وجزر في العلاقة، وتختتم الباحثة الكتاب بتناول طوفان الأقصى وكيف نظرت إليه إيران.