لم تحقق رواية فرنسية ما حققته رواية "الكونت دي مونت كريستو" من مكانة على مر الأجيال، تحققت بفضل تناول كاتبها ألكسندر دوماس لقيم إنسانية يتوارثها البشر في أخلاقهم وسلوكياتهم كما يتوارثون جيناتهم ولون أعينهم.. النبل، الخيانة، الشجاعة، الإرادة، الإخلاص، والتضحية، الإنتقام. إنها مجموعة من القيم التي تظهر بوضوح في هذه الرواية، مع بطلها ادومند دونتيس وهو شاب بحار، في التاسعة عشر من عمره، وهو الرجل الثاني علي السفينة فرعون، يصل إلى مدينة مارسيليا ليخطب في اليوم الثاني حبيبته مرسيدس، لكنه يتعرض لخيانة اثنين من أصدقائه الغيورين، ومن هنا تمضي أحداث الرواية الشيقة بين أمل ويأس، وبين الحب والرغبة بالثأر يعيش بطلها في حالة قصوى من الصراع، فأيهما سوف ينتصر في داخله.
هذا الكتاب فعليا عمل أدبي عظيم يعكس عبقرية ألكسندر دوما في طرح مواضيع الانتقام، الغفران، والعدالة. القصة بقدر ما هي مؤلمة، بقدر ما تشفي غليل القارئ أثناء قراءتها. باختصار أحببت الرواية بجميع تفاصيلها. رواية الكونت دي مونت كريستو ليست مجرد حكاية انتقام، بل هي رحلة إنسانية عميقة مليئة بالمآسي والدروس. تبدأ مع إدموند دانتيس الذي يُسجن ظلما بسبب مؤامرة دنيئة، نابعة من حقد وحسد يقود إلى غدر الشاب البريء بأبشع طريقة. يمثل السجن سنوات الظلم والمعاناة، لكنها أيضا تشكل نقطة تحوّله الكبرى والمبهرة حين يهرب دانتيس من السجن ويجد كنز جزيرة مونت كريستو، لا يصبح فقط رجلا ثريا ينتمي لطبقة النبلاء ويلقى الإحترام أينما حل، بل أيضا شخصا قويا راقيا وبهدف واضح، يقضي بتحقيق العدالة لنفسه، وبنفسه. فنرى كيف يستخدم الكونت ثروته وذكاءه لإعادة تشكيل حياة كل من ظلمه وتغيير مسارهم وأقدارهم ومكاناتهم المرموقة غير المستحقة. وبالتالي، نشهد كيف يمكن للثروة والقوة أن تكونا أدوات للخير أو الشر، حسب استخدام الإنسان لهما. الرواية تتجاوز مفهوم الانتقام لتطرح أسئلة عميقة حول العدالة الإلهية والبشرية. فرغم أن الكونت يسعى للانتقام، إلا أنه يكتشف نوعا ما أن الغفران يمنحه راحة وسلامًا أكبر، وهو ما لم يعجبني صراحة تجاه من أذاه، لكنه يظهره كشخص متصالح مع ذاته، ويُظهر المغزى من تلك النهاية.
بجانب رسائلها العميقة، تزخر الرواية بمشاهد مشوّقة، شخصيات معقدة ومختلفة، ووصف دقيق للحياة الاجتماعية في فرنسا وإيطاليا في القرن التاسع عشر. ورغم أني قرأت النسخة المختصرة وحسب إلا أن عمق الشخصيات والمشاهد كانت تصل إلى القارئ حتى بالوضوح الصارخ لكثرة المشاهد والتفاصيل المحذوفة، قصة تجعل القارئ يتأمل في معاني الظلم، الصبر، والقدرة على النهوض بعد السقوط.