تجيء أمي إلى غرفتي بعد منتصف الليل، تتمددُ إلى جانبي وتُمسدُ شعري، أنعمُ باللحظة الحانية وأغفلُ النظر عن دموعها المُنسابة.. أغمضُ عينيّ مُستجديًا النوم، رائحة السجائر في الردهة تتسلل عبر ثقوب الباب، يدخنها أبي بشراهة، ثم يدهسُ أعقابها بقدمٍ حانقة ويغادر البيت مثل كل ليلة.. صمتٌ شاحب يعْقبُ شجارهما المعتاد يطبق على الأرجاء.. في تلك الليلة لم تنمْ أمي، توثقتْ من نومي، أحكمتْ لحافي، وتسللتْ بحذرٍ من البيت.. حرّضني فضولي على تعقّبها، خرجتُ خلفها أسابق خطواتها السريعة في الأزقة المظلمة، توقفتْ عند أطراف القرية، تواريتُ عند المنعطف وصرتُ أراقبها..
تنوعت المجموعة بين القصص القصيرة والقصص القصيرة جدًا. كما تنوعت أيضًا الافكار واسلوب طرحها. أرى حدّة طرح الأفكار، ومنها الجريئة، متفاوتة بشكل ملفت، ما يعني في ظني انها كتبت في مراحل مختلفة ما أثر على فرق جودتها.
بشكل عام المجموعة جميلة ولطيفة، ما أعجبني من القصص القصيرة:
- فتاة من أشياء. - الشوط السابع. - يوم آخر (وهي الاجمل بالنسبة لختامها المدهش). - ليلة. - هذا كتابها.
عادةً، حين يستدعيك كتاب ما للقراءة، يكون هناك سبب خفيّ… غير مرئي يجذبك، يدفعك للبحث عن كاتبه قبل نصوصه. وهذا تمامًا ما حدث معي مع طاهرة السيف. استفزّتني بلغتها الدافئة، برهافة إحساسها؛ فأنت حين تقرأ لطاهرة، لا تشرح لك لماذا تشعر، بل تضعك داخل الشعور، ثم تحلّق بك على أجنحة جمالها. ولهذا أحببت لغتها منذ اللحظة الأولى.
في البداية، ظننت أنني أتهيأ لقراءة رسائل أو يوميات، لكنني فوجئت بقصص قصيرة خطفتني من البداية حتى النهاية. هنا توقفت قليلًا: هل كان هذا في صالح النصوص؟ أم خيارًا فنيًا مقصودًا؟
أخذتني طاهرة بيدٍ واثقة بين حالات ومشاهد إنسانية، لامست موضوعات اجتماعية عميقة: الفقد، الخيانة، الوحدة، العزلة، الشهرة، العنصرية، المرض، الطلاق… محطات حياة نمرّ بها جميعًا، لكننا نادراً ما نلتفت إليها بهذا القرب.
أكثر ما شدّني هو الطاقة العالية في الاختزال القصصي؛ صورة واحدة، أو سؤال واحد، قادر على استفزاز القارئ ودفعه للتفكير، مع قدرة واضحة على فتح أبواب التأويل وتعدّد القراءة. كما تُحسب لها جرأتها في الطرح، واللعب على مواطن الخطر، ككاتبة قادمة من الشرق، حيث لا يكون هذا الطريق سهلًا.
لكن… كم تمنّيت، يا طاهرة، ألا تطغى هذه الإنسانية الشعرية التي تلامس شغاف القلب، على حساب التفاصيل الواقعية. في بعض النصوص، اقتربت القصص من كونها ومضات تأملية أكثر من كونها قصصًا محكمة البناء، مما جعلني أُفتن بجمال اللغة أكثر من متابعتي لتطوّر الحدث أو الصراع. الحبكة الصارمة لم تُخدم دائمًا، وافتقدت أحيانًا الوجع الحسي، والحركة الجسدية للأحداث؛ فلم أَعِش الألم بجسدي، ولم أجد صدى وقع الحدث على الشخصية كما تمنّيت.
ومع ذلك، هذه ملاحظة لا تُحسب ضدك كثيرًا، خصوصًا وأنتِ في البدايات.
حسبكِ أنكِ تملكين لغة متفرّدة تشفع لك، لغة مبشّرة، وتشي بمبدعة قادمة بقوة إلى ساحة الإبداع.
وأنا، كقارئة لكِ، في وجلٍ… وترقّبٍ جميل لما سيأتي..🌷.