Jump to ratings and reviews

فلسفة القيل والقال: عن الكذب والنميمة والشائعة والمسائل ذات الصلة

بدأت الفلسفة -كما هو معروف- برسم حد فاصل، بإقامة تقابُل صارم، بين ما كان يُعرَف في زمن الإغريق بالدوكسا (Doxa)، والإبستيمه (episteme). الدوكسا هي الآراء والمعتقدات؛ ولكل إنسان الحق في أن يتبنَّى ما يشاء من الآراء، ولا توجد ضرورة مُلحَّة لأن تكون هذه الآراء مبنية على أساس متين؛ فهي تعتمد على وجهات النظر الخاصة والأذواق والتفضيلات الشخصية. وكما أن المرء لا يسعه أن يجادل غيره في أذواقه، فلا يسعه -من حيث المبدأ- أن يجادله بجدية في آرائه، لكنه لا ينفك يفعل على الرغم من ذلك.ولا تسعنا المجادلة بجدية في الآراء لأنها مبنية على موقف المرء الشخصي: أنا أرى ذلك، أنا أشعر بذلك، أنا أحس بذلك، أنا أعتقد ذلك؛ ولأنها تحصيل حاصل (توتولوجية) في نهاية المطاف: أنا أرى ذلك لأنني أرى ذلك ببساطة، فرأيي الشخصي هو حقي وحريتي الخاصة، بل أحد الحريات المُبجَّلة في واقع الأمر؛ حرية الرأي. وفي مقابل ذلك، الإبستيمه هي المعرفة المبنية على أساس متين، على «الشيء في ذاته»، وليس على بعض الأذواق والتفضيلات الشخصية. المعرفة ترمي إلى الحقيقة - هذا هو مبتغاها- والحقيقة كُليَّة ومُلزِمة وليست مجرد رأي. لا بد للمعرفة أن تُثبَت، أن تُبنى على حجج متينة وأدلة واقعية وموضوعية محايدة، ولا بد لكل ذلك أن يكون مبنيًّا -في نهاية المطاف- على اللوجس (على العقل والمنطق).

114 pages, Paperback

Published January 1, 2023

Loading...
Loading...

About the author

Mladen Dolar

66 books56 followers
Mladen Dolar is a Slovene philosopher, psychoanalyst, cultural theorist and film critic. Dolar was born in Maribor as the son of the literary critic Jaro Dolar.

Ratings & Reviews

What do you think?

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
0 (0%)
4 stars
7 (29%)
3 stars
9 (37%)
2 stars
7 (29%)
1 star
1 (4%)
Displaying 1 - 3 of 3 reviews
Profile Image for Tarek Alali.
45 reviews17 followers
August 23, 2026
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ اللهَ يَرضى لَكُم ثَلاثًا، ويَكرَهُ لَكُم ثَلاثًا: فيَرضى لَكُم أنْ تَعبُدوهُ ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأنْ تَعتَصِموا بحَبلِ اللهِ جميعًا ولا تَفرَّقوا، ويَكرَهُ لَكُم: قيلَ وقالَ، وكَثْرةَ السُّؤالِ، وإضاعةَ المالِ» (صحيح مسلم). وجاء في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ» (صحيح البخاري).

يبدو هذا التقابل لأول وهلة غريبًا إذ يسبق إلى الذهن أن يُوضع التوحيد بإزاء الشرك الصريح، وأن يُقابل الاعتصام بالجماعة بالفتنة والاقتتال والتخاصم. غير أن وضع الرضى عن التوحيد والوحدة حيال «قيل وقال» يكشف عن تشخيصٍ لعلّة أشد خفاءً ومراوغة؛ علّة لا تتلبس بالشرك الظاهر، بل تمثل انزلاقاً مفسداً للوجود الإنساني في نسيجه اليومي وكلامه الأولي.

إننا هنا بإزاء تراتبية ثلاثية للقول: الأول هو كلام الإيمان والتقوى والذكر، والثاني هو كلام الكفر الصريح والفحش والإفك وقذف المحصنات وقول الزور، الذي حظي بتغليظ التحريم واستنزال أشد العقوبات، كما في التحذير المزلزل من شهادة الزور: «أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ»، فما زال يكررها حتى قال الصحابة: ليته سكت (صحيح البخاري؛ صحيح مسلم).

أما المستوى الثالث والأكثر هيمنةً على حياة البشر فهو «اللغو»، وما إليه من نميمة، وتدوير الكلام، و«قيل وقال». تكمن خطورة هذا الصنف في أن محتواه قد لا يكون فاحشاً بذاته ولا كفراً صريحاً، وأن ذنبه لا يكمن في اختلاقه وابتداعه بل في تدويره وتمريره، ومع ذلك جعله البيان القرآني والنبوي منفرا ومحذرا منه، ومدح المؤمنين بالتعالي عنه والتنزه عن الخوض فيه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 3)، و﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (الفرقان: 72)، و﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص: 55)، أو في نفي دخول الجنة عن مروجي النمائم: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» (صحيح البخاري، وفي رواية مسلم: «نَمَّامٌ»).

وتتجلى هذه الآلية بأوضح صورها في التشريح القرآني لحادثة الإفك في سورة النور؛ حيث يميز النص بدقة بالغة بين صانع الشائعة ومخترعها الأول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: 11)، وبين شبكة التداول والتمرير التي تنقل القول دون أن تعقله أو تتبناه: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور: 15). فالقرآن يصف بدقة استثنائية كيف يتحول اللسان إلى مجرد أداة نقل آلي تتلقى القول من لسان آخر مباشرة دون وساطة الفكر والتحقق، ليدور الكلام في «المجتمع المتكلم» بحسبانه أمراً «هيّناً»، بينما هو في جوهره قوة تدمير شبحية تفصل القول عن الذات القائلة والمكلفة.

---

وفيما يلي قراءة تستند إلى أفكار ملادن دولار عن الشائعة ومكانتها الأنطولوجية والتفكير الفلسفي بها من سقراط إلى روسو إلى هايدغر، وكيف أننا نعيش في الرأسمالية المتأخرة في «مجتمع الشائعات»

---

صورة سقراط الإغريقي هي صورة ذلك الرجل الذي قضى عمره يفنّد «الآراء»، أي جملة ما يُرِي الناسَ عقلُهم اليومي [الدوكسا/ doxa]. كل ما يفعله في يومه وليلته هو مجادلتهم، طرح بعض الأسئلة عليهم، نصب الفخاخ الجدلية في كل مكان، ليبيّن لهم تهافت ما يعتقدونه ويفهمونه بالنظرة الأولى للعقل اليومي. يريد سقراط أن يهديهم سبيل [اللوغوس/ logos]، أن يُريهم الحقيقة، أن يعرض آراءهم على سلطة معرفية علمية [epistēmē]، أن يبيّن لهم أن ما يرونه ليس هو الحقيقة.

يظهر هذا التقابل الأولي بين اللوغوس والدوكسا، العقل اليومي والعقل الكوني، بين حقيقة مرجعية مؤسسة على سلطة العلم والمعرفة التي ينجزها نظام من الحجج السديدة والأدلة البينة والبراهين المنطقية والموضوعية النزيهة، وبين حقائق الناس المختلفة التي لا مرجع لها إلا أنفسهم. فآراء الناس أشبه بأذواقهم، شيء يخصهم، وإن كان فيها من حقيقة فهي حقيقة جزئية لا يمكن تعميمها. أما اللوغوس فهو سلطة يفترضها المتكلمون حين يتحدثون باسم الحقيقة والمعرفة، أو هو الاسم الآخر لما سيسميه لاكان [الآخر الكبير/ the big Other]، أي المرجع الأعلى الذي نخاطبه طلباً للتصديق والصلاحية والاعتراف؛ إنه ضرب من الشاهد الغائب وضامن المعنى، تلك البنية الرمزية والقيمية التي يخترقها التخييل وتعيبها الثغرات والتصدعات.

ثم رأى سقراط في نهايته الدرامية وجهاً آخرَ لهذا الآخر الكبير، أو ما يأتي من المناطق المعتمة والمتصدعة في بنية الآخر الكبير، ما يأتي من كل مكان فيه دون بداية ودون نهاية ليعبر عن شبحية الآخر الكبير ويُظهر سلطته في أشد وجوهها سخرية وقسوة. إنه الشيء الثالث والأحطّ قدراً بعد اللوغوس، وبعد الدوكسا:

> «وأولئك الذين أشاعوا ما حملكم على تصديقهم بدافع الحسد والحقد... هم أعصى الخصوم على الجدال؛ لأنك لا تستطيع أن تدعو أحداً منهم ليمثل أمام القضاء فيرد على ما تثيره من أسئلة، بل أنت مضطر إلى أن تحارب كمن يحارب أشباحاً... وحسبي هذا، فعليّ أن أنهض للدفاع، وأن أجتهد في محو تلك الشائعات التي رسخت في صدوركم زمناً طويلاً، في هذا الوقت القصير المتاح.»

يقف سقراط عاجزاً مستسلماً أمام سطوة الشائعة، الافتراء والنميمة، قول السوء والسيء من القيل والقال. الشائعة أحطّ قدراً من الرأي؛ لأنها تسري بين الناس دون أن يؤمن بها أحد، أو يتبناها أحد، أو يتحمل مسؤوليتها أحد؛ خلافاً للرأي الذي—وإن كان عقلاً نسبياً—ينسبه المرءُ إلى نفسه ويدافع عنه، ويعزّ عليه أن يفرط فيه، بل وقد يتعصب له. أما الشائعة فلا تحتاج لأكثر من أن تُقال، إنه القول موقوفاً عليه، لا أحد يعزوها لأحد: قيل وقال ويُقال، نمى إلى أسماعنا، سمعنا. كأن المتكلم في الشائعة هو طرف ثالث غير محدد وغير متعيّن، «هو يتكلم» [it speaks] بالتعبير اللاكاني، الذي يجعل الشائعة الوجه المعتم للآخر الكبير. لقد قلب الآخر الكبير لسقراطَ ظهرَ المِجَنّ. لقد ظن طويلاً أن نيته الطيبة وحكمته الفريدة ستتركان أثراً حميداً بين الناس. لقد ظن أنه يعدّل آراءهم، يستخلص منها حقيقة كبيرة، ينوّر عقولهم؛ ليقف في نهاية حياته مُدمّىً من أقاويلهم وكأنه يحارب أشباحاً ويجادل أشباحاً ويخاطب أشباحاً.

---

هذا المصير التراجيدي لسقراط، للفيلسوف الذي تهزمه الشائعات، لا الحجج المفحمة ولا الآراء السديدة، يتجسد في فيلسوف التنوير الأشهر، جان جاك روسو، الذي يُعدّ أوّل المشاهير [celebrities] بالمعنى الحديث لعالمنا. هذا التنويري الكبير عاش مفارقة سقراط نفسه، حين يظن الفيلسوف أنه يُصلح ويهدي بسلطة العقل فيصل إلى نهايته المأساوية حين يُكشّر له الآخر الكبير عن وجهٍ لم يعرفه، أي حين تظهر اللغة بوظيفتها الأولية وربما الأساسية: قيل وقال، تداول الشائعات، نقل الكلام، تدوير الكلام، وكأنه رأس مالٍ ربوي يربو دون أصل وسند. وإذا كان العقل الكوني، عقل الفلاسفة، اللوغوس يستند إلى بنية لغوية ومنطقية وحجاجية وبلاغية، فإن الشائعة تستند إلى وظيفة غير معترف بها للغة، وظيفة غير رسمية، لكنها الوظيفة الأكثر أهمية؛ إذ إن حوالي ثلثي ما يتداوله الناس ليس معلومات ومعارف ومطارحات في العلوم والآداب والحكمة، بل مجرد قيل وقال، نميمة وغيبة، الحديث عن طرف ثالث أو عن شخص غائب، أكل لحوم الأموات.

روسو الأكثر شهرة، الفحل التنويري، العميل الأبرز لـ «عقل التنوير»، وجد نفسه هو الآخر محاصَراً بشائعات وافتراءات وأقاويل لا حصر لها، حتى إنه وجد نفسه منبوذاً معزولاً رغم شهرته. وكان جزء كبير من أعماله ما هو إلا دفاعاً واعتذاراً واعترافاً أمام هذه السلطة المجهولة والشبحية، لا محاجّات ومناظرات في صالونات التنوير ومحاكم العقل. حاول روسو بطرق عدة ترويض هذا «الآخر الكبير»: إحداها أنه فهم أن الناس قد يكونون أشراراً في تصرفاتهم رغم طيبة قلوبهم، ليبرر أفكاره عن الطبيعة الخيرة للناس والحضارة المفسدة لهم. وثانيها أن روسو هو مخترع «نظرية المؤامرة»؛ لأنه رفض أن يكون ما يتعرض له هو مجرد شائعات لا أصل لها ولا مؤلف، إنما هي مجرد قيل وقال؛ فلجأ إلى المؤامرة، لأن المؤامرة مقارنةً بالشائعة والنميمة والافتراء تفترض عقلاً كبيراً، تفترض محركاً أولَ. المؤامرة أكثر شرفاً للعقل من الشائعة، أن تكون ضحية مؤامرة هو أمر أهون من أن تكون ضحية شائعة، مثل سقراط. ثم، في حركة يائسة، نشر كتابه «الاعترافات»، موجهاً خطابه إلى «الآخر الكبير» المتمثل في الرأي العام المستنير، ومراهناً على حسه السليم وتعاطفه. غير أن هذه الاعترافات لاقت آذاناً صمّاء، فقلاه أقرب الناس إليه، كاشفاً أن الآخر الكبير للعقل كان ممتزجاً بالفعل بالآخر الكبير للافتراء دون قدرة على التمييز بينهما. انتقل روسو بعدها إلى محاولة تبريرية أكثر تركيباً في «روسو قاضياً لجان جاك»؛ حيث أنشأ محكمة متخيلة يتواجه فيها قرينه المحايد مع فرنسي يمثل الرأي العام الشائع، للفصل في براءة «ج.ج.» الغائب. ورغم أن المحاججة النظرية أثمرت إقناعَ الفرنسي ببراءة المؤلف، إلا أن النتيجة العملية باءت بالفشل؛ حيث رفض الفرنسي الدفاع عن «ج.ج.» خشية أن يعرّض مصالحه ووضعه الاجتماعي للخطر؛ فالحقيقة تحتاج إلى الشجاعة ولها تكاليف مواجهة الناس، أما تداول القيل والقال والشائعات فهو «محاباة سلطة» تعود على صاحبها بالأمان والربح.

وبلغت تراجيديا روسو ذروتها عندما عمد إلى وضع نصه في شباط 1776 على مذبح كاتدرائية نوتردام، متكلاً على العناية الإلهية كضامن أخير أمام سطوة الشائعات التي تغتاله، وحين لم يفده ذلك، قفز استدلاله قفزة بارانويدية أخرى: حتى السماء باتت شريكة في المؤامرة. اكتسبت الحبكة بعداً كونياً شمل فلاسفة التنوير، والدولة، والكنيسة، وصولاً إلى الإله ذاته، قبل أن ينتهي به المطاف إلى توزيع مناشير ورقية على مارة غير مبالين في شوارع باريس، وأخيراً ليؤجل أمله وثقته في قارئ مستقبلي مفرد ومنصف؛ فإن كان هناك لوغوس أو آخر كبير يمكن أن ينصف روسو فلن يكون في هذا الزمن، الذي يطلق على نفسه زوراً وبهتاناً: عصر الأنوار.

---

واجه سقراط وروسو هذا الوجه الآخر من الآخر الكبير، ومن بعدهما كيركغارد الذي جعل من نفسه مريداً لسقراط، هذه السلطة الغاشمة للقيل والقال، قوة الكلمات العارية حين لا تستند إلى أي حقيقة أو واقعة، بمصيرهم: بالاغتيال الجسدي والاغتيال المعنوي. ولم يكن لاعترافاتهم أو محاجّاتهم أن تنقذهم، ولم تنقذهم آلهتهم ولا ما أملوه في العقل السليم والحس السليم والنية الطيبة في الناس، ولم ينصفهم إلا عصر آخر، عصرٌ [عقله] اختلف عن [عقل] عصورهم، فاستطاع أن يتحرر من سطوة الشائعة والتشهير الذي لحق بهم.

نجا كثيرٌ من الفلاسفة من مصير مماثل، ولم يهتم إلا قلة بشيء غير التقبيح الأخلاقي والإهمال التحقيري فلسفياً لما هو من جنس القيل والقال واللغو والشائعة. لكن هايدغر تنبه فعلاً لجدية المسألة فلسفياً؛ إذ خصص مساحة كافية لما سماه اللغو [Gerede] في كتابه العمدة «الكينونة والزمان»، حيث فهم اللغو بوصفه المظهر الأولي لأحوال «الرجل العادي» / «أحد ما» [das Man]، حيث يتعرض المرء لطنين الكلام اليومي واللغو الفارغ والفهم السطحي. إن [das Man] أو [They] أو الـ [هم] أو [المرء] أو [زيد وعمرو] أو [فلان] هو الممثل المجهول لسلطة الآخر الكبير الذي يعبر عن نفسه بالقيل والقال واللغو؛ يُنسَب لأحدهم رأيٌ ما أو قولٌ ما إما لنتنصل من مسؤولية كلماتنا كما في الشائعة أو لندمج أنفسنا في جماعاتنا في النميمة والثرثرة.

وإذ إنه يحط من قدر اللغو إلا إنه يرى أن الحديث سرعان ما ينزلق إلى لغو، إلا أن هذا اللغو يبقى الخلفية، صوت الهمهمة غير الواضح، التي يجب على [الدازاين/ Dasein] أن يتمايز عنها. فالإنسان [Dasein]، في التحليل الهايدغري، ليس كائناً مجرداً يختار لغته بوعي حر متعالٍ، بل هو كائن «مُلقىً به» [geworfen] دائماً في عالم مفسَّر سلفاً؛ وحالته اليومية المعتادة هي حالة «السقوط» [Verfallen] في قبضة «الـ هم» [das Man]، حيث تُقال الكلمات لأن «الناس تقولها»، وتُفهم القضايا على نحو سطحي ومبتذل يطمس فرادة التجربة ويسلب الذات مسؤوليتها الأصيلة.

والمفارقة البنيوية تكمن في أن هذا «اللغو» ليس مجرد انحراف أخلاقي يمكن شطبه بقرار إرادي، بل هو المُعطى الأنطولوجي الحتمي والخلفية الضرورية التي لا ينبثق «الكلام الأصيل» إلا على أرضيتها. وإذا كانت كل اجتماعية محكومةً سلفاً بسلطة «الـ هم» وطنين اللغو، فإن هايدغر يرى في الديمقراطية الليبرالية التجسيد الأسمى لمأسسة هذا اللغو واختزال اللغة في قيمتها التداولية؛ لتصبح الشائعة واللغو أرضية سياسية بامتياز، قادت محاولة الهروب منها نحو وهم «الجماعة الأصيلة» إلى خياره السياسي الكارثي عام 1933.

---

إن فكرة كون القيل والقال هو الوظيفة الأولى والأساسية للغة لم تبقَ حبيسة التناول الفلسفي والنفسي، بل نالت تأصيلاً أنثروبولوجياً وتطورياً لافتاً، لا سيما مع أطروحة روبن دانبار في كتابه Grooming, Gossip and the Evolution of Language. ينطلق دانبار من سلوك «الفِلاية المتبادلة» [allogrooming] لدى مجتمعات القردة—أي تنقية شعر الجسد وفلايته لساعات يومياً—ليبيّن أنها تتجاوز النظافة البدنية لتكون ركيزة التماسك الاجتماعي الضامنة لتسكين التوترات وبناء التحالفات وتثبيت التراتبيات. غير أن لهذه الفِلاية الجسدية عائقاً فيزيائياً وزمنياً لا يمكن تجاوزه؛ إذ لا تمكن ممارستها إلا بين فردين متماسين وتتطلب وقتاً باهظاً يستحيل تعميمه مع تضخم الجماعات البشرية الأولى وتوسع القشرة المخية الحديثة. وهنا تحديداً انبثقت اللغة كبديل تطوري واقتصادي حاسم: لقد نشأت اللغة بوصفها «فِلاية صوتية/لفظية» [vocal grooming]. فالكلام يتيح للمرء أن «يفلّي» عدة أفراد في اللحظة نفسها، والأهم من ذلك أنه دشّن إمكانية «الحديث عن الغائب»؛ أي مراقبة التزامات الأفراد والتحالفات من وراء ظهورهم عبر تدوير الكلام.

تكتسب هذه الأطروحة التطورية قيمتها عبر قلبها الجذري للتراتبية التقليدية التي توارثها الفكر الغربي؛ فاللغة لم تُخترع لتكون وسيلةً لتبادل المعلومات والنقاشات الفكرية ومطارحات «اللوغوس»، بل صُممت في جوهرها لتكون أداة ربط اجتماعي؛ ففي القيل والقال، وفي الغيبة والنميمة، يجري الحديث عن طرف ثالث غائب في أغلب الوقت، ما يعني نشوء «مجتمع متكلمين» يتأسس بنيوياً على استحضار هذا الغائب وتداول أقواله وأفعاله. إن وظيفة الإخبار ونقل المعارف لا تشكل إلا قشرة حديثة وهشة طفت متأخرةً فوق محيط هائل من اللغو والثرثرة والفِلاية الكلامية؛ فالصوت يمارس جاذبيته ومفعوله التواصلي قبل أن يستقر كحامل للدلالة والمعنى. وهكذا تلتقي أنثروبولوجيا دانبار مع الأطروحة الفلسفية للغو: فاللغو والنميمة والشائعة ليست أعراضاً مرضية طارئة أفسدت نقاء اللغة، بل هي المادة الخام والبنية التأسيسية التي وُلدت اللغة في رحمها، والشرط الأولي الذي يمارس عبره «الآخر الكبير» سطوته بوصفه همهمة وطنيناً اجتماعياً يسبق المعنى ويؤسس لكل اجتماع بشري.

---
«بالتأكيد يا سيبيو، يجب على المرء أن يكون حكيماً جداً ومحترساً للغاية إذا أراد أن يواصل الحديث لمدة ساعتين دون أن تقترب كلماته من الغيبة والنميمة. فإنني أجد في نفسي، رغماً عن كوني حيواناً، أنه ما كدت أفتح فمي بضع مرات حتى تندفع الكلمات إلى لساني مثل اندفاع الذباب إلى الخمر، وكلها كلمات خبيثة ومسيئة. ولذا أكرر ما قلته من قبل: إننا نرث كلماتنا وأفعالنا السيئة من أقدم أسلافنا، ونتجرعها مع حليب أمهاتنا.» عن رواية قصيرة «حوار الكلاب» (El coloquio de los perros) لميغيل دي ثيربانتس (Miguel de Cervantes)، مؤلف «دون كيخوتي». في هذا الحوار الكلبي نعثر على التشخيص الأدبي الأول لما يجري بسطه في هذا المقال، أن القيل والقال والنميمة والغيبة والافتراء والتشهير والشائعات على اختلاف صفاتها وطرقها هي وظيفة أولية للغة، وشيء يورث كما تورق اللغة، ليس شيئًا ثانويا عليها، ليس انحرافًا معياريًا أو قيميًا ذاتيًا في استعمالها. بل إن ثيربانتس يصل في محاورة كلبيه إلى نتيجة صادمة مهينة لتاريخ الفلسفة، أو لنقل إلى تقبيح أدبي آخر للفيلسوف، وهو أن الفلسفة نفسها ما هي إلا ضرب من التشهير والقذف والشتم، «احذر يا بيرغانزا من أن تكون نزعة التفلسف هذه، التي تقول إنها اعترتك، غوايةً من الشيطان؛ فليس للنميمة قناعٌ أشد مكراً ولطافة لتلطيف خبثها الفاسد وستره، من أن يزعم الخائض في أعراض الناس أن كل كلمة يتفوه بها تنطوي على حكمة فيلسوف، وأن قول السوء في الناس تقريعٌ مبرر، وفضح عيوب أقراننا فعلٌ نبيل يمليه وازع الضمير.» فالفلسفة ما هي إلا نمط راق من القيل والقال.

---

لم تكن «الأوهام الضائعة» [Lost Illusions] لبلزاك 1837 مجرد خيبة فردية لشاب قروي طموح يرجو الترقي الاجتماعي في باريس وأن يغدو أديباً كبيراً، بل كانت تشخيصًا أدبيًا مبكرًا للنقص البنيوي في مشروع التنوير منذ بدايته (لاحقًا غير الموصوف بالمشروع غير المكتمل)، عن تبدد أوهام مشروع التنوير والثورة برمتها. لقد كان «العقل»—الشعار الأكبر لعصر الأنوار—هو النسخة الحديثة من «الآخر الكبير»، محمولاً بإيمان مطلق بتقدمه الحتمي المدعوم بسلطة العلم والتقنية، وبأفق ديمقراطي واقتصادي يعد بالحرية والازدهار. بدا وكأن التنوير قد كنس السلطات التقليدية الزائفة؛ من كهنوت الكنيسة واستبداد الملوك وسلطة الآباء البطريركية، ليُجلس مكانها سلطة «الآخر الكبير الحقيقي»، العقل أو اللوغوس. غير أن تاريخ الحداثة اللاحق لم يكن إلا قصة تواري هذا الآخر الكبير خلف آخره هو، فما يهدده هو أثر من آثاره وقوة من قواه ووجه من وجوهه، وليس آخر كبير آخر مثل الدين والإله المتعالي، فلكل آخر كبير آخرٌ في بنيته، في فجواته وصدوعه وشقوقه هو لا غيره. إن ما أنتجه تعميم التعليم، وتطور تقنيات الطباعة وصناعة الورق، وانتشار الصحف، لم يكن تدشين مملكة الفكر النزيه والحوار العقلاني، بل ولادة مستنقع الصحافة الصفراء؛ فضاء الفضائح، والتشهير، والدسائس، واغتيال السمعة. لم يُتوّج انتشار الكلمة المطبوعة سلطة العقل، بل أفضى إلى مأسسة القيل والقال، ليصبح المجتمع الحديث محكوماً برأس مالٍ رمزي يتغذى على اللغو والافتراء والقيل والقال بوصفهما قوة اغتيال في المجال العام.

---

ربما يبدو أدب القرن التاسع عشر، أو حتى صحافته الصفراء، فجاً في أساليبه وتعبيره مقارنةً بما نشهده اليوم، لكن التاريخ الطويل الممتد وصولاً إلى عصر أنصاف الحقائق، والتزييف العميق، ووسائط التواصل الاجتماعي، لم يكن إلا السيرة الممتدة لظلال «الآخر الكبير» التنويري. فالعالم بوصفه قرية صغيرة، والوصول الفوري للمعلومات، والتداول الحر للأفكار، ونشوء مجتمع ديمقراطي عالمي في الفضاء الرقمي الافتراضي، كلها بدت تحققات لوعود التنوير؛ غير أن المرء يكتشف أنه لا شيء يضاهي هذا التطور المعلوماتي إلا نشر الشائعات وأنصاف الحقائق والأخبار الكاذبة، بل وخلق عتبة بين الواقع الحقيقي والواقع الافتراضي أشبه بكهف أفلاطون. فمع البوتات الآلية، والجمهور المستهدف إحصائياً، والخوارزميات السرية الموجهة بدقة، لم تعد هناك حاجة حتى للفاعل البشري؛ ليتحقق «هو يتكلم» [it speaks] كآلية ذاتية ومستقلة، حتى إن المرء ليجازف بالقول إننا تحولنا من مجتمع العقل المستنير إلى مجتمع الإشاعة والقيل والقال، الوجه الآخر للعقل الكبير.

---

ثم بلغت هذه السيرورة ذروتها مع تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ حيث انتقلنا من «الكوجيتو» الديكارتي التأسيسي (أنا أفكّر) إلى كوجيتو شبحيّ غير ذاتي: «هو يُفكّر» [it thinks] امتداداً لـ «هو يتكلّم» [it speaks]، في تمدد غير مسبوق لمملكة الظلال الخاصة بالآخر الكبير. فمع إنتاج المعنى والنصوص والصور بصورة آلية ومستقلة عن أي وعي أو مسؤولية ذاتية، يتكرس انفصال الخطاب عن مرجعيته الواقعية والأخلاقية، ليكتمل إفراغ اللوغوس من مضمونه الأصيل، وتتحول الشائعة واللغو وطنين الآلة إلى البنية التحتية الصلبة التي تُشيد عليها الحداثة الرقمية واقعها الرمزي.
Profile Image for Maha Taha.
561 reviews8 followers
June 30, 2025
تنطوي الشائعات وكذلك الأكاذيب على مفارقات عدة، فالشائعة باطلة وبلا أساس وعارية من الصحة، لكنها تتمتع على الرغم من ذلك بقوة جبارة وبمفعول شبه سحري.
فما هو مصدر قوتها الساحقة وفاعليتها الناجعة؟ يتناول ملادن دولار هذه المسألة من منظور التحليل النفسي، ويقدم لنا تاريخا ثقافيا موجزا للنميمة والشائعات ، وكذلك موقفنا من الكذب ملتبس، فنحن نستقبحه أخلاقيا وننهى عنه في المطلق، ومع ذلك نستحسنه ونجيزه بل ونندب إليه في مواقف معينة. لكننا لا نسميه في هذه المواقف كذبا ببساطة، وإنما مجاملة أو كذبا بداعي الذوق والأدب، كذبة بيضاء. لكن ما سبب هذا الموقف الملتبس؟ ما سبب وجود هذا الدرب الثقافي من الكذب الذي نسميه لطفا وذوقا؟ ما طبيعة العلاقة بين الكذب والصدق؟ وهل الصدق مجرد نقيض للكذب؟
ويتناول مشكلة من أهم وأخطر المشكلات النفسية التي تواجه مجتمعنا حاليًا ، بل والكوكب بأسره؛ وهي مشكلة (نوبات الهلع "panic attack " بشكل مبسط بين يدي القارئ المختص وغير المختص ، حيث يرشدنا "هيئة التدخل العلاجي عبر مجموعة من الأطباء والأخصائيين النفسيين " عن الطرق والأساليب التي تجعلنا نتعافى سريعًا من تلك النوبات.عبر خطة علاجية واضحة المعالم مرفق بها تدريبات عقلية وسلوكية وموقفية، وعن طريق الإجابه عن نماذج التعديل المرفقة داخل الكتاب ، نستطيع العبور من تلك الأزمة بثقة وأمان.

Displaying 1 - 3 of 3 reviews