علا عبد المنعم، روائية وقاصة مصرية، ولدت في مدينة طبرق الليبية عام ١٩٧٦، وتخرجت في كلية الصيدلة بجامعة أسيوط عام ١٩٩٨، وتعمل حاليًا مديرة لإحدى الصيدليات الخاصة. حصلت على جائزة ساقية الصاوي للقصة القصيرة جدًا عام ٢٠١٣، وجائزة النشر بالكتاب الذهبي الصادر عن مؤسسة روز اليوسف عام ٢٠٢١. صدر لها رواية “ميراث الأنصاري” 2022، و”سوق العايقة” 2023، والمجموعة القصصية “استعمال طبيب” 2024، وتُعد “تغريبة الدودوك” هي روايتها الثالثة.
عشر قصص تدور حول المرأة وما تعانيه من عادات وتقاليد وموروثات بالية في مجتمع ما زال يسيطر عليه الجهل والفكر القديم
قدمت الكاتبة المرأة باختلاف طبقاتها الاجتماعية ومستوى التعليم والثقافة لكن ما يجمعهن هو القهر والظلم اضافة الى انسحاق الكرامة في بعض الأحيان
هل هي مجموعة قصصية نسوية بالمعنى العام والدارج القائم على استدعاء المظلومية الدائمة ؟. لا اعتقد ذلك. في تقديري واثناء توغلك داخل القصص ستكتشف ان المرأة هي سبب مهم لما تعانيه. هي الجدة والأم والزوجة اللاتي يتناقلن جيلاً وراء جيل ارث هائل من الموروثات العقيمة ويحرصن اما عمداً او قهراً على توريثه لمن تأتي من خلفها
هي موروثات اشبه بوجدان جمعي شيطاني يسري في العروق والچينات وما زلنا ندفع ثمنه جميعاً كمجتمع حتى اللحظة
لنلقي نظرة على اجمل قصص هذه المجموعة من وجهة نظري
* استعمال طبيب *
العنوان يحمل عبارة مألوفة نسمعها ونقرأها جميعاً في الاعلانات على مختلف الوسائط كالصحف والمجلات قديماً والوسائط الاجتماعية حديثاً. يتعلق الامر دائماً باعلان عن سيارة في أغلب الأحيان. ربما منزل ، اجهزة منزلية للدلالة على حالتها الممتازة باعتبار ان مستخدمها طبيب لا يسىء استخدمها. كيف يسيء وهو المنوط به صحة وارواح مرضاه ؟!
ماذا لو كانت المرأة هي المستهدفة من استعمال طبيب ؟. قدمت الكاتبة قصة مؤلمة جداً جسدت فيها معاناة نسوية شهيرة. ليس كل ما يستخدمه الطبيب ( رمز للرجل بشكل عام ) يكون بحالة جيدة في معظم الأوقات. قد تحتاج الى اصلاح ما افسده السابقون قبل اعادة استخدام المنتج مرة أخرى !
* بحر المعجباني *
القصة ترفع شعار القسوة الشديدة في التعامل بين الرجل والمرأة وما سبقها من قسوة توارثها كلاهما. القسوة تدفع الى الكراهية ومن ثم الى السقوط في بحر الندم حتى ولو كان يحمل اسم المعجباني !
* بشارة المنديل *
قصة الطائر المذبوح دائماً لانه بلا حول ولا قوة. تدور حول موروثات عتيقة ، مهينة للمرأة جسدياً لا علاقة لها بدين او شرع او قانون. المفزع ان الأهل والمجتمع بشكل عام يدق طبول الفرحة والسعادة ويرقص بانتشاء على الدم المراق باسم الشرف الرفيع !
* عروسة عجين *
لهواة النوستالچيا هناك نصيب مع هذه القصة المليئة بروائح الجدات والذكريات الطيبة لزمن الصفاء والرضا الذي مضى ولن يعود
* أجنحة سوداء *
الكل في انتظار المصير المحتوم والذي يدعوا الجميع لان يكون عاجلاً وليس آجلاً فهناك مصالح معطلة وأشغال هامة يجب الالتفات لها
ماذا تقول ؟ وقع المحتوم !. الحمد لله الذي استجاب لدعواتنا. هيا بنا لنحتفل بأيام هانئة قادمة و .... ياللهول !. صاحب الاجنحة السوداء كانت له مهمة أخرى مُكلف بها لا علاقة لها بانتظارنا المحموم. وا آسفاه على الحلم الجميل الذي تحول لكابوس مريع
الى هنا اترككم مع باقي القصص والتى تحمل العديد من المشاكل المجتمعية المزمنة والتي استعرضتها الكاتبة بطريقة ادبية مميزة
مجموعة قصصية تتكون من عشر قصص تتميز بعنوان جاذب لا يوحي بالمحتوى الحقيقي للكتاب، فقد ظننت لأن علا صيدلانية وارتباطاً بالعنوان، أنها قصص مقتطفة مما تواجهه من مواقف داخل صيدليتها، لذلك كنت محتارة في علاقة الغلاف بالعنوان.
ثم تكشف الأمر بعدما قرأت القصص التي تدور كلها حول المرأة ضحية المجتمع والتقاليد، فوجدت الغلاف معتبرًا ووجدت أن قصة استعمال طبيب تستحق أن تزين عنوان المجموعة..
علا متميزة بالفعل في فن القصة القصيرة، فقد استطاعت أن تعبر بقوة وبأسلوب جميل ولغة راقية عن مشاكل شديدة الحساسية، وخلال القصص العشر استعرضت أهم مآسي الأنثى في مجتمعنا، في الريف والمدينة، من الفتاة الصغيرة التي تُقتل طفولتها وتُنتهك خصوصيتها، للمرأة المعيلة التي قامت بدور الرجال، ومن الزوجة المقهورة للزوجة التي تنتفض بعد صبر لتنتقم لكرامتها.
تأثرت بالحنين لبيت الجد والجدة في قصة (عروسة عجين) وسبحت لاختيارات القدر في (أجنحة سوداء) وتألمت للطير المذبوح في (بشارة المنديل) و صفقت للسيدة في (على يد محضر) واحترت وحزنت لحيرة الأم في (هذا ما جناه أبي) أما ( بحر المعجباني) فقد صفقت لتميز كتابتها❤️
لا زالت الكاتبة علا عبد المنعم تبهرنا بقدرتها على الحكي وغزل تفاصيل الحياة والأساطير في حكاية شيقة تسحبنا إلى عوالمها، وتطير بنا في الخيال محلقة؛ فبعد روايتين "ميراث الأنصاري" و"سوق العايقة" تعود إلى القصة التي كانت طريق البداية لها في عالم الكتابة حين شاركت في مجموعات قصصية جماعية ومسابقات أدبية حازت بها الجوائز المختلفة، ولكن سبقها عالمها الروائي في النشر، وفي قصص المجموعة القصصية استعمال طبيب تثبت أن قدراتها الروائية تتمكن منها حتى في كتابة القصة. فكل قصة من قصص المجموعة تصلح أن تكون رواية متكاملة الأركان، أو حتى نوفيلا لو أردنا التوقف عند عد الكلمات؛ فشغف الكاتبة علا عبد المنعم بالسرد والحكي يجعلها قادرة على وصف كل جزء من المشهد ومن مشاعر الشخصيات، قادرة على غزلهم جميعاً في حكاية لا يُمل منها، ويشعر القارئ أنه يود البقاء في صحبتهم ليعرف أكثر ويعيش معهم أكثر، ويمكننا القول إن المجموعة القصصية استعمال طبيب هي مجموعة نسوية بامتياز تغوص بنا فيما يعترض كل امرأة في حياتها أياً كان موقعها ومكانتها ومستواها. فسواء كانت امرأة متعلمة أو غير، ابنة المدينة أو الريف، عاملة من الطبقات الكادحة أو من أثرياء الطبقة الأرستقراطية، ستجد نفسها في احدى قصص هذه المجموعة؛ ففي قصص المجموعة العشر كانت تسع قصص منهن تتناو�� المرأة باستفاضة، حتى ما قد يبدو أن بطلها رجل إلا أن المرأة هي من تقف من وراءه تحرك الأحداث بشكل أو بآخر، قصة وحيدة فقط هي التي ابتعدت عن هذا المضمار، وإن كانت تحمل بُعداً ضمنياً بسوداوية عالم الرجال حتى لو خلا من النساء. فالسواد يكمن داخلهم في التعامل مع كافة الكائنات الأضعف منهم حتى لو كان حصانٌ بريء لا يفقه شيئاً من عالمهم، لا أتفق تماماً مع هذه الرؤية بالتأكيد، ولكن هذا ما شعرته من قصص الكاتبة علا عبد المنعم في المجموعة القصصية استعمال طبيب؛ فقد كان دائماً الرجل هو مصدر التعاسة والظلم لكل من حوله، ولكن لم يكن وحده دائماً؛ فأحياناً ما كانت هناك نساء يقفن من خلفه هن من يدفعنه ويحرضنه على هذا الظلم، ربما ليست المشكلة في الرجل تحديداً. ولكن في ثقافة مجتمع ذكوري بشكل عام يُعلي من قيمة الذكر على حساب الأنثى؛ فحتى لو حكمت مقاليد الأمور أنثى مشبعة بهذه القيم ستكون أنثى ذكورية تقلل من قيمة المرأة وربما تأدها حية حتى لا تعلو قيمتها كأنثى على قيمة الذكر، كالحماة التي تسعى لكسر شوكة زوجة ابنها حتى لا يكون لها قيمة وشأن أمام الابن، ربما كان هذا ما تسعى الكاتبة علا عبد المنعم لتسليط الضوء عليه من خلال المجموعة القصصية استعمال طبيب.