أرسل الشافعي حكمة -رضي الله عن عقل أبدعها- نصُّها: “من عود لسانه الركض في ميدان الألفاظ لم يتلعثم إذا رمقته العيون”.
أما صاحبنا في هذا الكتاب، فقد جاء بميدان الألفاظ بين يديك لتركض فيه، وجمع لك معداته.
يقول في مقدمته:
“… ووجدت من المتأخرين في الآلة قوما أخطأهم الاتّساع في الكلام فهم متعلقون في مخاطباتهم وكتبهم باللفظة الغريبة والحرف الشاذّ ليتميّزوا بذلك من العامّة و يرتفعوا عند الأغبياء عن طبقة الحشو. والخرس والبكم أحسن من النطق في هذا المذهب الذي تذهب إليه هذه الطائفة في الخطاب”
هل تبدو لك هذه الشخصيات مألوفة؟ وأنا أيضا :) ولدي عليها من الأمثلة ما يحول بيني وبينها حفظ أعمالي من الضياع، ونفسي من العداوات..
لم ينته بعد، فقد أشار في مقدمته إلى صنف آخر استدعاه للكتابة، فقال:
“وألفيت آخرين قد توجّهوا بعض التوجّه و علوا عن هذه الطبقة، غير أنهم يمزجون ألفاظا يسيرة قد حفظوها من ألفاظ كتّاب الرسائل بألفاظ كثيرة سخيفة من ألفاظ العامّة استعانة بها و ضرورة إليها لخفّة بضاعتهم. ولا يستطيعون تغيير معنى بغير لفظه لضيق وسعهم؛ فالتكلّف و الاختلال ظاهران في كتبهم و محاوراتهم إذ كانوا يؤلّفون بين الدرّة و البعرة في نظامهم”
هوا أنا بتشتم ولا إيه يا جدعان؟ D=
أما هذه، فيصعب أن نرمي بها أحدا قبل أن ننزعها عن أقلامنا :/
وقعّد في مقدمته لمراتب اللصوصية في سرقة النصوص، وأبان عن فروقاتها، فقال:
“فمن أخذ منهم معنى بلفظه فقد سرقه. و من أخذه ببعض لفظه فقد سلخه. و من أخذه عاريا و كساه من عنده لفظا فهو أحق به ممن أخذ منه”.
تُعتمد هذه المادة للتفريق بين لصوص النصوص، وتُبلّغ للجهات المختصة بالتشهير.. والله ولي التوفيق :)
أما جوامع وصف الكتاب، وغايته ومقاصده، فهي مجموعة في قوله:
“فجمعت في كتابي هذا لجميع الطبقات أجناسا من ألفاظ كتّاب الرسائل و الدواوين البعيدة عن الاشتباه والالتباس، السليمة من التقعير، المحمولة على الاستعارة والتلويح، على مذاهب الكتّاب وأهل الخطابة دون مذاهب المتشدّقين والمتفاصحين، البعيدة المرام -على قربها- من الأفهام، في كل فن من فنون المخاطبات، ملتقطة من كتب الرسائل وأفواه الرجال، ومتخيّرة من بطون الدفاتر ومصنّفات العلماء”.
هذا الكتاب -كما ترى- أحد المقترحات في الجواب على سؤال: كيف أطور أسلوب الكتابة؟
على إيماني أن الكتابة= (موهبة + إكثار من القراءة)، إلا أن هذا النوع من الكتب يقدم أمثلة عملية على أن الاكتساب أحد طرق تعلم الكتابة.
بلا شك أنه لن يكسبك الموهبة فور قراءته، لكنه يشبه تعلم إعداد الطعام عبر كتيب إرشادي، تلتزم النقل منه ابتداء، ثم تعتاد على رائحة الطعام، وتميز حسنه من رديئه، حتى تصل لمرحلة يتمازج فيها ذوقك مع ما جربته، لتخرج بمائدة فريدة، لا تشبه ما تعلمته، لكنها أيضا لا تناقضه.
والكاتب الجيد -في ظني- هو من يجيد توظيف دقيق الألفاظ في شريف المعاني.
على غرار العلوم كافة، هذا الكتاب يضع العلم بين يديك لا في رأسك، ولا يمكنك منه إلا المران والممارسة، وذلك بتجديد ألفاظك مع ما اتفق من معانيه، "فليست لفظة منها إلاّ و هي تنوب عن أختها في موضعها من المكاتبة أو تقوم مقامها في المحاورة، إما بمشاكلة أو بمجانسة أو بمجاورة. فإذا عرفها العارف بها و بأماكنها التي توضع فيها كانت له مادّة قوية وعونا وظهيرا”، وذلك كأن تجعل مكان "أصلح الفاسد" لمّ الشعث، ومكان "لمّ الشعث" رتق الفتق، ومحل “يقتدي به” يتقيل أثره، و“بحثت عنه” نقبت عنه وفتشت، و“لامه” عذله وقرعه وبكته، و“الشغف” الذي انطفأت جذوة معناه لكثرة تداوله “النهم” و”الكلف”، وعوضا عن أن تحمل الظروف اللوم في كل مرة، يعيرك عبارات مشابهة مثل: صرفتني الصوارف، وقعد بي الدهر، وعاقتني العوائق، وبدل أن تتمسك بـ”الوسيلة” في كل مرة تعبيرا عن الذريعة إلى الشيء يمدك بـ: المساغ إلى الحاجة، والمجاز إلى البغية، والبلاغ إلى المبتغى… وحينما تصف أمرا تعسر عليك فلا تجد من عباراتك إلا وصفه بالصعوبة، فإنه يهيئ لك أسباب وصفه بعبارات مثل: كؤود المطلب، معجز الدك، بعيد المتناول، ويعينك على طلب العون بعبارات مثل: عاضده، وكاتفه، وآزره، وظاهره.. وحينما تريد وصف حدث لم تتوقعه، ولم يخطر على بالك، فإنه يمدك بما لم يخطر على بالك، كـ: لم يهجس في ضميري، ولم يتحرك به خاطري، ولم يجل في فكري، ولم تضطرب به حواسي، وحين تجني على نفسك فلا تجن عليها بذكر هذا الوصف، ودونك: حطبت على ظهري، وبحثت عن حتفي، واستبدل المثل الشهير "يداك أوكتا وفوك نفخ" بقولهم: كالباحث عن المدية، وأتتك بحائن رجلاه، وحينما تصف شيئا بالقلة، فإنه يرشدك/يدلك/يبصرك/يهديك إلى ألفاظ مثل: نزر، تافه، يسير، زهيد، طفيف… وحينما تصفه بالكثرة: جم، كثير، كثيف… هذا مع بيانه للفوارق اللغوية في بعض المواضع. فتعود قلمك على جديده حتى تألفه نفسك وتعده من بنات ألفاظها.
لا يعدك الكاتب أن تصل لقلب القارئ، فهذه مرهونة بصدق القلم، وحرارة الشعور، وعمق التجربة، وانقداح الذهن، وألمعية الفؤاد.
لكنه يضمن لقارئه سلامة النص وجودته، ورصانة اللغة وحسنها، فـ“إن قعد به حسن المعنى لم يعدم من ألفاظه ما هو من بناء الكلمة”.
إن أردت أن تصبح كاتبا، فهذا الكتاب من ورش الصناعة، أما إن أردت أن تصبح أديبا، فروائع الأدب وتجارب الحياة هي ما يعدّك لامتلاك ناصيته.
أو كما قال:
“مما يحمد من التأليف والنظم أن يكون كما قلت:
تزين معانيه ألفاظه ** وألفاظه زائنات المعاني
فإذا كانت الألفاظ مشاكلة للمعاني في حسنها والمعاني موافقة للألفاظ في جمالها وانضاف إلى ذلك قوة من الصواب وصفاء من الطبع ومادة من الأدب وعلم بطرق البلاغات ومعرفة برسوم الرسائل والمكاتبات كان الكمال وبالله التوفيق”.
أخيرا:
"سقاك الله غيثا يا ابن عيسى
وأسكنك القصور من الجنان
لقد أتحفت أهل العلم طُرّا
بألفاظ حوت غُرّ المعاني"