من النهر إلى البحر - سامر أبوهواش
في منشور له عبر تويتر يقول الشاعر سامر أبوهواش :
"عدا عن سيل صور المآسي اليومية، تقودنا الحروب المديدة إلى مفارقة العيش والتعايش معها. دفاعاً عن الاعتياديّ، وهو ما يجعل العيش محتملاً، نمارس نوعاً من تضليل الذات. نتوهّم أن ما يحدث لا يحدث حقاً، أو أنه يحدث فقط حين نريد له ذلك؛ حين نصوّب اهتمامنا نحوه. لا أحد، مثلاً، سيفكّر بتناول الطعام بسلام وهو يشاهد أحشاء صبيّ تخرج من بطنه. لا أحد سيؤوي إلى النوم بسلام وهو يرى جموع المدفوعين إلى العراء في شوارع مدمّرة. لا أحد يمكنه ممارسة الرياضة بسلام وهو يرى عمال إغاثة يحاولون بأيديهم العارية استخراج مصاب من تحت الركام. لا أحد يمكنه سماع الموسيقى بسلام وهو يتخيّل دويّ القصف الهائل ولعلعة القذائف والرصاص. العيش الاعتيادي شيء من الماضي. الشعور بالسلام أيضاً من الماضي، عابر ومؤقت ككل شيء آخر.
نعيش إذن عوالم موازية، في المدن والشوارع والبيوت، البعيدة عن تلك التي تعيش وطأة الحرب، نعيش وطأة هذا السلام، هذا الاعتياديّ المريب. حتى أجسادنا لا تستطيع التواطؤ معنا على مثل هذه الخديعة. لا يصبح السؤال، فقط، كيف يمكننا أن نساعد الآخرين، بل يصبح كيف يمكننا أن نساعد أنفسنا أيضاً. هناك من يقتلون ويعانون كل لحظة، وفي المقابل، هناك من يقفون على الضفاف البعيدة، متوهمين أنهم يعيشون، لأنه لابدّ لهم من ذلك، لأنهم مفطورون على ذلك، مدركين أنهم مع كلّ نفس يتنفسونه ينقص شيء منهم، تنسلّ الحياة خارجهم، حتى يتسع سجلّ الخسائر ليشمل الجميع دون استثناء، الذين يموتون حقاً، والذين يظنون أنهم على قيد الحياة."
"قصيدة المَجزَرةُ"
هكذا أراهُم، وأرى كلَّ شيءٍ بوُضُوحٍ تامٍّ، بِلَمَعَانٍ باهر؛
أرى قَدَمَاً في مَوضِعِ اليدِ، وقبضةً تمتدُّ مِن الفمِ، وأرى الأجسادَ جُذُوعَ أشجارٍ مقطوعةً، متناثرةً، وما الفرقُ في النِّهايةِ ما دُمنا سنَدفِنُ كلَّ شيءٍ في نظرةٍ واحدةٍ؟
نعرفُ أننا وصلْنا إلى حيثُ لا شيءَ يعودُ. نُسمِّيها نُقطةَ اللَّاعودةِ أو نُقطةَ اللَّاذهابِ، لا فرقَ. نبقى هنا، في الموضعِ ذاتِهِ مِن الألمِ، نرى وجهَ طفلٍ، شَعْرَهُ، أسنانَهُ، وربَّما ابتسامتَهُ، تنبتُ في ذِراعِ طفلٍ آخرَ. نقفُ حائرينَ، عاجزينَ عن النُّطقِ وكلِّ شيءٍ آخرَ، مرعوبينَ ممَّا نَحسَبُهُ إبرةً عملاقةً جاءتْ لتُعيدَ وَصْلَ جميعِ هذهِ الأشلاءِ.
……………………………………..
قصيدة "نظرات أطفالنا بين الخرائب"
ليستْ إلى أسفل
ليستْ إلى أعلى
دائماً شاخصةٌ
دائماً ثابتةٌ
دائماً واضحةٌ
دائماً صوبَ نهاياتٍ
لم يَرَها أحدٌ
أولئك الذين زَعمُوا
أنَّهم رَأَوا الضَّوء
لم يَرَوا عُيُونَ أطفالِنا
وهي تنظرُ من بعيد
حزينةً ميتةً ساخرةً - عُيُونُ أطفالِنا -
وهي تُحدِّقُ بنا/ بهم
وبنا
وبهم
مِن خلفِ القُرُون.
ديوان موجع. يحاول من خلاله الشاعر وصف ورسم كل مانراه من وراء الشاشة من أحداث دامية ومفجعة في غزة. و يضغط بإصبع كلماته على مشاعرنا الملتهبة بالأنين وقلة الحيلة. وفي الحقيقة جل ما أراد أن يقوله؛ أن هنالك لا كلمات قادرة على وصف هول المأساة .