يضم كتاب «كل ما يجب أن تعرفه عن ش» اثنتي عشرة قصة، تدور على الحافة، بين الواقع والخيال الفانتازي، لتتنقل بين قصة شخص في الجنة وبين سيارة تتحول إلى بساط الريح، وحجر يمحو كل ما يضايق حامله. - بأسلوبه المتمكن، يستطيع أحمد الفخراني أن يبني كل قصة بتصعيد مشوق، متنقلًا بين المشاهد بسلاسة، باستخدام حوارات ذات إيقاع سريع، تجعل القارئ يتنقل مستمتعًا من حكاية الرجل الذي أصيب بشهوة الكلام إلى حكاية السائق حسن الذاهب إلى أي مكان، ومن الحي السويسري إلى جنة عدن.. ورغم أن بعض الأفكار فانتازية، إلا أن الشخصيات دائمًا ما نجدها منشغلة بالواقع، وكأنها في حالة تساؤل دائم: «ماذا لو؟».
أحمد الفَخْراني (الإسكندرية، 1981) روائيّ وصحفيّ مصريّ. تخرّج في كلية الصيدلة بجامعة الإسكندرية، غير أنّ شغفه بالكتابة دفعه إلى العمل الصحفي منذ 2007، فكتب تحقيقاته ومقالاته في صحف ومواقع ثقافية عدّة، منها «البديل»، «أخبار الأدب»، «الشروق»، «المصري اليوم»، «دوت مصر»، «المنصة»، «مدى مصر» و«الأخبار اللبنانية». أسّس المنصّة الرقمية المستقلة «قُل»، ويشغل حاليًّا منصب مدير تحرير برامج الديجيتال في «العربي تيوب»، كما شارك في تأليف حلقات من برنامجي «الدحيح» و«في الحضارة».
أصدر الأعمال الآتية: • «ديكورات بسيطة» (شعر، 2007) • «في كل قلب حكاية» (بورتريهات، 2009) • «مملكة من عصير التفاح» (مجموعة قصصية، 2011) • «ماندورلا» (رواية، 2013) • «سيرة سيد الباشا» (رواية، 2016) • «عائلة جادو» (رواية، 2017) • «بياصة الشوام» (رواية، 2019) – تُرجمت إلى الإنجليزية بقلم نانسي روبرتس، ومن المنتظر صدور طبعتها الدولية قريبًا. • «إخضاع الكلب» (رواية، 2021) • «بار ليالينا» (رواية، 2022) • «كل ما يجب أن تعرفه عن "ش"» (مجموعة قصصية، 2024)
نال الفخراني عدّة جوائز أدبية، أبرزها: • جائزة ساويرس الثقافية (المركز الثاني – فرع شباب الأدباء) عن «ماندورلا»، 2016 • جائزة ساويرس الثقافية (المركز الأول – فرع شباب الأدباء) عن «بياصة الشوام»، 2020 • ترشُّح «بار ليالينا» للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، 2023
مجموعة قصصية تبدأ بهدوء و أحيانا ملل ،ثم تفاجئك بقصتيت متتاليتين من أروع ما يمكن . "الروائي في عزلته"و "الرجل الذي محا الشر" ثم ينهي قبل النهاية بقصة "حكاية السائق حسن الذاهب لأي مكان" حاجة منتهي الجمال ، وحشني قلن أحمد الفخراني ، و وحشتني القراءة له ، من اربع سنين لسه دي اول حاجة اقراها
"كل ما يجب ان تعرفه عن ش" . أحمد الفخراني .. تعودتُ أن أقرأ الأدب العظيم وهو يتناول فترات زمنية أخري، ولكن هذه هي المرة الأولي التي أقرأ فيها أدبا عظيما يتناول زمننا الحالي، يتناولني ويتناول شخصيات أعرفها وأراها، ويستخدمون الأدوات الحديثة التي شكلت جنونهم وعزلتهم. لا أذكر أني أعجبت بهذا القدر بعملٍ من الأعمال التي كتبت في الفترة الزمنية السابقة التي قد تمتد لثلاثين عاما (لا استثني إلا رواية حجرتان وصالة). قصص في منتهي الجمال والكثافة والإحكام وحلاوة الإيقاع، تذكرني بأدب الساخرين العظماء مثل جورج دوهاميل وإيفو أندريتش، بأسلوب أصيل يعكس هموما حقيقية بصراعات تخص عصرنا وجيلنا من مواليد الثمانينات والتسعينات.٠ أغلب القصص تدور حول لفتة بسيطة، عادية في مظهرها، ولكن بشكلٍ ما تمثل نقطة مكثفة يحدث عندها تحول لبطل القصة. يمثل هذا التحول كشفا لجوهر البطل، وهو الكشف الذي إما أن يعيه البطل وتترتب علي وعيه هذا سلسلةٌ من التصرفات التي تنحدر لهاوية ما، وإما أن لا يعيه، فلا يكشف هو نفسه، ولكن انفجارا داخليا لما ظل مكبوتا بداخله يجعله يتحرك بحيث يكشف للآخرين بشكل أوضح جوهره المخفي.٠ .. القصة الأولي العبقرية عن الرجل الذي أصيب بشهوة الكلام، تتمحور حول نقطة مكثفة، حدثٍ بسيط ولكن أحدث انفجارا وترتب عليه تحولٌ مرعب في الشخصية. وهو أن البطل فجأة اكتسب شهوة الكلام. هي لفتة بسيطة، حدث نقي مكثف يصاغ في عبارة (رجل اكتسب شهوة الكلام) وترتب علي هذا الحدث تداعيات سريعة كُتبت بعبارات موجزة. كان اكتساب البطل لهذه الشهوة بداية لسلوكيات مخبولة كشفت جوهره كرجل تافه وخاوٍ، ولكنه لم يعِ بذلك، اكتسب "الكشف عن جوهر الشخصية" هنا الهوس بفكرة خاطئة مجنونة جعل الشخصية تُبرز خواءها الذي كان مخفيا. حيث ظن الرجل بأنه يستطيع أن يتكلم في أي موضوع وأن لكلامه قيمةً طوال الوقت. وظن أن شهوة كلامه التي جدّتْ عليه هي "مُنقذه". وفكرة المنقذ تمثل شيئا جوهريا في قصص هذه المجموعة. شخصيات تتعرض لحدثٍ عادي وبسيط في مظهره، لكنه يمثل انفجارا لتداعيات مكبوتة، كشفا، ويمثل مع ذلك "مُنقذا" للشخصية، فتتشبث به، ويمر انحدارٌ سلس بإيقاع مكثف رائع من خيالات متوهمة تنتهي إلي نتيجة صارمة وساخرة بتلاشي المنقذ الوهمي.٠ في هذه القصة، وحسب فهمي، حدث الأمر مرتيْن. حدث عندما اكتسب الرجل شهوة الكلام، وتداعت الاحداث لتثبت وهمه، فما ظنه منقذا له ألقاه إلي الحضيض. وحدث مرة أخري عندما افتقد هذه الشهوة، فمثّلت له الجملة الغامضة التي أخذ يكررها مُنقذا جديدا، وهما جديدا بأنه يلخص معني كل شيء في عبارة، وفي مأساوية إصراره علي تكرار هذه العبارة تتبدي مرة ثانية السخرية القاسية.٠ .. في قصة ضي الماس" يتمثل الحدثُ الجوهري في ظهور الأكاونت الغامض للبطل، تتدفق تداعيات انجراف البطل مع وهمه إلي نتيجه محبطة باختفاء الأكاونت. يحدث له تداعي وينكشف لنفسه خواؤها، يتعرض لعقدة ذنب ويستدعي من ذاكرته جريمة إهانته لشحاذ. يتكرر الوهم: يظن الشحاذ منقذا له ويبحث عنه ليعتذر معززا بوهمه الكبير المكرّر، وننتظر النتيجة المتوقعة حابسين أنفاسنا ونحن نخطو معه بإيقاع ساحر حيث يرقد الشحاذ، ويغرقني ردّ الشحاذ عليه في الضحك.٠ .. قصة "الحي السويسري" وهي من أجمل قصص المجموعة، يتمثل حدثُها المحوري في شيء بسيط عارض شديد العادية، صاحب كشك بقالة يقف للبطل احتراما عندما يدخل عليه. هوس البطل بهذه الفكرة أحدث تداعيات كاشفة تدهور بعدها البطل منجرفا إلي ذروة البارانويا.٠ .. قصة معطف المعجزات أيضا من أجمل ما يكون، في إيقاعها وهي تسرد آمال البطل المجنونة وتعلّقه بمنقذ وهمي هو المعطف، وبين إحباطاته، عبر تيار من أحداث متتابعة في عزاء. منقذ البطل هنا يتمثل في معطف شديد الشذوذ والغرابة لأنه ارتداه في يومٍ حار، ومع تدفق الاحداث وأوهام البطل بخصوص معطفه، تزداد الهوة بين الصورة التي تخيلها البطل لنفسه عندما يقتحم الجمع، وبين الصورة الواقعية لشذوذه وتعثره وارتباكه، بسبب تعلقه الموهوم بالمعطف، فلو لم يرتدِ هذا المعطف، ولو لم يعتبره مُنقذا، لم يكن ليتعرض لهذه المآسي الساخرة والقاسية التي تكشفه وتعريه أكثر.٠ وهذا هو ما يميز متانة بناء هذه القصص واكتمالها: أن الحدث الجوهري، المتمثل في التشبث الموهوم بمنقذ، هو الذي يجعل البطل ينحدر لهوة أعمق مما أراد أن يتجاوزه من خواءٍ وفشل. وكأننا أمام سخرية قاسية من التنوير الزائف، الذي تتوهمه الشخصيات بكشفها لنفسها وإرادتها للتجاوز، فتقع في أحابيل أوهام جديدة تُسقطها إلي الحضيض لا تحررها.٠
هذا الكتاب ليس رواية واحدة متماسكة، بل يشبه مزيجًا من المقالات والقصص القصيرة التي تبدأ ببساطة ثم تنحرف تدريجيًا نحو عمق فلسفي يربك ويضيء في آن واحد. تجربتي مع الكتاب كانت متباينة: بعض القصص أحببتها جدًا، وبعضها مرّت عليّ بلا أثر، وبعضها وقفت عند نهاياتها دون أن أجد المفاتيح الكاملة لفهمها. ومع ذلك، يظل الكتاب صاحب حضور خاص، لأنه يطرح الخيال كحقيقة قابلة للتصديق، ويعطي الواقع ملمسًا غريبًا يشبه الأحلام.
المراجعة العامة
أسلوب الفخراني في هذا الكتاب يعتمد على توظيف الفانتازيا والغرائبية داخل لحظات حياتية عادية، كأنه يقول لنا: العادي ليس عاديًا، والواقع ليس واقعيًا تمامًا. يتنقّل بين القصص دون رابط مباشر، لكن يجمعها خيط واحد: كل شيء يملك وجهًا آخر، وكل حكاية يمكن أن تنقلب لمعنى أعمق مما تبدو عليه في البداية.
بعض القصص مكثّفة وواضحة، وبعضها متشعبة وكأنها تعمّد أن يترك القارئ في منطقة الأسئلة لا الإجابات. هذا ما يجعل التجربة ممتعة حينًا، ومرهقة حينًا آخر.
من بين كل القصص، أحببت قصة السائق حسن وهند واللامكان شعرت باني وددت لو اكون حسن رجل يعرف ان اللامكان هو اي مكان ماعدا الاماكن التي اعتدنا ان نكون فيها ، اللامكان هو مكان لم نذهب اليه من قبل وربما هو اكثر مكان نشعر فيه بالراحه، كما انه اعجبتني فكرة ان ما يجعلنا نفهم الاخرين هو اننا كنا مثلهم يوما ما
احببت هذي القصه لاني اردت ان اكون حسن ان يتحول كل شي الى حلم الى جنون الى شيء ما بعد ان نصحو من ماساتنا
واردت ان اكون هند لانها وجدت مكانها وجدت اللامكان في النهاية الذي اشعرها بالراحة.
تتلخص فلسفة هذه القصة في أسئلة كبيرة: • ما المكان الذي ننتمي إليه فعلًا؟ • هل اللامكان هو الهروب… أم الاكتشاف؟ • وهل الراحة تأتي من الأرض التي نقف عليها، أم من معرفتنا بوجود من يفهمنا؟
حسن يمثل الإنسان الذي فهم أن العالم أوسع من النقطة التي وُضع فيها، وأن اللامكان هو كل ما لم نجرّبه بعد، وكل ما لم تُشوّهه عادتُنا اليومية. أما هند فتمثل الشخص الذي ضاع طويلًا، حتى وجد أخيرًا بقعة توافق روحه، لحظة من صفاء تسمى “اللامكان”… المكان الصحيح الذي لم يكن موجودًا من قبل لكنه تولّد حين وصلت إليه.
القصة تُذكّر بأننا نفهم الآخرين أكثر حين ندرك أننا كنّا يومًا ما مثلهم، بلا يقين، وبلا اتجاه.
في النهاية يمكن القول ان الكتاب يقدّم تجربة متجانسة، وهو غني بافكاره الأساسية وهي : أن الحياة ليست خطًا مستقيمًا، وأن أجمل المعاني قد تنشأ من اللحظات التي نجهل كيف نفسرها. بعض القصص تمرّ بخفة، وبعضها يترك أثرًا خالدًا… تمامًا مثل الحياة نفسها.
تقييمي النهائي
كتاب متقلب في مستواه، لكنه لا يخلو من لمعانٍ حقيقي. فيه قصص تفتح أبوابًا داخل الروح، وأخرى تغلقها دون تفسير.
مناسب لمن يحب الأدب الذي يلامس حدود الخيال والفلسفة، ولمن يتقبل النصوص التي تطرح الأسئلة أكثر مما تقدّم اليقين.
تجربة ممتعة حين يُقرأ بوصفه بحثًا عن داخل الذات، لا كعمل قصصي تقليدي.
لو هنفترض حسن النية في تجربة ثانية لكتابة القصص القصيرة وإن الفخراني قلم روائي ذو ثقل، فنقدر نقول إنها فيها مجهود محترم .. لكن الأبنية الدرامية فيها كتير من المشاكل وفي قصص لم تحتوي على أي فكرة مجردة.