سنةً بالتمام والكمال، كبُر فيها الصغير، وشابَ فيها الكبير، وغيّرت الحياةُ منهجَها مراتٍ كثيرة، وظللْنا في قمّة الأذى ننتظر حضورَ أمثالكم من البواسل بشدّة.» ص ٨
عورة_في_الجوار
كما عوّدنا د. أمير، تأتي الرواية لتنقل لنا عالمًا متنافرًا ومتنوّعًا بخفّةٍ من خلال لغةٍ ساخرة تمتلئ بالمعاناة والسياسة والفانتازيا، لتحكي عن التحوّلات الاجتماعية داخل حياة الريف الذي تكثر فيه القصص والأساطير. هذا الريف يتأثر في الرواية بالمناخ السياسي، والانقلاب العسكري، والثقافة القادمة من المدينة إلى القرية، وذلك بأسلوبٍ يتسم بالفكاهة السوداء، يحمل تهكمًا مستترًا يسلّط الضوء على السلطة ونظامها المتعسكر، وما يحمله من ظلم، وهو ما تُظهره الرواية من خلال توزيع الألقاب وإنتاج “مهرّج القرية”.
وكأيّ قارئ، التقطتُ غرائبية الصراع على فدانٍ واحد بين قبيلتَي السرواب والكتـراب، ودخول الفرقة الموسيقية إلى القرية التي أتى بها كلب الحرّ (سعيد الورّاق)، وتحولات المرأة الرمانة؛ كلها تحمل نوعًا من التهكم على الصراعات والمتغيرات في القرية.
وبما أنني ذكرت سعيد الورّاق، الشخصية المحورية في الرواية، الذي يمثّل التمرّد ضد كلّ ما هو محظور، فقد عاش وسط عالمٍ مكتظّ بالشخصيات، لكلٍّ منها قصته وحكايته. يتمحور السرد حول سعيد لأنه “العورة” التي ظلّت مكشوفة خمسًا وعشرين سنة، وكلّ الخطايا التي ينكرها الناس في الرواية هي خطاياه، كما يقول: “كلها سيئاتي”.
يعمل سعيد سائقَ لوري، وكان مثله الأعلى الماحي البلال، الذي “كان ينتهك عورة الطرق”، ليصبح هو المثل الأعلى لسعيد الورّاق ووارث لقب كلب الحرّ.
حملت الرواية نوعًا من الاستكشاف عبر تسليط الضوء على المتغيرات التي تحدث في القرية ومدى تأثرها بالحداثة، دون أن تنسى التاريخ وروح القرية السودانية التي يستحضرها أمير، محتشدة أمام القارئ، مرتبطة بالماضي في مقابل حاضرها المتغيّر.
تنتقل الرواية من الماضي إلى الحاضر عبر سردٍ متعدد المستويات.
العنوان يحيلنا إلى إشكالياتٍ في المجتمع، فردية كانت أو عامة. فـ“العورة” لغةً هي الخلل والعيب في الشيء، وهذا ما تعكسه سردية الرواية من خلال الصراع السياسي والقبلي والاجتماعي.
.