يرتحل الروائي السعودي يوسف المحيميد في روايته "رجل تتعقبه الغربان" في الزمن ما بين الحاضر والماضي والمستقبل، متتبعاً أوبئة واقعية وأخرى وليدة أفكار متزمتة، وحروباً مرت بها أجيال عدة من عائلة نجدية خلال ما يزيد على 100 عام، وفي مركزها نكبة عام 1948 التي بدت عصية على النسيان حتى بعد مرور 10 عقود علىوقوعها بحسب سرد الرواية الذي يبدأ من عام 2048 وينتهي به.
(English: Yousef Al-Mohaimeed) في ظهيرة باردة، في السابع عشر من رمضان 1383هـ الموافق 31/1/1964م، انطلقت صرخته الأولى، في غرفة علوية لمنزل طيني في حي الشميسي القديم، هتفت جدَّته: ولد! واستبشرت خالته بقدومه بعد سبع بنات، مات الثلاث الأول منهن. كانت أمه تظن أنه سيكون فقيهاً أو شيخاً مرموقاً، وقد تزامن يوم مولده مع ذكرى يوم معركة بدر، المعركة الأولى في الإسلام، والتي انتصر فيها المسلمون. بعد أن بلغ عاماً واحداً انتقلت أسرته إلى حي عليشه الجديد، وهناك عاش طفولته ومراهقته وأول شبابه، حتى الواحدة والعشرين، وقد تخللت طفولته أيام مؤرقة، شارف فيها على الهلاك، لعل أصعبها إصابته بالحصبة الألمانية في السنة الثانية من عمره، والتي كادت أن تقضي عليه، ودخل فيها مرحلة الخدر والصوم الكليّ عن الأكل: "لقد كان الخس الأخضر في حديقة البيت هو نبتة الحياة" هكذا قالت أمه، وقد عاد مرة أخرى من الموت، فصارت تلك النبتة أهم عناصر الوجبة الغذائية لأمه حتى بلغت السبعين من العمر. في السادسة من عمره، أصيب المحيميد الابن الأكبر، مع شقيقيه بتسمم حاد، نقلوا على إثره إلى مستشفى المركزي في الشميسي، فخرج بعد شقيقه الأوسط، بينما مات شقيقه الأصغر في السنة الثانية من عمره، وأصيبت الأم بصدمة كبيرة، جعلها أكثر خوفاً وقلقاً عليه، لكن ذلك لم يلغ وقوعه فريسة سهلة للأمراض. التحق في السابعة بمدرسة الجاحظ الإبتدائية في حي "أم سليم"، وكان يقطع مسافة تتجاوز ثلاثة كيلومترات من حي "عليشة" إلى "أم سليم"، بصحبة أخوه من الأب، وابني عميه الذين يكبرونه في العمر، ويشاركونه في الصف الأول الإبتدائي. وفي الصف الخامس الإبتدائي انتقل إلى مدرسة القدس الإبتدائية في حي "عليشة"، التي كان بابها الغربي يقابل باب منزل أسرته تماما. أمراضه المتكرِّرة، وكونه جاء بعد سبع بنات، جعله يتذرَّع بالمرض أحياناً، كي يظفر بكتاب مستعمل من "المكتبة العربية" في شارع "الشميسي الجديد"، إذ تُحضره له أخته الصغرى كي يتسلَّى وتخفَّ عنه الحرارة المرتفعة، هكذا تربَّى مبكراً على قصص الأساطير: ألف ليلة وليلة، سيرة عنترة بن شداد، سيرة سيف بن ذي يزن، الزير سالم، وسلسلة المكتبة الخضراء للأطفال، ثم "أوليفر تويست" للإنجليزي تشارلز ديكنز، و"بائعة الخبز" للفرنسي كزافيه دي مونتابين؛ وربما كانت سيرة سيف بن ذي يزن المنزوعة الصفحات الأخيرة جعلته يشعل مناطق الإبداع منذ الصغر، واضعاً للحكاية أكثر من نهاية مبتكرة. في العاشرة حصل على جائزة دولية تمنحها اليابان لرسوم الأطفال عن لوحته: "يوم الأم"، وكانت عبارة عن أم تحتضن طفلها، ومجرَّد أن انتقل إلى متوسطة فلسطين المحاذية لشارع "العصَّارات"، حتى أخلص للفن التشكيلي والخط ا
باستثناء الأجزاء الخاصة بجائحة كورونا والحجر الصحي، والتي بها بعض التكرار والاستطراد، فالرواية جاءت جميلة، لغة وموضوعًا، ومبهرة على مستوى السرد وتقنياته.
عنوان الرواية: رجل تتعقبه الغربان. اسم المؤلف : يوسف المحيميد . عدد الصفحات :183 صفحة . الطبعة: الأولى 2023. دار النشر :دار العين للنشر .
مراجعتي: (الوباء هو البطل الحقيقي للعمل وهو يمثل بؤرة السرد !) رواية مبهرة تفاصيل دقيقة لأزمنة تفشى فيها الوباء يروي لنا الكاتب قصة سليمان الزارع الذي فرض على نفسه عزلة اختيارية هرباً من ملاحقة الغربان له. أسلوب مميز بالرمزية والايحاء في سرد أحداث الرواية تعبر عزلة الانسان ووحدته ، صراعه أمام الموت والوباء شدتني لغة الكاتب في الوصف معبرة ومؤثرة كما شدتني القفزات المدروسة والمترابطة بين الأدوار ،الشخصيات ،الاجيال وأزمنة الوباء، وكيف كان الوباء يحصد الأرواح واحدًا تلو الآخر ، كيف اعتزل الناس بعضهم بعضاً..
هي رواية كورونا وأزمنة الجدري مرت عجافًا … الكاتب وفق في كل زوايا واحداث الرواية .. تستحق القراءة وبجدارة ..
الاقتباسات : * لم يحافظ على شئ ؛ حتى بلاده التي انفرطت بين يديه بغتةً كمسبحة في هاوية . * ما الذي يحدث في العالم المقلوب ، كيف أصبح العالم هشاً ، بل مجرد رغوة زائلة ، مع أول هبة هواء خفيفة يزول ، ويعود إلى بدائيته ؟ . * تدق بالهاون حبوب القهوة ؛ لتطحنها أو ربما لتوقظ الفجر الكسول ... * الفقر مأساة ، والحَجْر أيضًا وأن يجتمع على الناس الفقر والحجر فذلك موت من نوع آخر. * لمحت شجيرات السور شعثاء كبدويات حثوْن التراب على رؤوسهن جزعاً على ميت .. * كان يتقاسم مع رفيقه محسن الراحلة والحياة وأيام الطفولة وذاكرة الصبا . * يكفي أن يحتفظ بالأمل ، أن يختبئ الأمل في جيوبه ، ويرفعه منها كلما نوى غسل ثوبه ، لئلَّا يغسله بالخطأ.
❞ ليت الموتَ يخبرنا قبل أن يتسلَّل مثلَ لِصٍّ مدرَّبٍ أو قاتلٍ محترف؛ كي نستعدَّ ونقفل آخر أفعالنا، كأن نعيد ملابسنا مثلًا من فوق حبل الغسيل، أو نطفئ الموقد في المطبخ، أو نسدِّد دَيْنًا مُستحقًّا لفلان، أو نقبِّل من نحب. لماذا لا يتفاهم الموت معنا، ويقول لنا مثلًا ما آخرُ طلباتكم من الحياة كما يفعل السجَّان مع المحكوم بالإعدام؟ ❝
ذات فكرة ومعنى، وتكنيك قصصي جميل خاض في ثلاثة أزمنة (وباء ماضٍ - وباء معاصر - حجر مستقبليّ) وأحكم ربط النهاية بالبداية، فكانت دائرة سرديّة كاملة تناولت ثلاثة أجيال لعائلة من الثلاثينيات-أربعينيات مرورًا ب 2020 وحتّى 2048. ولكن الشخصيات لم تُعطَ حقّها، فجاءت كخرطوشة قلم بلون باهت لتخدم الفكرة باتّجاه واحد غير تبادليّ. لا شكّ أنّ الأوبئة فكرة تروق للكثيرين، ولكنّها ليست عنصر جذب لي، ولاسيّما إن كانت متعلّقة بوباء كورونا المعاصر. وهذا الزّمن بالذّات في القصّة كان مملًّا حدّ أن وصلني شعور بأنّي أقرأ يوميّات الكاتب، لا قصّة الشخصية.
أمر آخر لا أدري موقفي الحقيقي منه بعد، هو فكرة 1948 واحتلال فلسطين (هجوم الغربان الأوّل)، والزمن الأخير المستخدم (2048) حيث الغربان لا زالت تلحق بالعائلة وتحوم في احتفالات الإسرائيليين بمئوية المستعمرة. فكرة الغربان ضروريّة للحبكة طبعًا لتدوير الزمن وربط مصائر الشخصيات، ولكن لا أدري لماذا يأتيني منها إحساس بأنّها مقحمة، ومبتذلة بعض الشيء. وقد يعود هذا لمعرفتي بأنّ الغربان ليست طيور شؤم كما يصورها الفولكلور العربي.
ناقشناها مؤخّرًا في نادي صنّاع الحرف بحضور المؤلّف.
رواية "رجل تتعقّبه الغربان" ليوسف المحيميد: جدليّة الفرد والجماعة في مواجهة الأوبئة
كثر تلك الروايات التي تحدّثت عن الأوبئة والأمراض التي عصفت بالبشر منذ عصور، وما يزال الإنسان حتّى يومنا هذا يكافحها، كلّ على طريقته. لكن ربّما أوّل ما يلفت القارئ في رواية "رجل تتعقّبه الغربان" للكاتب السعودي يوسف المحيميد والصادرة عن دار العين – مصر في العام 2023 هو الانكسار الزمكاني في الحديث عن الوباء، إذ تتأرجح الرواية بين حقبات وأمكنة عدّة. تبدأ الرواية في المستقبل، في العام 2048 في مكانٍ مجهول نوعًا ما. نعلم أنّه في بلد غربي من بعض الملامح، كالبرد والثلج والتظاهرات للاحتفال بمئويّة إنشاء الكيان الإسرائيلي، لكنّ اسم المكان يبقى مبهمًا إذ أراد الكاتب إسقاطه على الغربة، أينما كانت. لننتقل مباشرة إلى الماضي القريب – المعاصر في العام 2020 في الرياض، فالرياض 1936، ثمّ العام 1918، وبذلك تغطّي الرواية خمسة أجيال متعاقبة لخمسة أزمنة: أحفاد الراوي، ابنته، الراوي نفسه، والده ووالدته، والجدّ والجدّة. وهنا تكون بنية الرواية الزمكانيّة معقّدة بعض الشيء وتتطلّب من القارئ الصبر والملاحظة وتتبّع الحدث والشخصيّة لربط مفاتيح الرواية ببعضها. فالكاتب يغيّر أسلوبه السردي ما بين الاسترجاع، وهي التقنية التي تغلب على الرواية إذ سلّمنا أنّه يكتبها في العام 2048. "لم يتوقّع أنّ العالم سيعود إلى الوراء كلّما تقدّم أكثر، وأنّ الحروب والأوبئة لا تتوقّف أبدًا، وهذا المخلوق العجيب، المدعو "إنسان"، لا يكفّ أبدًا عن إثارة الفوضى والقتل والخراب ويخلّف الدمار"، من الرواية – صفحة 10، الطبعة الأولى. كما وتظهر تقنية الاستباق من خلال مونولوجات بطل الرواية عن المستقبل، وأيضًا التواتر الدائري إذ تبدأ الرواية وتنتهي بنفس الجملة والمخاوف في أن يبقى البطل عالقًا في دوّامة ذاته المغلقة، تلك الدوّامة التي تقيّد يديه وقدميه كسجينٍ في حبس أبدي بلا سجّان يمنحه الأمل بالنجاة.
الوباء بمفهومين مختلفين
تناقش الرواية كمضوع أساس الوباء. والوباء من مفهوم المحيميد ليس فقط الوباء الجسدي الذي يُقعد البدن، ولكن الوباء الفكري والنفسي الذي قد يكون أحيانًا أكثر خطورةً ووحشيّة من المرض الفيزيولوجي. يطرح العمل معاناة البشر مع أوبئة مختلفة، من الحمّى الإسبانيّة في العام 1919، الجدري في العام 1936، الكوليرا في العام 1945، وكورونا في العام 2020. وهنا تتشكّل جدليّة الزمن مع عنصر المكان حيث يتوحّدان مشكّلين أزمة إنسانيّة تخطّت كلّ العصور والجغرافيّات لتذكّر الإنسان بضعفه قبالة المرض مهما تطوّرت الحياة ومهما اخترع البشر من تكنولوجيا، فالذين ماتوا فوق أسرّة ملقاة عبثًا في المستشفيات في زمن كورنا لم يختلفوا كثيرًا عن أولئك الذي ماتوا في الصحراء من الجدري والكوليرا... الحقيقة واحدة والموت سيّدها.
الاغتراب والنبذ
قد تكون ثيمة العمل الأبرز هي ثنائيّة الاغتراب والنبذ، نبذ الذات قبل أن ينبذك الآخرون. فيتابع القارئ معاناة بطل العمل وكيف يتحوّل جسده وأعضاؤه إلى أعداء لدودين يتربّصون به لإيقاعه بفخّ فايروس كورونا. لتصبح يده عدوّ، وعيناه مصدر فزع قد تُدخل الفيروس إليه، وكيف يصبح الآخر مدعاة قلق وخوف ورعب يترصّدك لنقل عدوى المرض إليك. "كيف اتحاشى عدوّي؟ كيف أهرب منه وهو معي؟ هو ليس لصًّا، أو قاتلًا مأجورًا، أو محتلًّا يغزو شوارع مدينتي الحبيبة، إنّها يدي فقط، يدي التي تتربّص بي!" من الرواية – صفحة 17، الطبعة الأولى. ولكن ماذا يحدث إن كانت العدوى في منزلك، في والدك المسنّ، في مدبّرة المنزل التي تطعمك؟ في زميل عملك؟ في بائع القهوة؟ كلّها تساؤلات تنخر الرأس وتنحر العنق وتثقل الذات فيصير فيروس الفكر مناصفًا لفيروس الجسد. "أحسست أنّني أدخل حروبًا صغيرة لا طائل منها، حربًا مع العمل، مع رئيسي، مع الوباء، مع يدي، مع كلّ شيء حولي"، من الرواية – صفحة 83، الطبعة الأولى. في المقابل جسّدت الرواية أبهى صور الصداقة والوفاء في شخصيّتين قد تكونا ثانويّتين في مقدار ظهورهما في العمل، لكنّهما ثقيلتين من ناحية المعاني التي تجسّدانها. فاضل ومحسن في فصل "وحيدان تحت شجرة طلح" رسما حدثًا مركزيًّا في الرواية إذ يصاب فاضل بالكوليرا في أثناء عودته في قافلة حجّ ما يدعو رئيس القافلة للتخلّص منه على قارعة الطريق خوفًا من انتقال العدوى لآخرين، فيقرّر محسن البقاء معه. فاضل لا ينجو، تحاول الغربان أكل جثّته وهو ملقى في صحراء شرسة تحت شمس ظالمة ومحسن يطرد الغربان رغم أنّه يعلم أنّ صديقه قد رحل. لتأتي هذه الحادثة وتعادل كفّتي ميزان النبذ، بين 2020 حيث الكلّ يهرب من من الآخر خوفًا من عدوى كورونا، وبين 1945 حيث محسن يلتصق بصديقه الموبوء بالكوليرا. لتضعنا الرواية أمام سؤال مباشر وقاسٍ: كيف تغيّرنا إلى هذا الحد؟
لغة مدرارة وشاعريّة
يكتب المحيميد بلغة شاعريّة صادقة ودقيقة في وصفها ونقلها للصور المبتغاة بمشاهد خاطفة وقصيرة، ويعتمد عمومًا على ما نسمّيه في النقد بالاقتصاد النثري، أي أنّه يطوّع الصورة، يصفها بوعي، ينحتها بإزميل القلم ناقلًا المعنى والإحساس بأقلّ الكلمات، وهذا عمومًا من أصعب أنواع النثر في الرواية الذي يفتقده الكثير من كتّابنا الأعزاء إذ أنّ الرواية مساحة مغرية للإطناب والإسهاب.
أتت الفصول قصيرة ومباشرة، وبعناوين تخطفك حتّى قبل الشروع بالقراءة. عناوين مدروسة ومدوزنة وشادّة، كفصول "إنّها يدي، تتربّص بي"، "لماذا فرّت العصافير من اللوحة؟"، "أخذ فراشه معه وطار"، "انتبهوا للزفرة الأخيرة"، وغيرها الكثير من العناوين الذكيّة واللمّاحة التي تأخذك من يديك وتحطّ بك في قلب السرد وحدثه.
لغة المحيميد مرئيّة، تراها متجسّدة بكلّ وجعها. تعتصرك ألمًا على طفلٍ لم يمنحه الجدري فرصة الحياة فيدفنه والده وشقيقه يسأل: كيف سيتنفّس شقيقي من تحت التراب؟ كم هو قاس هذا السؤال في عينين طفل كشّرت له الح��اة عن أنيابها منذ صغره وانتشلت منه ومن عائلته شقيقه الرضيع؟ تجوب مع المحيميد في الشوارع والأروقة، في القرى الصغيرة والمدن الكبرى، تسمع حوافر الحيوانات، تشمّ رمال الصحراء، تلسعك شمسها. تبكي مع الموبوئين، تحمل همومهم على كتفيك، تترقّب رحلاتهم، هل سينجون أم ستبتلعهم حفرة المرض؟
اللغة أداة الرواية، فهي الصلة بين القارئ والكاتب، بين المكتوب والمحسوس، ومتى ما استخدم الكاتب أداته بحرفيّة، كانت النتيجة أن تقرأ عملًا مميّزًا كرجل تتعقّبه الغربان، قويّ وصادم وحقيقي، يطرح قضايا قد تكون عاديّة بجوهرها، لكنّها عميقة في ما تريد إيصاله.
يوسف المحيميد هو روائيّ لا يشبه أحدًا، اختار زاوية قصّ خاصّة به، بعيدة عن كلّ ما يُكتب ويُقرأ.
ملاحظة: استضفنا الكاتب في نادي صنّاع الحرف للقراءة وناقشناه في العمل
يحدث احياناً دون ترتيب ان اختار ٣ او ٤ كتب لقراءتها في نفس الوقت أتنقل بينها في فترات اليوم الواحد - فضاوة - الممتع ان تتواطأ لأجلك الكتب وهذا ما حصل عندما قررت ان اختم عام ٢٠٢٢ مع المفضلين لدي من كُتاب خليجيين وهما المرحوم #خالد_البسام #حكايات_من_البحرين و #يوسف_المحيميد #رجل_تتعقبه_الغربان فكانت متعة مزدوجة أنا أعلم ان الكتب تكافأني
الرواية حصلت على استثناء سخي مني، أولًا في أدب الأوبئة لحداثة الذكرى ثم للمؤلف؛ معلومًا عني أنني لا أطيق أسلوب حشر المساوئ في رواية ذات القطع الصغير منه. لكن، أعلل ذلك في أن أخيرًا أحكم أسلوبه الأدبي في قصة محفوفة الجوانب بأبعاد حقيقة رغم الغموض في تصوّر المقصد فضلًا عن أن تأخذ بُعدًا فلسفيًا لا مفسر.
اسم الكتاب: رجل تتعقبه الغربان المؤلف: يوسف المحيميد الصفحات: 183 رقم الكتاب: 279
هذه رواية رائعة، تحاكي المستقبل، والحاضر والماضي، تبدأ حكايتنا من عند سليمان الزارع، "الجد" في سنة 2048 عندما اجتاحت العالم موجة من الأعاصير الثلجية الشديدة، مثلما عاصر فيروس كورونا في 2020، وكما عاش أبوه سنة الجدري، وكورونا، وكذلك جده، سنة الرحمة والجدري.
تأخذنا الرواية من خلال زاويا تاريخية متعددة، بين ماضٍ نحكيه لنعرف عما عصف بنا من جوائح، ومصائب ومصاعب عاشها الأجداد، وبين حاضرٍ يعيش في مصيبة مرضية عالمية، ومستقبل يعيش أخرى مماثلة.
تبدأ من عند عائلة الزارع، بالذات سليمان، الذي يحدثنا عن ماضيه، وماضي أبيه وجده مع الأمراض في نجد، تلك الفاتنة الصحراوية الحسناء، التي تعرضت إلى كثير من الأمراض الفتاكة، وسنوات الجوع والقحط والارتحال عنها، إلى بلاد الله الواسعة. وتأخذنا بلمحات عن حياة الأب والجد وعن كفاح عم الأب واستشهاده في فلسطين، حرب ٤٨، وعما حدث وقتذاك، والذي سيحدث بعدها. إلى آخر الرواية وأحداثها.
قرأت قبل أيام أول عمل قصصي للمحيميد، وكان بعنوان ظهيرة لا مشاة لها، ولكني أعتبر هذا العمل الروائي مدخلاً رسمياً له، خاصةً بعد أن ظلت الرواية وعنوانها يثيران فيّ رغبة قراءتها، وهذا ما حدث، واستمتعت جداً بهذا العمل الرائع. التشبيهات والوصف، ودقة العبارات والأحداث، كلها رائعة، ومميزة. عمل لا يُنسى فعلاً!
اقتباسات: "لم يحافظ على شيء؛ حتى بلاده التي انفرطت بين يديه بغتةً كمسبحة في هاوية."
"الإنسان حبيس حكايته، قد يتورط إذا قصّها لأحدٍ بألا يخرج منها أبداً."
"كنت أظن أنه لم يحبها يوماً، فلا شيء يجمع بينها سوى الصمت، لكنني أدركت آنذاك أن الصمت بينهما لساعات طويلة هو أعلى درجات الحكي، كانت تفهم كل نأمة تصدر منه، كل حركة، التفاتة، رمشة عين، حتى أنفاسه الرتيبة تقرؤها بطريقتها الخاصة."
"هكذا كانت معاليق قلبه، تشتعل وتصبح لهيباً قبل أن يذوي."
رواية (رجل تتعقبه الغربان) للروائي السعودي البارز يوسف المحيميد رواية صغيرة حجمًا، كبيرة أثرًا، ولا تخلو من شيء من التعقيد تركيبًا، فهي تتنقل عبر ثلاثة أزمنة هي الحاضر والماضي والمستقبل، وتربط بينها بخيوط خفية في البدء، ما تفتأ أن تتوضح لتكتمل الصورة وتتغلق الدائرة لدى النقطة الزمنية التي بدأت منها. الشخصيات عديدة والأحداث كثيرة بحيث يحتاج القارئ لأن يكون في أعلى درجات التركيز كي لا يفلت من يده خيط السرد المحكم النسج.
وإن كان هناك من ثيمة طاغية على الرواية فهي الأوبئة التي طالما ابتلي بها الإنسان في هذا العصر، بل في كل عصر، وإن كان الحضور الأبرز في هذه الرواية هو لوباء كورونا، أقربها إلينا وأكثرها مساسًا بنا. وقد وفق الكاتب كثيرًا في توصيف تفاصيل الحياة تحت وطأة هذا الوباء الذي امتدت سحابته السوداء فوق رؤوسنا جميعًا في تجربة لن يطويها النسيان بسهولة، والأرجح أنه لن يفعل ذلك أبدًا.
وعلى الرغم من كونها رواية أحداث وحبكة محكمة إلا أنها لا تتخلى ولا تتنازل عن جمالية التعبير وصفاء اللغة التي تجنح لشيء من الشعرية والشعرنة في كثير من عباراتها وصياغاتها، بل وحتى في عناوين فصولها وأقسامها، وهذا الأمر ليس مستغربًا من يوسف ولا جديدًا عليه بالطبع، فهو سارد مفتون بالشعر منذ بدايات انشغاله بالكتابة عمومًا وكتابة السرد على نحو خاص، وهو وإن لم يقدم نفسه بوصفه شاعرًا إلا إن له من الكتب ما يمكن أن يدخل في هذا الإطار مثل (لا بد أن أحدًا حرك الكراسة)، و(تلك اليد المحتالة) حيث تقف نصوص هذين الكتابين على التخوم ما بين القصة القصيرة جدًّا المغموسة في ماء الشعر وقصيدة النثر المتكئة على مكونات السرد. رواية مهمة وتستحق القراءة والإشادة بها. صدرت الرواية في طبعتها الأولى عن دار العين للنشر في 2023.
❞ أنا سليمان الزارع، أو سليِّم كما يسمونني، يصغِّرون اسمي احتقارًا، فأنا مجرَّد رجل حقير، لم يستطع أن يحافظ على شيء، لا امرأة استطاع أن يُخرَسها حين تعصف به مجنونةً كالريح ، ولا أُمّ ردَّ عنها الأذى والألم ، ولا أب استطاع أن يُغسِّله، ويُكفِّنه، ويُقبِّله، أو حتى يلمسه قبل دفنه، كل ما فعله أن تأمَّله من وراءِ زجاجٍ سميكٍ وهو يُحتضَـر، لم يحافظ على شيء، حتى بلاده التي انفرطت بين يديه بغتةً كمسْبَحَةٍ في هاويةٍ ❝
عن سليمان كانت الحكاية ما بين مستقبل قريب ، حاضر مازال يرمي بظلاله ، و ماضٍ بعيد يروي سليمان عن نفسه ، عن أبوه ، و عن جده .. تاريخ كان الوباء فيه البطل ما بين كوليرا ، جُدري ، إنفلونزا إسبانية ، كورونا .. و كان الإنسان هو الحكاية على اختلاف الزمن .
عن الوطن بماضيه و حاضره ، الحرب و الخديعة ، الأرض الهشة و الحياة الخادعة ، و عن إنسان ظن أنه خالدٌ فيها فجاءه الموت على أهون سبب .
رواية خاطفة ، بكتابة جميلة ، و تنقل بارع بين الأزمنة ، وصف يلمس القلب ، و رؤية تستدعي التأمل .
قرأت هذه الرواية مع نادي صناع الحرف، احساسا مني بالواجب ، تابعت قراءتها الى النهاية لتكون نهايتها منسوجة بعناية و اتقان ادهشاني. تبدأ الرواية سنة ٢٠٤٨ مع حجر منزلي بسبب العاصفة الثلجية و تأخذنا بعدها الى : ٢٠٠٠ مع كورونا، و حقبة اخرى مع الحمى الاسبانية و الحقبة الاهم و هي حقبة ١٩٤٨ و حرب فلسطين. قرأت حقبات الاوبئة بملل شديد و استعجال ، فلم اكن يوما من هواة هذا النوع من المواضيع ، عدا رواية حب في زمن الكوليرا، لم اجد رواية عن الاوبئة جذبتني. الفصل الاخير عن ١٩٤٨ تعيدنا الى فترة زمنية مشرفة في تاريخ العرب، حين هب الكل، بقلب واحد، نصرة لفلسطين، و لم يكن يملكون شيئا. لا المال و لا البترول و لا تدريب عسكري. حفنة صغيرة من الشرف و الحمية كانت كافية لدفعهم و كما يقول حمد، احدى شخصيات الرواية التي استشهدت في فلسطين: " كل بيت في القدس بيتي" احدى اقوى التعابير كانت " خسرنا فلسطين بالخيانة". كان لفصل فلسطين وقعا خاصا على قلبي، جعلني احب الرواية، و مناقشتها مع نادي صناع الحرف سمح لي برؤتها من منظار اوسع و اشمل من تفاصيل كورونا المملة لمن عايشها.
تنويه: هذه المراجعة كانت ضمن مناقشة النص بنادي صنّاع الحرف بتاريخ 10/08/2025 الأسلوب : أبدا لم تكن الحروب الوسيلة الوحيدة لتغيير الخرائط الجيوسياسية والاقتصادية وحتى الديمغرافية في العالم. كانت هناك الأوبئة سببا أقسى لإعادة هيكلة موازين القوى وتغيير مسارالتاريخ . فمن أول وباء مدوّن عرفته البشرية وهو وباء أثينا سنة 430 قبل الميلاد وصولا إلى كوفيد ضل الانسان يحارب لعنة الأوبئة، يهزمها تارة وتهزمه تارات. رجل تتعقّبه الغربان للكاتب السعودي يوسف المحيميد، هذه الرواية القادمة من أزمان مختلفة جاءت لتنعي البشرية في حربها المميتة مع الفايروسات وستقرأ بداية نعي النظم المنهارة والانسان المنهار مثل رغوة في أول تقديم للرواية بمقولة جاك لندن تلك .. أما بالنسبة للتقنية والأسلوب المتبع في كتابة هذا النص سأتطرق لبعض النقاط وهي : 1/ تقسيم الفصول وعنونتها : الرواية وبصفحاتها 181 جاءت مقسمة لتسع أقسام تطول وتقصر وكل قسم ماعدا القسم الأول انضوت تحته فصول تقل وتكثر. أطول الأقسام كان القسم الثاني المعنون ب كيف احرك يدي الحجرية ب 31 صفحة أما أقصرها هو القسم التاسع ب 3 صفحات. أما أكثر الأقسام فصولا فكان القسم الخامس بتسع فصول وأقلها القسم التاسع بفصل واحد، كان بمثابة خاتمة . الواضح أنه لم يكن هناك توازن في التقسيم على الميدان ولكن ذلك أبدا لم يؤثر على النص لأنك عند القراءة ستحسّ أن الكاتب لم يبتر شيئا ولم يستزد في شيء مما يخلق في داخلك شعور التوازن اتجاه الفصول والأقسام .. أما بالنسبة للعنونة ..فحقيقة مرّ وقت لا بأس به مذ التقيت بعناوين تروقني لهذه الدرجة ..كانت مصمّمة بعناية خيّاط ماهر بحيث اذ لبستها الفصول كانت على مقاسها بالإنش ... عند تأملي فيها كنت اقول وكأنها عناوين قصص قصيرة ولما وصلت الصفحة الأخيرة لأقرأ سيرة الكاتب قلت: إن عرف السبب بطل العجب. وطبعا لن أنتقل للنقطة الثانية دون التنويه بالتكنيك المستعمل في النقلات بين الفصول فقد كان بارعا مما خلق تناغما متواصلا بينها .. فغالبا وعندما يكون ضروريا كانت نهاية كل فصل تقودك لبداية الفصل الموالي ..أما أجمل النقلات وأكثرها رمزية وقد أثرت بي كثيرا فكانت كيفية الخروج من قسم الخامس ص 127 الذي كان عام 1945/ 1950 اذ يقول: لماذا تطلع يا حمد من ارضك / لادفع الظلم عن اهلي / لماذا تترك يا حمد بيتك / لان كل بيت في القدس بيتي ثم الدخول للقسم الموالي بالصفحة 131 الذي يكون في 2020 بالمقدمة التالية : ليه طالع / ارجع للبيت / وارسم / ليه طالع / ارجع للبيت واطبخ / ليه طالع ارجع للبيت والعب رياضة هذا الربط بين الماضي والحاضر، كيف كنا نهتم لقضاينا المشتركة ولأخينا الانسان والآن أصبحنا كلّ في قوقعته، مغلق عن نفسه باب بيته. كانت رمزية قاسية وموجعة جدا . 2/ الرواي : برواية رجل تتعقّبه الغربان تمّ اسناد عملية السرد لاثنين ..راو عليم وراو مشارك وبرأيي لم يكن هناك أكثر منطقية ولا أكثر ملائمة من هذا الاختيار الذكي : تم توظيف سليمان ليقوم بدور الراوي المشارك فيتسلم الفصول الواقعة بالعام 2020 ..أما الراوي العليم فقد تسلم مهام السرد في الفصول الواقعة في الماضي البعيد وحتى في زمن 2048. استعمال الراوي العليم وسّع الدائرة الزمانية والمكانية في الحكي ولو كان الكاتب اختار سليمان ليسرد المتن ككل كانت ستضيق هذه المساحة وتختنق، ولو اختار الراوي العليم ليسرد فقط كنا سنفتقد صوت سليمان الذي خلق الكثير من الحميمية وأضاف تنويعا وغنى لطيفا جدا داخل النص. فقط كان هناك خطأ بسيط للغاية ولا أظن أن أحدا سيتوقف عنده لبساطته وهو بص 159 الفقرة الثانية السطر 4 يقول: وهي تخبرنا انها تركت ابنها وزوجته في مخاضها والصحيح أن يقول: وهي تخبرهم ..لأن الراوي العليم من يسرد. 3/ المكان : رغم قصر الرواية فقد كان عنصر المكان واسعا ومتطرقا له بشكل جميل، رأينا علاقة البشر بأرضهم، علاقات تتسم بالخوف تارة فكانوا يهربون منها درءا للوباء، وتتسم بالقلق تارة فيلتصقون بها وبجدران بيوتهم ونوافذهم درءا للوياء أيضا، وتتسم بالوفاء فيبيعون أروحهم في سبيل استرجاعها .. في هذه الرواية تجولنا في أسواق الرياض واستغرقنا في سحر صحراء وتنسمنا روائح الشرق كما أننا عقدنا صلة قرابة بالنخلات الشامخات التي سقط قلبي معها عندما تم اقتلاعها كعجائز مضحوك عليهن لتغيير معالم الأمكنة والتي كانت رمزية قوية في التغيرات العميقة التي تمس المجتمع السعودي. 3/ الزمن : الزمن في هذا النص كان نقطة ارتكاز لأن الرواية أقامت أركانها وجدرها عليه تم استعمال ثلاث أزمنة بشكل متوازي حاضر والمتمثل في الوقت الذي يتواجد فيه سليمان العام 2048 والذي يعتبر مستقبلا بالنسبة لنا ..ماض بعيد بالنسبة لسليمان وهو العام 2020 وقريب نسبيا بالنسبة لنا وماض بعيد جدا بالنسبة لسليمان وبالنسبة لنا كذلك.. .. تناوبت الأزمنة بشكل سلس مما خلق حيوية وخفة واضحين، لتتم في الاخير عملية ثني خط الزمن لتتوضح معالم تقنية الزمن الدائري.. كما كانت هناك تقنية الاستباق فقد رأينا الكثير من الأحداث التي ذكرت نهاياتها مسبقا دون أن تضر بالرواية ...الدقة الزمنية أيضا كانت حاضرة تتبعتها بالورقة والقلم فكانت مضبوطة على البكلة كما يقول صديقي سليم، شي واحد خالف الدقة وهو التالي: ذكر في ص 133 س 8 أن الوالد كان بالسبعين لما توفيت زوجته وهو المولود عام 1933 أي عند احتضاره ووفاته عام 2020 كان بعمر 87 أي أن الفارق بين موتهما 17 سنة ولكن الرواية تصور لنا أن الفارق بينهما قليل هذا من جهة ومن جهة أخرى أن الكاتب نسي هديل صغيرة ولم يجعلها تتقدم في السن فهي قد حضرت وفاة جدتها أي أن عمرها أكثر من17 عاما ..باعتقادي كلمة السبعين تلك أخلطت اوراق الزمن .. في المحصلة أقول أن اختلاف الأزمنة في الرواية وتوحّد أحداثها الأبرز بالنسبة لي كان خطابها ورسالتها الأكبر لنا كقراء...أن الزمن لا يغير شيئا من هشاشة الانسان ان كان في 2048 أو عام 1918 سيبقى هذا الانسي ضعيفا ضد أتفه وأصغر الكائنات المجهرية فما بالك بأشياء أخرى. / اللغة: اللغة وعاء النصوص الأدبية والأم الشرعية لها ...في رواية رجل تتعقّبه الغربان وإن أردت وصف لغتها واختيار كلمة واحدة تختزلها أو كلمتين لأكون كريمة أكثر ستكونان البساطة والصدق ..نعم إنهما كذلك. بساطة على مستوى التراكيب، وصدق عميق لا تملك أمامه إلاّ أن تتأثر به ...وأن تكون لغتك بسيطة وتستطيع من خلالها أن تحدث الأثر الكبير لهو من أصعب الأمور وأشقّها، هو أمر لا يمكن أن تصطنعه فإما أن يكون موجودا فيك أو غيرموجود...الراوي في ص 152 متحدثا عن صالح منتظرا شقيقه حمد يقول: يكفي أن يحتفظ بالامل، أن يخبئ الامل في جيوبه ويرفعه منها كلما نوى غسل ثوبه لئلا يغسله بالخطأ ...بكلمات بسيطة وسهلة جدا خلق فكرة بالغة الحساسية عن الامل جعلتني أتأمل وأستغرق فيها كثيرا .. لغة رجل تتقبه الغربان كانت لغة ملتصقة بالشخصيات، فالكاتب برأيي عدّد مستويات اللغة فكان بإمكاني التمييز بين لغة سليمان ولغة الراوي العليم واللغة المستخدمة في الحوارات بين الشخصيات...كانت لغة ملتصقة بالبيئة و بالأحداث .. معها ستقطع الصحاري رفقة قافلة المعاقيل، ستزور المستشفى رفقة الأب المريض وستُحجر رفقة سليمان حتّى الملل من بعضكما . كانت لغة بصرية فالكاتب امتلك موهبة رسم المشاهد ليجعلها حيّة ماثلة أمامك. كانت لغة روتينية ولعل كثيرا من الأصدقاء أحسوا التكرار في الفصول المتعلقة بوباء الكورونا ولكن أيوجد أكثر صدقا من لغة روتينية مكررة في وصف ماعاشته البشرية وقت الوباء ؟. كانت لغة مشاعرية ماذا عسايا أقول أوأترك من الجمل والفقرات التي أثرت بي كيف ضخ ذلك الزخم اللغوي المشاعري داخل المشاهد، عشت شعور الدهشة عندما التقى صالح ومحمد بالتفاح لأول مرة، شعور الفزع لما سقط الرضيع داخل كومة الخشب، شعورالفقد لما قرأ محمد لصالح اسم حمد شهيدا، شعور الحب في رجفة أبو سليمان العجوزعند مرض زوجته، شعور الوفاء لما بقي محسن مع فاضل يذود عنه، شعور الشجاعة والانتماء لما ذهب حمد للدفاع عن فلسطين. في المحصلة كانت لغة مكتملة الصنعة أشكر الكاتب جزيل الشكر عليها الأفكار والرمزيات: أريد أن أضيئ و باختصار شديد جدا على بعض الأفكار التي قد تكون فرعية وعن بعض الرموز : 1/ الفكرة الأولى وهي استعمال الطيور في المتن .. بالنسبة لي الطيور كانت لها رمزية قوية داخل الرواية فقد ربطها الكاتب دائما بأحداث وبشعور معين . مثلا تم استعمال الغربان في النص مرادفا لليأس للقلق للمرض وللهشاشة وللنهايات ...كما تمّ استعمال الحمام والعصافير ليشكل لوحات عن الأمل و الحياة. لمسنا ذلك منذ بداية النص عندما جلب سليمان تلك اللوحة التي كانت العصافير جزءً منها وعندما استلمها كانت العصافير غير موجودة كرمزية فقدان ذلك الخيط من الأمل . رأينا هذا الترادف واضحا في فصل انها الحمى ص 69 اذ يقول في الفقرة الاخيرة السطر الثاني: الغربان التي تحلق وتحط على (شرف) بيوت بلا أبواب ثم مباشرة في الفصل الموالي ص 71 يقول في س الاول الرياض تصحو باكرا حمامها يحط على (شرف) بيوتها الطينية العالية. ثم يصف مظاهر الحياة في الاسواق نكيف ربط برمزية وجمالية بين المشهدين وهو من النقلات التي أعجبت بها كثيرا . 2/ فكرة توظيف الشجر والنخيل كرمزيات كان جميلا، رأينا مثلا كما اخبرت سابقا كيف أن اقتلاع النخيل كان كرمزية لتغيير معالم المكان. 3/ فكرة التطور الوهمي او على الاقل التطور الهش الذي تعيشه البشرية اذ أن اي شيء بسيط كفيروس لايرى بالعين المجردة قادر على هزيمة كل هذا التطور ..يقول في ص 94 الفقرة الثانية احسست اني زائد عن الحاجة وان العالم لم يتغير منذ مائة عام وأكثر الخ 4/ احببت أيضا فكرة المقارنة بين الماضي والحاضر من ناحية الأخلاق الانسانية التي دهورت، رأينا كيف أن محسن ومع أن رفيقه فاضل مريض لم يتخلى عنه، بينما سليمان عندما مرض صديقه نبيل أصبح يجري منه كالمجنون حتى أن نبيل لم يحزن أو حتى يفكر بالأمر لأنه الشي المعتاد بزمننا للاسف . التقييم: بالنسبة لعلاقة النص بثيمة العام للنادي أزمات المدن والأوطان فمؤكد هناك علاقة وطيدة رأينا شيئا جديدا هذه المرة وهو أزمة الأوبئة وتأثيرها على المدن والأوطان .. بالنسبة لنقاط الضعف لم تكن هناك نقاط ضعف تقريبا، كانت هناك واحدة فقط وهي الطريقة التي تمت فيها معالجة نهاية قصة حمد ..برأيي أن الكاتب أوصلنا للذروة في قصة حمد لما عرفنا استشهاده عندما قرأ محمد علينا رفقة صالح اسمه في قائمة الشهداء، كان مشهدا تقشعرّ له الأبدان كان مشهدا موجعا جدا وودت لو كانت لي القدرة لعبور الورق لأربت على كتف صالح ووددت أيضا لو تنزل الستارة على القصة بذلك المشهد ... ولكن عندما تجد أن الكاتب عاد اليها مرة اخرى ليشرح ويفصّل أحسست أنه أضاع علي متعتي فقد أحسستها ممطوطة كثيرا . بالنسبة للمشهد الذي اخترته كان المشهد في الفصل قبل الاخير ص 174 175 وكيف دمج الازمنة كلها مستقبل وحاضر وماض بمشهد اخاذ مستعملا منظاره الروسي . التقييم هو 9 نجوم.
رواية تتنقل بنا بين ثلاثة أزمنة، الماضي والحاضر المليء بالأوبئة الجدري وكورونا، والمستقبل حيث الرجل الهارب من الغربان التي تلاحقه في كل مكان، والحياة المتغيرة.
لما قرأت عن فكرة انطلاقها من فكرة الزمن شدتني للرواية أكثر. رواية خفيفة لطيفة. انطلقت القصة من المستقبل / الحاضر/ الماضي. هذا الخط الزمني الذي طوق القصة ربما كان مستلهما من فكرة نيتشه العود الأبدي "البدء/اللحظة"…لكنها لم تقترب منها. كانت تفتقر القصة للتدفق الغزير في سرد الأحداث خاصة التاريخية وتلك المرتبطه بالأوبئة والناس . كان لأحداث تاريخية مسحة سطحية دون أي تفاصيل ولم تأخذنا المواقف الإنسانية في العمل لأي تكثيف شعري إنساني. فكرة الزمن لو وظفت بفنية إبداعية و رؤية عميقة لخرج عمل ملحمي إنساني تاريخي فلسفي.
هل نحن حين نبكي موتانا ، نبكي فقدهم فعلاً ، أن نبكي أنفسنا إذ نتذكر الموت ؟ هل موت أبي ذكرنا بالموت الذي يُلاحقنا كلما هربنا منه ؟ فظللنا نبكي عليها أو علينا .
أسلوب أدبي مدهش ، رواية عن عالم موبوء ، يستعرض الكاتب حياة اكثر من شخص مع الأوبئة ، وكيف كان التعامل معاها في سابق الزمان و حالياً ، توظيف المأساة اتي جيد للغاية . رواية ستدهشك بتفاصيلها .
من المعاناة يتولد الإبداع، فقد أبدع.. الرواية يقال فيها الكثير الكاتب يوسف المحيميد في روايته رجل تتعقبه الغربان من هذا المنطلق، حيث الشخصية الرئيسة في روايته تعاني من الألم النفسي بسبب تعقب الغربان لها، وبعد الناس عنها، ونفورهم منها، والكاتب هنا اتكأ عل الرمز؛ فالغراب رمز للفأل السيء