بعد أيّامٍ قليلة تشكّلت لديّ صورةٌ سرياليّة عن مدينة مُوسْكُو، وكأنها رجُلٌ بدين، عندما يمشِي تُزعجُهُ نظراتُ النّاس، كونُه يرتدي معطفًا من بقايا معركة ستالينغرَاد، وينتعلُ حذاءً خشنًا من جلدِ دُبّ قطبيّ، ويضعُ قبّعةً من قُماشِ القُوقاز، ويسعلُ كمعتقلٍ قضى عشرين عامًا في زنزانة بئيسَة بسيبيريَا. هكذا رأيتُ هذه المدينة التي لم تكنْ منشرحةً كرُوما أو مدريد أو تونس. قال لي طلحَة وهو طالبٌ يمنيٌّ، من عَدن، متّقد الذّكاء، تعرّفتُ عليه في معهد تعلّم اللغة الرّوسيّة وتاريخ ومعالم الاتحاد السوفياتي: "إنّهم يتخلّصُون من إرثِ عجائز الكريمْلين، ولا أعتقدُ أنّ الأمر سيعمّرُ طويلاً. أرهقُوا أنفسَهم في حرب أفغانستان، وحمايةِ جمهورياتٍ لا يؤمنُ أغلبُها بالمبادئ الحُمْر، وخلفَ الحدود يمارسُ الغربُ إغواءَاتِه مثل مارلين مونرُو، ويفتحُ في كلّ جدارٍ ثغرَة، ويقول لشعُوب الاتحاد التي تنتظرُ مُعجزة: "لن تنعمُوا بشيءٍ اسمهُ الحريّة إلاّ إذا أسقطتم جُدُران الإسمنتِ والوَهم معًا".
عزالدين ميهوبي من مواليد1959 (أيام الثورة الجزائرية) بالعين الخضراء (ولاية المسيلة). جده محمد الدراجي أحد معيني الشيخ عبد الحميد بن باديس في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كان قاضيا بالثورة التحريرية. أما والده فهو جمال الدين أحد أعيان الحضنة، مجاهد وإطار متقاعد.
التدرج الدراسي والمؤهلات العلمية
درس في الكتّاب بمسقط رأسه، والتحق بالمدرسة النظامية في 1967 بمدرسة عين اليقين (تازغت- باتنة) في السنة الرابعة ابتدائي، ثم انتقل إلى مدرسة السعادة ببريكة، ومنها انتقل إلى مدرسة لسان الفتى (تازولت- باتنة) ومتوسطة عبد الحميد بن باديس (باتنة)، ودرس بثلاث ثانويات هي الشهداء (عباس لغرور بباتنة، ومحمد قيرواني بسطيف، وعبد العالي بن بعطوش ببريكة) حيث حصل على شهادة الباكالوريا آداب.
1979: المدرسة الوطنية للفنون الجميلة (الجزائر) ثم معهد اللغة والأدب العربي بجامعة باتنة (درسة متقطعة). 1980- 1984 : المدرسة الوطنية للإدارة بالجزائر (ديبلوم تخصص الإدارة العامة). 2006- 2007: جامعة الجزائر (ديبلوم في الدراسات العليا المتخصصة- فرع الاستراتيجيا).
الوظائف المتقلدة 1986- 1990: رئيس المكتب الجهوي لصحيفة الشعب الجزائرية بسطيف. 1990- 1992: رئيس تحرير صحيفة الشعب (أول صحيفة يومية بالعربية بعد استقلال الجزائر). 1992- 1996: إدارة مؤسسة إعلامية خاصة (أصالة للانتاج الاعلامي والفني) مقرها بسطيف، أصدرت صحيفة "الملاعب" وبعض الكتب الرياضية. 1996- 1997: مدير الأخبار والحصص المتخصصة بالتلفزيون الجزائري. 1997- 2002: نائب بالبرلمان الجزائري (المجلس الشعبي الوطني) عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي. 2006- 2008: مدير عام مؤسسة الإذاعة الجزائرية. 2008 2010 -: كاتب دولة للاتصال بالحكومة الجزائرية. 2010- 2013: مدير عام المكتبة الوطنية الجزائرية 2013- ........: رئيس المجلس الأعلى للغة العربية مواقع أخرى رئيس اتحاد الكتاب الجزائريين منتخب منذ مارس 1998 (أعيد انتخابه في ديسمبر 2001إلى 2005). عضو مجلس الأمناء لمؤسسة البابطين من 2000 -2007. نائب الأمين العام للإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب منذ 1998 حتى 2003.. رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب (ديسمبر 2003- أكتوبر 2006)
المؤلفات والإصدارات في البدء كان أوراس (ديوان شعر) عام 1985. منشورات الشهاب، باتنة. الرباعيات (ديوان شعر) 1997، منشورات أصالة سطيف. الشمس والجلاد (نص أوبيرت) 1997، منشورات أصالة سطيف. اللعنة والغفران (ديوان شعر) 1997، منشورات أصالة سطيف. النخلة والمجداف (ديوان شعر) 1997، منشورات أصالة سطيف. ملصقات (ديوان شعر) 1997، منشورات أصالة سطيف. خالدات (نصوص تمثيلية) 1997، منشورات أصالة سطيف. سيتيفيس (نص أوبيريت) 1997، منشورات أصالة سطيف. حيزية (نص أوبيريت ) 1997، منشورات أصالة سطيف. A Candle for my Country مترجم إلى الأنكليزية عام 1998، منشورات أصالة سطيف. كاليغولا يرسم غرنيكا الرايس (شعر) مترجم إلى الفرنسية والإنكليزية 2000 ، منشورات أصالة سطيف. عولمة الحب عولمة النار (شعر) 2002 . (طبعتان) ومترجمة إلى الفرنسية ، منشورات أصالة سطيف. Mondialisation de l'amour, Mondialisation du feu (عولمة الحب، عولمة النار) ترجمة نصيف العابد إلى اللغة الفرنسية، عام 2002، منشورات أصالة.
التوابيت "رواية" 2003 ، منشورات أصالة سطيف. قرابين لميلاد الفجر (شعر) 2003، منشورات أصالة سطيف. ومع ذلك فإنها تدور (مقالات) 2006 ، منشورات المحقق الجزائر. طاسيليا (شعر) 2007 ، منشورات دار النهضة العربية، بيروت. منافي الروح (شعر) 2007، منشورات تالة، الجزائر. اعترافات تام سيتي (رواية من جزئين) 2007، ، منشورات تالة، الجزائر. لا إكراه في الحرية (مقالات) 2007، ، منشورات تالة، الجزائر. أسفار الملائكة (شعر) 2008، ، منشورات البيت، الجزائر. اعترافات أسكرام (رواية) 2009 ، منشورات البيت، الجزائر. confessions d'assekrem (اعترافات أسكرام) ترجمة مهنا حمادوش إلى اللغة الفرنسية. منشورات القصبة، الجزائر. Tora Bora (فصل من اعترافات أسكرام) ترجمة عمر زياني إلى اللغة الانكليزية. لم يطبع. الرباعيات quatrains(ديوان شعر باللغتين العربية والفرنسية ترجمة جيلالي عطاطفة) 2011، منشورات حبر، الجزائر. ما لم يعشه السندباد (رحلات) 2011، منشورات الشروق، الجزائر.
الإنتاج الفني
أوبيريت "مواويل الوطن" إنتاج التلفزة الجزائرية عام 1984. أوبيريت "قال الشهيد" إنتاج مركز الثقافة والإعلام بالجزائر عام 1993. أوبيريت "ملحمة الجزائر" عمل مشترك إنتاج مركز الثقافة والإعلام بالجزائر عام 1994. أوبيريت "حيزية" إنتاج مركز الثقافة والإعلام بالجزائر عام 1995. أوبيرت "ملحمة سيتيفيس" إنتاج دار الثقافة بسطيف عام 1995. أوبيري
قادتني دواعي ثيمة العام في نادي صنّاع الحرف للقراءة "أزمات المدن والأوطان" إلى رواية "رقصة أوديسا" الصادرة عن دار العين للنشر. وكم أنا سعيد بهذه المصادفة الحلوة. تبدأ الرواية بالذروة ومن ثمّ تهبط إلى السفح... أو ربّما البحر! لتعلو مجدّدًا كأنّك تقرأ تقريرًا إي سي جيًّا لتخطيط القلب. وكما فتح أيّوب عينيه بعد حادثة القارب تائهًا في أرضٍ لا يعرفها، فتحنا نحن القرّاء أعيننا على نفس الحادثة نلملم التفاصيل من هنا ومن هناك لندخل سكّة السرد ونكابد مع أيّوب في رحلته العجيبة المليئة بالأوجاع. تبدأ الرواية بمأزق أيّوب العالق في جزيرة إسبانيّة بعيدًا عن زوجته الحبيسة بدورها في آزوفستال، وابنته المتواجدة في روسيا. ومن هنا ينطلق مثلث الحدث. ليبدأ ميهوبي بالتدريج من خلال السرديّات الكاشفة في بناء الصلة التي تجذّرت بيننا وبين هذا الراقص... الفنّان... الأب.... الزوج... الذي انتعل البحر ومشى... الرواية تجسّم الظلم الذي يتعرّض له البشر في الحروب، طارحةً الكثير من الأفكار السياسيّة والاجتماعيّة التي كانت تسود فترات كثيرة ومتباعدة في التأريخ الروسي، الأوكراني، الأوروبي والجزائري، بدءاً من الثورة البلشفيّة، مرورًا بالحرب العالميّة الثانية، خلافات روسيا مع الأطلسي، وصول غورباتشوف للسلطة، العشريّة السوداء، وانتهاءً بالحرب غير المنتهية بعد بين روسيا وأوكرانيا.
شخوص الرواية: انقسمت شخوص الرواية إلى ثلاثة أقسام: شخوص حقيقيّة مثل رودولف رونييف وغورباتشوف، شخوص متخيّلة أساسيّة في العمل: أيّوب وكلاريسا، وشخوص ثانويّة: ركّاب القارب وعائلة أيّوب وكلاريسا. لم تتعدّ شخصيّة على مساحة آخرى، كلّ أخذ نصيبه المستحقّ. وهذا يُحسب للكاتب. فكانت الشخوص تظهر وتختفي ببراعة، في الوقت والمكان المناسبين. الشخصيّات الحقيقيّة كان لها دورًا منوطًا في العمل، فنورييف هو رمز انتصار أوروبا على روسيا والذي كان أيضًا ضد الاستعماريّة الفرنسيّة برفضه للجوائز الفرنسيّة، وغورباتشوف هو رمز الفشل الفكر الروسي بالخروج من قوقعة النمطيّة القيصريّة. أحبُّ الحديث عن أيّوب وكلاريسا، فنحن هنا أمام شخصيّتين أساسيّتين تواجه كلّ منهما موقفًا صعبًا بحثًا عن الآخر ليشاطره أحزانه، فأيّوب يلجأ إلى البحر، والصخرة، وفأره أيغور، وكلاريسا تلجأ إلى الجدار تنقش عليه بأظافرها المُنهَكة وجع كمنجتها. بالطبع كانت قصّة أيّوب أعمق في مأساويّتها ودلالاتها المكانيّة والفيزيائيّة، وأخذت الحيّز الأكبر من الرواية نابضةً بالصدق والحيويّة الروائيّة والحركات التقنيّة في أسلوب السرد الذي تراوح بين الروي بأسلوب الضمير المتكلّم، انتقالًا إلى التشظّي الزمني والمكاني، مرورًا بهلوسات سرديّة تجسّدت برغبة أيّوب خلق عالمه الخاص الذي يحكم فيه البحر والأسماك، وهنا نلاحظ تشظٍ آخر أبعد من الزمان والمكان، وهو تشظّي الذات ما يرسّخ وحدته في البحر داخل تابوت في قاربٍ متهالك، فشخصيّة أيّوب بعيدة كلّ البعد عن كونها شخصيّة قياديّة تناجي السلطة. أودّ الإشارة إلى أنّ الكاتب برع في رسم شخصيّة ثانويّة لكنّها شديدة التعقيد في العمل وهي شخصيّة "إيفان"، وكيف تحوّلت هذه الشخصيّة بصفحتين ليس إلّا من شخصيّة حالمة بدراسة الذكاء الاصطناعي إلى مقاتل همجي في الحرب الروسيّة الأوكرانيّة: "يشهد لي رؤسائي بالمهارة والدقّة. في حوزتي ما يفوق ثلاثين ضحيّة." فإيفان الذي كان يتباهى بما يريد أن يدرس، أصبح يتباهي بعدد قتلاه... "عندما أضغط على الزناد، وتتّجه الرصاصة نحو الهدف، يصير الموت أشبه بقطف زهرة."
أسلوب الكتابة: أستطيع أن أجزم أنّ رواية "رقصة أوديسا" تندرج في خانة "الآدب الواقعي" سردًا على الأقل، ولأسباب كثيرة أهمّها أنّ الكاتب لم يهتم بسرد المثاليّات، فحتّى شخصيّة أيّوب عانت من بعض الأنا والأنانيّة عندما أراد إنشاء مملكة يحكمها لوحده ولم يرد حتّى الفأر أن يشاركه بها، والسبب الآخر أنّ الكاتب استمدّ تفاصيله من الحياة العاديّة المعاشة كثيرة الحدوث، وتحديدًا فكرة "العالق في الحرب"، "والعالق في قارب غارق"، فكم عائلة عربيّة وغير عربيّة غاصت في كثبان الهجرة غير الشرعيّة هربًا من حرب أو بحثًا عن مأزوم؟ يبرع ميهوبي أيضًا بإخفاء الموقف والتركيز على تصوير آثاره، فحادثة غرق القارب لم تأخذ إلّا القليل من الرواية، ربما لم تتجاوز الحادثة السطر... ولكن مكابدات أيّوب بعد الحادث سُردت بفصلين كاملين، وتكرّر هذا الأسلوب في علاقة أيّوب وكلاريسا، فعلاقتهما قبل الزواج كانت سريعة السرد، بينما خصّص الكاتب الفصل الثاني "حديث اللحية والشقراء" لقصّ مرحلة وصولهما إلى الجزائر والمعاناة التي واجهاها خلال العشريّة السوداء. إذن، يمكنني القول إنّ ميهوبي استعاض عن الحدث بالنتيجة، واعتمد التكثيف السردي المبني على أثر الفعل وليس الفعل نفسه، ما خلق جوًّا ديناميكيًّا في الرواية خدم الشخوص... إذ تبلورت شخصيّة كلّ من كلاريسا وأيّوب بشكلٍ سينمائي رسّخ الفعل وردّة الفعل من دون الإطناب والإسهاب في تفاصيل قد تعرقل الخطّ الروائي وتبتلع القصّة في تضاعيفها. ومثال آخر على ذلك تجسيد الصراع الروسي الأوكراني بلسان شخصيّة إيلينا ويوري: "إذا رأيت أن تكون درعًا في يد أوّل جندي روسي، سأكون رمحًا في يد آخر جندي أوكراني."، وهما زوجان... فماذا أراد أن يقول ميهوبي هنا؟ لم يسلك ميهوبي مسلك العامّيّة المحكيّة في الرواية بشكلٍ سردي لصعوبة اللهجة الجزائريّة أوّلًا ولصعوبة إدراجها في السرد بين أيّوب وكلاريسا إذ إنّهما من ثقافتين مختلفتين، ولكن... لعب ميهوبي لعبةً روائيّةً ذكيّةً، إذ أدرج المحكيّة الجزائريّة وحتّى غير الجزائريّة من خلال السرد، فمثلًا نلاحظ وجود الكلمات الجزائريّة في النص، مثل "الحرّاقة" ونجد بعض الأغنيّات الجزائريّة أيضًا مثل "يا بابور اللوح"، وهنا أدّت اللغة المحكيّة غرضها بسلاسة ومن دون إثقال النصّ بحوارات قد تكون صعبة على القارئ المشرقي. ومن الملفت استخدام الكاتب لمصطلحات ظهرت حديثًا تناسب الحدث، مثل "أشباه النازيين" وهذه المصطلح ظهر أيّام الثورة البرتقاليّة عام 2004 ويشير إلى القوميين الأوكرانيين المتطرفين. قد يلاحظ القارئ تكرار بعض المشاهد في الفصل الثالث، وتحديدًا مشاهد أيّوب في الفصل الثاني عندما كان عالقًا في القارب. من وجهة نظري، التكرار هنا كان مطلوبًا، وأنا مع مذهب "بيير لوتي" في هذه الجزئيّة تحديدًا، فتكرار بعض الأحداث كان مطلوبًا على صعيدين: الصعيد الأوّل درامي بسبب الحدث، إذ يسرد أيّوب ما وقع له لصديقيه الجديدين من جهة، وللصحافي من جهة أخرى. الصعيد الثاني هو أنّ أيّوب الآن خارج القارب، فنحن أمام بنية مكانيّة مختلفة عن بنية السرد الأوّل لذلك غابت عناصر وظهرت أخرى في سرديّة الفصل الثالث عن سرديّة الفصل الثاني.
لم يفت الكاتب الحديث عن قريته: "أنا ابن القرية النائيّة التي لا نشاهد فيها أفلام السينما إلّا مرّة واحدة في الشهر أو أكثر عندما تحضر شاحنة من العاصمة فيضع الفنّيّون ستارًا أبيض على جدار المدرسة بينما نجلس في فنائها ويبثّون أشرطة دعائيّة للحكومة أو الحزب ثمّ يتبعونها بفيلم طويل، واعتدنا على أن يتوقّف العرض مرّات بسبب قدم الشريط أو تلفه."، والحديث عن التعبير عن الفرح بالبارود، ووصف القرية بشكل جميل. أبكاني مشهد أيّوب وهو يتفحّص متعلّقات "فاتح" بعد غرقه وموته، كتب "فاتح" خلف صوره تجمعه بوالديه واخته "عائلتي شجرة وأنا غصن فيها..."
هذه الرواية تحيّة للفن، وانتصار للجمال ونبذ للحرب والموت والقبح في هذه العالم... ستبقى هذه الجملة التي تتحدّث عن الرقص عالقة في ذهني: "نحن الذين لا نملك إلّا أجسادنا نصنع منها ما يعجز عنه الذين يجعلون من أجسادهم مجرّد مفرغة قمامة..." أخيرًا أودّ القول إنّ هذه الرواية شامخة لا يشبهها أيّ مما كُتب، وتفرّد هذا العمل يحتاج منّا وقفة لقراءة أسطرها أكثر من مرّة لإدراك مدلولاتها وأفكارها. شكرًا دار العين وشكرًا عزّ الدين ميهوبي. استضفنا الكاتب في النادي وحاورته في الرواية مع بقيّة الأعضاء وكانت جلسة رائعة.
الفضول والرغبة في الاكتشاف يقودان الى مغامرات نعرف بدايتها ولا نتوقّع نهايتها…هذا ما حصل معي في رحلة استكشاف "رقصة اوديسا"… ففي إطار قراءات العام في نادي صنّاع الحرف، كانت هذه التحفة موضوعنا للنقاش تحت ثيمة أزمات المدن والأوطان. الانطلاقة كانت من حدث غرق قارب يحمل مهاجرين غير شرعيين، ليُفتح أمامنا كنزٌ معرفيّ وتوثيقي يشدّك من اللحظة الاولى حتى آخر حرف… لن اتكلّم عن الاحداث حتى لا يفقد القارىء المحتمل متعة الإبهار والدهشة… ولكن أؤكد له انه سيغوص في عالم تعزف فيه الكلمات ألحان أعظم الموسيقيين وتتراقص فيه المعاني برشاقة وتناغم على إيقاعات الحب والتضحية… يعلو فيها الفن ويرتقي بالشخصيات الى مصاف الانسانية!!! في اطار واقعي مرتبط بالاحداث الحالية والماضي القريب، نخوض مع أيوب رحلة بحثه عن كلاريسا، زوجته القابعة في أقبية أزوفستال وسعيه لجمع عائلته. وكدمية الماتريوشكا تتفتح قصص أناس يشبهوننا ونشبههم… المهاجرون البسطاء الذين يجسدّون احلام الشعب البسيطة، الهاربون من بؤس الحياة اليومية والباحثون عن تحقيق آمالهم الصغيرة ولكن القدر لهم بالمرصاد، هؤلاء المنسيين ليسوا ارقاما في خبر، هم بشر من لحم ودم ولكل منهم قصته واحلامه، هم كل انسان يسعى للاستقرار والأمان تاركا وراءه بحر من الذكريات والمشاعر والأحاسيس النابضة بالرغبة بالحياة… ثم يدخلنا الكاتب، عز الدين ميهوبي ، الى المجتمع الجزائر ي المتناقض ، حيث تجد الاسلامي المتشدد الذي يستبيح كل شيء معتقدا انه من اهل الحق، والاسلامي المعتدل الذي يؤمن بالعدل والرحمة ومحبة الله المجرّدة. تعيش معهم افراحهم وتصغي لزغاريدهم واغانيهم وتحلم بارتداء أزياءهم التقليدية وتحتفل معهم بوعدة سيدي الشيخ، تعيش معهم في مشهدية رائعة لتقاليدهم وعاداتهم الجميلة، ويتركك في حيرة: كيف لهذا المجتمع الجميل ان يحتضن بذور الشر والقتل والترهيب؟؟ … كما ينقلك الكاتب الى الازمة الروسية الاوكرانية، ويبر�� الوجه الآخر للتطرف وعبثية الحروب في مواجهة سمو الفن وعراقته وجانبه الابداعي الانساني!!! وحدهما الحب والفن يصلحان لكبح جماح الشر الكامن في مجتمعاتنا ونفوسنا، هي رسالة الرواية النبيلة… وهناك الكثير الكثير ليُقال ، ولكن أكتفي بتشجيع القارىء على سبر أغوار هذه الرواية التحفة التي تخاطب العقل والروح والتي سيخرج منها متزوداً بمخزون معرفي ثقافي غني …
رواية جميلة ، ترقى بالانسان نحو عالم يخلو من البذاءة و المبتذل. تعرفت من خلالها الى روسيا و اوكرانيا و الجزائر عبر اعظم ابوابها باب الثقافة و الموسيقى و الرقص. كان الامل توأم الخوف ، تصاحبا في كل مشاهد الرواية لينتصر الحب و الفن في وجه الظلاميين في النهاية.