يستخدم إسماعيل فهد إسماعيل المونولوج الداخلي، وأسلوب القطع السينمائي أو ما يسمى “بالمونتاج” كركيزتين أساسيتين تشكلان العمود الفقري للرواية، من خلالهما تدور كل الأحداث وتتحرك الشخوص عبر علاقات متماسكة مدروسة بحسٍّ فنّي عال.
عبر هذا البناء يعيش القارئ كل صفحات الرواية، متنقلاً بين عالمين متلاحمين متداخلين بهدوء حيناً، وبحركة سريعة هابطة وصاعدة حيناً آخر، لا نلمس أيَّ شرود في العالم الداخلي ولا نقف عند أي إغراء لنقل الواقع الخارجي بصغائره وشيئياته.
يمكن اعتبار "الضفاف الأخرى" بمثابة تتمة لحكايات وشخصيات سبقت هذا العمل للكاتب، وهي: "كانت السماء زرقاء"، و"المستنقعات الضوئية" و"الحبل"، مع إضافة خط أحداث جديد يحمل الفكرة نفسها التي يجاهد "إسماعيل فهد إسماعيل" في سردها، وهي عناء الإنسان وشقائه في الحياة، وتلك الاختيارات المتعددة التي نضطر إلى اتخاذها، وتحمل ما يترتب عليها. الجو العام للرواية سيكون سوداوي وكئيب، هناك ظلامية تغلف كل شيء، ويلوح الخطر في الأفق، وجاءت "فاطمة" لتكون البداية والنهاية، الجميع طامع في فاطمة، الجميع يريد فاطمة، ولا أحد يكترث بماذا تريد فاطمة؟ وحكايات متضافرة لا يمكنك أن تتجاوز عتبة رمزيتها، فأدعي أن فاطمة ترمز للوطن بشكلٍ ما، فتجد الجميع طامعاً في أن يضمها لنفسه فقط، لكن، على الرغم من ذلك، هناك روح ثورية، هناك دخان كثيف دليل على ذلك، مجموعة من البشر قرروا الاكتفاء من الخوف والخنوع، ويحاولون التمرد ولو كانت طريقتهم ساذجة، ولكنهم على الأقل يحاولون فعل شيء، أي شيء.
أكثر ما يميز هذه الرواية، هو طريقة سردها، فالحكاية التي يمكن أن نعتبرها في زمننا مستهلكة، بعد مئات القراءات التي تحمل نفس الطبع والشاكلة، مع الاعتراف بحق الأسبقية لهذه الرواية بالطبع، ولكن طريقة كتابتها، الجمل القصيرة، شذرات الجمل، وقطعها، سردها السينمائي، مع التنقل بين الدخول والخروج من وإلى السرد. بكل تأكيد رواية جيدة، مكتوبة بأسلوب أكثر من ممتاز ومختلفة، وهذا العمل السابع الذي أقرأه لإسماعيل فهد إسماعيل، ومع كل عمل، يزداد حبي وتقديري لكتاباته ومشروعه الأدبي المميز.
"الضفاف الأخرى" هي الرواية الرابعة لرباعية اسماعيل فهد اسماعيل وكتبها في أوائل السبعينات.
رواية رائعة مكتوبة للقاريء المتمرس. فالرسالة السياسية ناضجة بتناول معاناة المقاومة الجماعية لمحاولة زعزعة تنظيم سياسي دكتاتوري بإشارة واضحة للمناخ السائد بالعراق آنذاك. الرسالة الإجتماعية ناضجة بمنح المرأة دور سياسي بارز بالنصيحة للمقاومين بالتمسك بقيم النضال حتى خلال التمرد على قمع السلطة.
البناء الفني جاء متماسكاً مرتكزاً على الحوارات المسرحية مع الاقتصاد الشديد بالكلمات وهو ما يميّز اسلوب الكاتب عن غيره. المقاطع المفككة من النصوص مستخدمة ببراعة لنقل الحالة النفسية للشخصية وتشرك القاريء بنظرة تأملية ليُكمل هذه الهواجس بأحاسيسه.
يومٌ آخر، عليّ اللّحاق بقطار السابعة. لكن، هذه المرة لم أجهّز حقيبتي ولا الرواية التي سأقرأها في رحلتي، كل ما أعرفه أني سأقرأ لـ "إسماعيل فهد إسماعيل". ولكن أي رواية سأختار؟ أعرف أني على أعتاب قراءة ثلاثية كما أخبرني صديقي من قبل! ولكن أي جزءٍ هو الأول؟ أخذت بشكل عشوائي رواية "الضفاف الأخرى". عليّ اللّحاق بالقطار.
"سافرت كتير معاه، كتير كتير معاه، بأحلامي في هواه... سقيته من حناني، وبنيت معاه أماني، وقلت ياريت يا دنيا تديني عمر تاني..."*
تمشيّت في شارع المديرية، التقطتُ بعض الصور سريعاً. أصل المحطة في موعدي المعتاد، الرصيف نفسه، القطار نفسه، الوحيد المختلف في الأمر هو أنا. لست أنا في كل مرة أسافر فيها إلى نفس الوجهة. أجلس بمفردي، لأقرأ روايتي في هدوء وسلام. في الصفحات الأولى كلمة للمؤلف يَذكرُ فيها أن هذه الرواية تعتبر امتداد لثلاث روايات سابقة! اللعنة، ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ اخترت الكتاب الأخير لأقرأه وليس معي بديل ولا معي جهاز الكيندل! ألعن حظي! سأقرأ هذه الرواية واللعنة على كل شيء!
"وصحيت على العذاب، لقيت الفرح غاب... والحب ياعيني داب، أتاري الزمن كداب..."*
في هذا العمل، يُطور الكاتب شخوص رواياته ويجمعهم في قالب سردي واحد، كل الشخصيات التي لم نعرف أسماءها في الماضي، عرفنا من هم الآن، عرفنا حاضرهم ومستقبلهم في الضفاف الأخرى. "فاطمة" ذات الثوب الأزرق بزرقة السماء، سكرتيرة المدير. "الزائر" رئيس السجانين. "كاظم" صاحب الحبل. "حِميدة" السجين لاعب الشطرنج. كلهم مجتمعين في رواية واحدة، رغماً عنهم. يضعنا الكاتب في ورطة جديدة جميلة مع المونولوجات الداخلية للأشخاص وأسلوب تيار الوعي مجدداً! لا مفر من الجَمَال الروائي.
"وقِدرت يا زمان في رحلة النسيان، أنسى اللي كان وأرتاح... وأبعد عن الأحزان، وأبعد عن الأحزان..."*
لم أستطع أن أصنّف هذه الرواية، هل هي أدب ديكتاتورية، أم رواية ثورية، أم رواية تحكي واقعنا الاجتماعي! ربما هي كل ما ذكرت، أحداثٌ تقع في مجتمعاتنا، نعيشُ واقعها ونتأثر بها. كل الأفكار هنا متداخلة، كل المشكلات التي تحدث، تحدث رغماً عنّا! أجلس على رصيف المحطة، أنتظر القطار العائد إلى مدينتي. وأفكر في كل ما حدث لي، هل استحققت كل ذلك؟ يصل القطار، اللعنة على حظي!
"حياتي برمتها كانت سلسلة متصلة من المتاعب والانتكاسات، فهل المفروض بي هذه المرة..." من الرواية.
* العبارات الواردة داخل علامات التنصيص من الكوبليه الرابع والأخير من أغنية "أي دمعة حزن لا".
إسماعيل فهد قادر على أن يجعلك مشدوهاً مبهوراً من روعة قلمه وعبقرية سرده، بينما تظن أنك تهت في النص غير قادر على معرفة هذه قصة من؟ ومن البطل؟ وهل استعجل الكاتب وأخطأ في ترتيب نصوص روايته قبل نشرها؟ تتفاجأ بالإجابة على شكل حبكة مدروسة بذكاء، كما بدأت الرواية بسؤال طفلٍ عن والده انتهت بذات السؤال، لكن الفرق هو أنك كنت تجهل جواب السؤال أما بعد الانتهاء من القراءة فأنت تعلم قصة والده وتعرف الإجابة