قرأت منذ فترة ليست بالطويلة، تزامن الانتهاء من القراءة مع اليوم العالمي للغة العربية، الكِتاب المٌوضح بالأسفلِ في الصورة وقد كان هدية مع مجلة الأزهر - حيا الله الأزهر وكل العلماء والتلاميذ والخدام وقراء المصنفات، وشراحها في أركانه وزواياه في الدارين آمين - للشهر العربي جمادى الآخرة 1446 هـ، الكتاب كما هو مٌعبر عنه في الصورة يتحدث عن اللغة العربية، كيف كانت مثالية، وكيف كان الأزهر هو الحصن المنيع، وإحدى السدود في سبيل الحفاظ على اللغة، فأول المقالات المجمعة في الكِتاب للدكتور محمد الفحام، وبيتكلم فيه عن سيبوبه.
الاصطلاح المشهور عن سيبوبه أنّه واحد فقط، صاحب ( الكِتاب) في النحو، ولكن اتضح من الأمر أنّ " السيبويات " - وليعذرني كل العذر علماء اللغة في الجمِع الغريب، فهو مما ليس بجديد اللغة، ولكنّ اعجواجها عندي وحذلقة لا فائدة منها حرفيًا -، وإنّ كان كل هؤلاء علماء في اللغة، أصحاب إشارة وتهذيب للسان، علماء لغة أجلاء، ومنهم هذا الذي أخذت اقتباس من شعره، وهو سيبوبه المغربي المتوفى بالقاهرة في ربيع الأول سنة 667 ه، حيث قال في الغزل، مستخدمًا قواعد النحو:
عذبت قلبي بهجرِ منك مُتصل .......... يا من هواه ضمير غير منفصل
ما زال من غير تأكيد صدودك لي ........ فما عدو لك من عطف إلى بدل؟
المقالة الثانية كانت للأستاذ الأزهري،ـ أحمد حسن الزيات، مدير مجلة الأزهر لفترة من الفترات ويحكي عن كيف كان الأزهر حصنًا للغة العربية، وعمّا تمر به اللغة من محن في مصر وكيف يمكننا القضاء على هذه المحن، وإنّ كان كثيرًا مما قاله يُمكن تفنيده، أو الرد عليه، أو الاشتباك معه، وأحيانًا - أيضًا - التسليم به، حيث أنّ هذه المشكلة أو تلك المحنة لا تزل صالحة في هذا الزمان، وذاك المكان.
وقال مما قال:
" فإذا ما تخرج الناشيء بهذا الحظ المنكود من اللغة، وكان في نفسه ميل إلى الأدبـ وفي طبعه استعداد للكتابة - انصرف عن كنور الأدب العربي؛ لأنّ مفاتيحها ليست عنده ، وأقبل على روائع الأدب الغربي يُحاكيها ويستوحيها، حتى إذا امتلأ ذهنه وفاض شعوره وأراد أن يُنج شيئًا يفيد الناس - وجد في نفسه الملكة التي تخلق، وفي حسه الصورة التي تمتع، ولكنه لا يجد في لسانه اللغة التي تُعبر"
ثم مقالة ثالثة، ليست فقط قوية في عباراتها، وإنّما عظيمة في تحليلها، عميقة الأثر، طيبة على النفس، ولكن لابد لك من إعمال العقل فيها مرة ومرة ومرة، فالكاتب فيها وهو الدكتور عثمان أمين عضو المجمع، وأستاذ الفلسفة، يحدثك في المقالة عن فلسفة اللغة العربية، فأنت أمام فيلسوف يكتب عن أعاظم اللغات كلهمو. فستتعثر في عبارات غامضة، عبارة تقف أمامها مرة مبهوتًا من نحتها بلغتها، ومرة مذهولاً من معانيها المكثفة، ومرة لمحاولة استكشاف ما استعصى وهو كثيرًا في رأيي، حاول أن يشرحه، فزاد الأمر استغلاقًا، ولكنّه استغلاق محبب إلى النفس، قريب منها، فهو سيدفعك إلى إعمال العقل كما قال المعري يومًا:
كذب الظن لا إمام ... مشيرًا في صبحه والمساء.
فمثلاً مما قال " دل على أن -إطلاق الألفاظ - يكون باعتبار ما يحصل في الذهن " و أن اللغة العربية لها " خاصية الجوانية، أي: إدراك معنى الأشياء بوعي الإنَية وبنوع من الكشف الداخلي دون حاجة إلى الوسائل الخارجية"
وقال: "الألفاظ خدم للمعاني، والمخدوم أشرف من الخادم "
ثم مقالة أخرى يتحدث فيها الأستاذ زكي المحاسني عن اللغة العربية، وضرورة من ضروريات العصر ( كتب مقالته في الستينيات) أن نكتب ملاحمنا العربية والإسلامية نثرًا.
ومما لاحظته على المقالات، ومن الممكن إرجاء ذلك إلى أنّ أخذ عند البعض، أو أنّها ظروف مرحلة، نظرًا لأنّ كل المقالات تلك ألقيت في مناسبات خارجية وقيلت في أوائل الستنيات، أن التغنى بالعروبة كثيرًا، وتشيع رائحة السياسة في الكلمات. رائحة ليست نابعة من أنّ القادة ستساعد، وتمد يد العون، وإنّ ريح فيها مدح كثير، والله أعلم.
كتاب صغير الحجم، لطيف جلسته، حلو لغته بالطبعِ، جميل إخراجه وإخراج هوامشه.