تقول الكاتبة الإنجليزيَّة دوريس ليسينج: "لا شيءَ أكثرَ إملالًا لامرأةٍ مُثقَّفة من أن تقضي وقتها بلا نهايةٍ مع أطفالٍ صغار". حازت ليسينج على جائزة نوبل للآداب، لكنها تركت أطفالها وراءها من أجل ذلك الطريق، وفي بعض السرديَّات في سبيل ذاتها. للأمومةِ جوانبُ طاحنة، تأخذُ المرأة في طريقها وتهرسُ أحلامها وطموحها. يصوِّرها المجتمعُ الأبويُّ كفطرةٍ تُولد بها النساء، حياة ورديَّة زاهية مثل هذا الغلاف ننعمُ بها في وجودٍ وليدٍ يكبر ليصبح طفلًا ثم مراهقًا ثم شابًّا جميلًا، وهذا ما تتمرَّدُ عليه الأُمَّهات كلما توغَّلنَ أكثر في التجربة.
ما فعلتُه؛ هو إنني حلَّقتُ بعيدًا، لكن ليس فرارًا من طفلَيَّ إنما نحوهما، في رحلةٍ طويلةٍ إلى مدن هنديَّة مجهولة تمامًا لنا؛ لنتعرَّف إلى ما وجدنا أنفسنا بقلبه، أنا أُمٌّ وهم أبنائي، ونُفكِّك أساطير الأمومة الورديَّة المزعومة ونتوغَّل في ثقوبها السوداء ونكتشفها. وهناكَ بين ضجيج الشوارع الهنديَّة والمعابد والغابات المتشابكة ووسط الطعام الحارق والبُهارَات، رمَّمنا كثير من الشقوق بيننا، وبرزت خلافاتٌ جديدة ولاحت انهزاماتٌ أخرى في الأفق، لكننا أصبحنا أكثر وعيًا بكوننا أسرةً صغيرةً تحرصُ على مقاومة مَلَل ليسينج القديم الذي جعلها تفرُّ من مصيرها الأُمُوميّ. إنَّها رحلةٌ إلى الهند، تبدو لوهلةٍ سياحيَّة، لكنها كانت رحلة داخليَّة نحو أنفسنا؛ لنجدها بعيدًا عن تروس عَجلَة الحياة اليوميَّة ونتعرَّف إليها من جديد.
رحلة مدهشة في كتاب مدهش، هي تلك التي منحتنا إياها أميمة صبحي في "كُشتُبَان"، ذلك الكتاب البديع الذي يتم تصنيفه تحت أدب الرحلات، أنا أعشق كتب أدب الرحلات الجيدة، ووجدت هذا الكتاب واحدًا من أجمل ما قرأت.
لكن ما أدهشني هو أنني لم أكن فقط أقرأ مجرد كتاب عن رحلة إلى الهند، لكنني وجدت نفسي استمتع بقراءة رواية درامية ثرية في كتاب لم يزعم أنه رواية، واستلهم أفكارًا كثيفة عن الحياة والوجود والمعنى والناس من كتاب لم يزعم أنه كتاب فكري أو فلسفي، والتقط مشاعر إنسانية دافئة وأحاسيس وجدانية مُرهَفة من كتاب لم يزعم أنه ديوان شعر، وابتسم وابتهج طوال الوقت من كتاب لم يزعم أنه من كتب الأدب الساخر.
هكذا وجدتُ "كُشتُبَان"، كتاب لم يزعم أي شيء ولكنه منحنا كل شيء، كما منحنا تجربة إنسانية شديدة العمق، عن تلك العلاقة التي تبدو بسيطة ولكنها في الحقيقة شديدة التعقيد، تحمل سر الإنسان منذ نشأ على هذا الكوكب، كما تحمل كل أسرار الكائنات الأخرى شركائنا في الأرض والوجود.
كنت أظن أنني سوف أقرأ الكتاب قراءة متقطعة -نظرًا لعدد صفحاته الكبير- في مدة قد تستغرق ثلاثة أو أربعة أسابيع، ولكن ما حدث هو أنني لم أستطع مفارقته، فأزحت كل شيء آخر، وانتهيت من قراءته في يومين.
بدأت الرحلة من نيودلهي مدينة الصخب، ثم جراكبور مدينة الهدوء، وفارناسي مدينة الموتى، وكلكتا مدينة البهجة، وبوبانسوار مدينة الأرض الحمراء، وتشيناي مدينة العراقة، وكوتشي مدينة الأكواخ، ومونار مدينة سيمفونية الكون، وتشيراي شاطئ الغربان، وجايبور المدينة الوردية، وأجرا مدينة تاج محل، حتى عادت في النهاية إلى نبودلهي مرة أخرى.
في الكتاب، عشنا كل أيام وليالي الرحلة مع أميمة وعالية ونوح، وتعرفنا على النمر "اصحِي حالا"، سافرنا معهم إلى كل المدن التي زاروها، وركبنا القطارات والأتوبيسات والتكاتك، ومشينا في الشوارع، ونزلنا في الفنادق، وأكلنا الأطعمة الحارة، وشاركنا في المناوشات، واستغرقنا في التأملات الرائعة التي كانت تقاطع الحكي من وقت إلى آخر.
سمعنا كلمات غاندي العظيم وأشعار طاغور الحكيم، زرنا المعابد الهندوسية وقرأنا الڤيدا، وغمسنا أقدامنا في نهر الجانج، ومارسنا كل الطقوس، وعرفنا الإله براهما، ورأينا الإلهين فيشنو وشيفا، ورأينا كريشنا وغانيشا وهانومان، وآلاف الآلهة المحلية والإقليمية، شهدنا ملحمة رامايانا، واحتفلنا بمهرجان دورجا بوجا، وعبرنا النهر فوق الصخور، وفعلنا كل الأشياء المجنونة، وبعدها اكتملت المتعة عندما شاهدنا الصور والفيديوهات على صفحة الإنستجرام الخاصة بالكتاب.
كنا دائمًا مطمئنين حتى في أصعب الأوقات، لأن كُشتُبَان أميمة صبحي كان يحمي أصابع وقلوب عالية ونوح، وأصابع وقلوب القراء، من الوخز والألم.
الأم التي طارت، وطِرنا معها في رحلة فريدة، ثم عادت تحمل المعنى بين يديها، لقد عشنا في "كُشتُبَان" تجربة إنسانية ونفسية واجتماعية ومعرفية رائعة، استمتعنا وفكرنا وانفعلنا مع كل ما كان يجري فوق صفحات الكتاب وما كان يختبئ بين سطوره.
إنه كتاب رائع عن الحياة، يبحث عن المعنى في جوهر أصلها، وعن الجمال في طرقاتها المزدحمة.
ذلك النمر داخل صديقتي القريبة من قلبي، Omaima Sobhi أميمة صبحي، كاتبة المجموعة القصصية رؤى المدينة المقدسة، ثم كتابها الأخير كشتبان، الأم التي طارت. أقول ذلك النمر اللطيف، اليقظ: "أصحي حالًا!" كنت شاهدة، مرات عدة، على سكونه كما على يقظته وانتباهه!
حين أتكلم عن كشتبان، سيكون من الصعب عليّ أن أتحرى الحياد. لنكن واقعيين، أميمة ليست مجرد صديقة، بل هي جزء من أسرتي، أقرب إلى كونها جزءًا من أسرتي الموازية. لكن ذلك لا يعني بأي شكل أن رأيي في كشتبان يحمل شبهة انحياز... أو ليكن، لا يهم! لقد استمتعتُ بكل كلمة في كتاب صديقتي المقربة إلى قلبي، وشعرتُ وأنا أقرأ أنني أسترجع ذكريات رحلتها، وكأنني ذهبتُ معها إلى الهند، أتجول بين جنباتها قدمًا بقدم. لقد كنتُ مطّلعةً على تفاصيل رحلتها، سواء ما كان منها عامًا متاحًا للجميع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو ما كان أكثر خصوصية عبر الرسائل المتبادلة بيننا، في بيتنا الثاني، ذلك الجروب الجميل القريب من القلب والروح، الداعم خلال كل محطات الحياة، صعبة كانت أم سهلة، فرحًا كانت أم فخرًا أم حزنًا. مجموعتنا الحبيبة التي تضم أيضًا العزيزتين آية إيهاب وإسراء مقيدم.
أقرأ الكتاب فأستعيد ذكريات رحلتها التي تابعتها معها خطوة بخطوة، لكن يضاف إلى ذلك تأملات صديقتي الحبيبة حول رحلتها، وأولادها، عاليًا ونوح، حبايب قلبي، وعلاقتها بهم، وأمومتها التي تعيد استكشافها من خلال تلك الرحلة الجريئة والملهمة إلى أبعد الحدود. هذا إلى جانب أنك، كقارئ، تسافر معها من خلال عيونها ونظرتها الفريدة والأصيلة والمختلفة لما تلقاه من مشاهد وثقافة وطعام ومعابد وآلهة هندية لا حصر لها. إنها رحلة ممتعة تتمنى، معها، ألا تنتهي، وتتماهى مع حزنها عند اقتراب انتهاء المغامرة والعودة إلى دوامة الروتين القاسية، لكنك تبقى ممتنًا، مثلها، لكل ذلك الجمال الذي صادفته فنقلته إلينا بكلمات بسيطة ولغة أقلّ ما يُقال عنها إنها "السهل الممتنع".
ترى خريطة الرحلة في نهاية الكتاب فتشهق تعجبًا وإعجابًا بكل تلك الجرأة والروح المتمردة المغامرة. كل الحب لصديقتي الصدوقة أميمة، وكل الفخر بكتابتها كشتبان، على أمل برحلات ومغامرات كثيرة قادمة، توثقها بلغتها السهلة الممتنعة، ونظرتها المغايرة والأصيلة للحياة، وتمردها الذي، كما أظن، سيبقى معها إلى الأبد... لو كان للأبد وجودٌ ومعنى!
وذلك هو رابط المقطوعة التي استمعت إليها أميمة أثناء تأملها، ورأت على وقعها الكوخ الذي سكنت فيه في مدينة مونار. وقد قرأتُ الكتاب على أنغام هذه المقطوعة، فزاد اندماجي وتوحّدي مع الأماكن التي تصفها أميمة، حتى بدت لي وكأنني أراها رأي العين. https://soundcloud.com/.../ee-cambodi......
أعلم أن نظرتي الوردية للحياة تزعج البعض، وأنها تُرى كهشاشة، أو حداثة تجربة، أو انعدام خبرة، أو نظرة أُحادية متمركزة حول تجربتي وحياتي وظروفي للدنيا الصعبة، وأعلم قبل أن أقرأ هذه الرواية أنني سأصطدم حتمًا بأفكار أميمة المختلفة عني، وإن لكن العجيب أنني أنهيت هذه الرواية وأنا متحدة شعوريًا معها، تمامًا، حتى ولو اختلفت معها في داخل الرواية، عجيب 💗
أحببت الأمومة هنا؛ الراوية أم لها أفكارها وطموحاتها ورغباتها ونظرتها الخاصة للدنيا، لكنها أم واعية بعظم المسؤولية، وواعية بأهمية أن تبحث في نفس الوقت عن صوتها الخاص دون أن تذوب في توصيف: أم، وأحببت أكثر كيف جعلتها أمومتها تذهب في رحلة تمنتها طويلًا وهي طفلة ومراهقة لأغرب بلدان العالم، وأن لا تتردد في اصطحاب طفليها معها، وبدون الالتفات لشعور أنهما قد يُعيقا حركتها، لتتحول رحلتها لمغامرة على البر، ومغامرة أخرى داخلية لاستكشاف الذات واستكشاف طفليها، ببساطة سافرت بهما بدلًا من الغضب على الأمومة.
اللافت جدًا توازن أميمة بين رحلتها مع طفليها الذين تستكشف فيهما شيء جديد بينما يستكشفان هما الأرض الجديدة والناس الغريبة، وبين قدرتها على الانتباه للبحر والمدن والطقوس والعبادات وللمواقف العادية مع الناس والزهور والألوان، واستعادة كل أسطورة وكل معلومة مرتبطة بالمشهد الذي تراه وتصفه بعين رائقة، حقيقي رائقة وجميلة، بصراحة كنت أتوقع رواية لها طابع نفسي حاد شبيهة بالدهاليز والمنعطفات النفسية في رواية حليب أسود لأليف شفق، لكن انبهرت داخليًا عندما بدأت في الدخول لعمق الرواية/ الرحلة.
أجمل ما في الرواية هو أن وجود طفلين بكل صخبهما ومتطلباتهما كان لطيفًا وناعمًا وأحيانًا مُعينًا لاكتشافٍ جديد، وأن الكاتبة مارست كل الأدوار ببراعة، الأم والكاتبة والمرأة التي تحب حريتها، واستطاعت أن تنقل كل هذا في رحلة مكتوبة بأرضٍ بعيدة.
جميل جدا.. كتاب ساحر ومسلي وظريف وخفيف الدم، رحلة ممتعة جدا لبلد كبير عريق هو الهند. حبيت كل التفاصيل، بداية من أسلوب السرد البسيط واللغة الرايقة الهادية، حبيت الوصف الدقيق للأماكن ولشكل الناس والحياة اليومية في شبه القارة الهندية، والسياحة اللي وصفتها أميمة هي أقرب أشكال السياحة لقلبي، وهي الاختلاط بالناس والتواصل معاهم ومعرفة قصصهم. تأملات الكاتبة وذكرياتها مع الأمومة خدت مساحة جميلة، وجريئة وصادقة، من الكتاب. تأثرت بمشاعرها ناحية أطفالها، وتأثرت أكتر بإخلاصها لنفسها وأحلامها رغم العطاء الأمومي المغري جدا بالتنازل عن الذات، وضغوط المجتمع اللي بتعزز من إغرائه. أعرف أميمة في الحياة الواقعية وبحترمها وبحترم شجاعتها جدا، هي ست واضحة ومواقفها واضحة، لكن قراءتي للي كتبته عن أحلامها وتمسكها بها رغم صعوبة الأمومة وواجباتها، ده من أشجع ما قرأت على الإطلاق. أتمنى تحقق كل أحلامها بالسفر والتمرد، وماتخسرش نفسها أبدا. +++تحذير بالحرق+++ تأثرت جدا في كذا جزء من الكتاب، لما قابلت عالية لأول مرة بعد ولادتها وقالت لها "وحشتيني"، مؤثر جدا لأني حاسة بإحساس الافتقاد ده حاليا ناحية بنت صديقتي المقربة، وبانتظار مقابلتها على أحر من الجمر. لكن أشد لحظات تأثري كانت بذكر المدينة اللي سجلتها باسم "يورياصدر"، لكنها عجزت عن العثور عليها، وهتفضل دي مدينة مجهولة للأبد رغم ما قدمته من محبة.. قريت الجزء ده في الأتوبيس الفاضي قرب منتصف الليل في شوارع القاهرة الخالية بسبب البرد، وماقدرتش أتمالك دموعي. كتاب بديع.. يا رب يلاقي كل التكريم اللي يستاهله. شكرا يا أميمة ع الرحلة المذهلة.