هذا كتاب يجب على الجميع قراءته، سواء كنت مبتدئًا أم خبيرًا في التعرف على الشخصيات الفلسطينية.
في هذه الرواية، نتعرف على أم نضال فرحات، التي تبدأ قصتها كطفلة ثم شابة، لتصبح الزوجة، و الأم والمقاومة، و إن كان دون سلاح. هي أم الشهداء وخنساء فلسطين كما نسميها.
تأخذنا الرواية عبر مراحل حياة السيدة مريم، بدءًا من طفولتها ومعايشتها النكبة والنكسة، من برد الشتاء في الخيم، و المشي دون حذاء على الطين في رحلتها الطويلة للمدرسة، مرورًا بشبابها وتعليمها وبداية دورها في المقاومة، ثم زواجها وأبنائها وانخراطهم في المقاومة الإسلامية في قطاع غزة.
الكتاب لا يقتصر فقط على حياة السيدة مريم، بل يتناول أيضًا الجوانب السياسية، التحولات الفكرية والدينية في المجتمع الغزاوي، دخول الفكر المقاوم إلى هذا المجتمع، وقصصًا مؤثرة عن استشهاد الأحبة. بالإضافة إلى ذلك، نرى شخصية الشيخ أحمد ياسين و الشيخ يعقوب، و المجاهد عماد عقل، الذي وعدته أم نضال أنه سيخرج عريساً من بيتها… و فعلاً قد خرجاً عريساً من بيتها إلى جنان الله ﷻ.
"يقول عماد: أستودعتكم الله. هي وثبة الجندي من القدس إلى يافا، لكنها في الخارطة لم تكتمل، لكن وثبة عماد قد اكتملت يا مريم. وثب من المكان الذي أعدته أم نضال ليكون بيت الفرح لعماد، صرخته كان مدوية… الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر. ردد الجميع نفس الهتاف السماوي، و كأنهم كانوا صدىً لصوته"
"أفاق الجميع من ذهولهم أن عماد قد قتل, حارت أم نضال أن تطلق الزغاريد فرحًا لزفافه القائم الآن بالحور العين, أم تبكي ذلك الفارس الذي ترجل قبل أن يطهر القدس وغزة والجليل, جلست وقد تجمدت دموعها, لم يعد في عينيها من دموع, كيانها, قلبها, فؤادها, نظراتها, كل ذلك يلهث وراء عماد, لم تكن تسمع هدير الدبابات وهي تنسحب من المكان, ولم تكن تسمع أجهزة اللاسلكي وهي تعلن عن مقتل عماد في محيط منزلها, لا, إن روحها التي تسمع كل ذلك, لم تعد بعد من حفل زفاف عماد, لم يخطر على بالها لحظةً أن تتفقد أولادها, لم تسأل أين حسام أو وسام أو محمد أو مؤمن, أين إيناس وأين إلهام, أين زوجة نضال, لا, لم يخطر على بالها إلا أن تردد: لم يجبن عماد, لم يتردد, وثب وثبة ذلك الجندي من القدس إلى يافا, شريط طويل, مر أمام ناظريها, أبو أحمد مهنا, العم أبو خليل, الشيخ زكريا, العدوان الثلاثي, نشيد الله أكبر, الفتوة, شقيقها أسعد, الشيخ يعقوب, الشيخ أحمد ياسين, عايدة سعد همست: كم أنت رائع يا أحمد ياسين, فقد ربيت جيلا من أمثال عماد, انسابت دموعها بلا توقف, بصمت, لم تعد تقوى على النهوض والحركة."
تُختصر قصتها في صفحات الرواية من الميلاد حتى الوفاة، تدور أحداث الرواية في غزة، منذ عهد عبدالناصر حتى عهد مرسي -تقبله الله-، قصة امرأة كانت رمزًا لنساء المقاومة، محتذيةً بالشيخ الشهيد أحمد ياسين.
امرأةٌ لا كالنساء، لم تكتفِ بتقديم أبناءها مشاريع شهداء، بل ضحّت ببيتها كله بإيوائها القائد المطارد الشهيد عماد عقل، حتى استشهد في بيتها بخيانة عميل.
شدّني في قصّتها أنها امرأة تُشبهنا، وتشبه كثيرًا ممن نعرف من النساء، لم تولد في بيتٍ مُجاهد، ولم تعرف الالتزام بالحجاب والجلباب وتعاليم الدين إلا في شبابها، ومثلنا سمعت آراء متضاربة عن الشخصيات السياسية في زمنها وكذا عن الشخصيات الدعوية، لكنّها أخذت الكتاب بقوّة، ومضت في ذات الدرب مع الشيخ أحمد ياسين، فجمعت النساء وأقامت الدروس، وربّت أبناءها على الرجولة والجهاد، حتى أن زوجها لم يكن على ذات الطريق معها، لكنه ما لبث أن اهتدى بدعاءها وثباتها؛ باختصار في قصتها ما يوحي أن كلا منا يمكن أن تكون مشروع "أم نضال".
لفتني أنها عاشت مع زوجها بضع سنين في ليبيا! وكم أفرح حين أعرف في سيرة أمثال هؤلاء أنهم كانوا هنا معنا على ذات الأرض ذات حين، ثم يمتزج فرحي بلوعةٍ أنهم ذاقوا من بلدنا ما ذقنا من الهوان! ولقد كانت سنواتها هنا في حكم الطاغية البائد، ووصلت ابنتها البكر إلى سنّ المدرسة الثانوية هنا، واضطرت ككثير من أهلنا إلى إيقافها عن الدراسة عِوَضَ أن تسمح لها بارتداء اللباس العسكريّ!
توفّيت رحمها الله في زمن حكم الشهيد محمد مرسي لمصر، والشهيد إسماعيل هنية لغزة، وعزاؤنا أنها لم تشهد ما كان بعدها من الخذلان.