Jump to ratings and reviews
Rate this book

معزوفة اليوم السابع

Rate this book
في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012م، وأنا أنتظر حافلة تقلني إلى عملي، شاهدتُ شابًّا غجريًّا، يكنسُ الشارع على أنغام موسيقى تصدر عن هاتف نقَّال مُعلق في خاصرته، يقفز بحركات رشيقة، والمكنسة بين يديه طيِّعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمصٍ متقنةٍ تتحول إلى بندقية يصوِّبها نحو أعداء مفترضين. اعتدت رؤية الغجري، ونشأتْ بيننا صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة.
في أحد صباحات الشتاء الباردة، لم أجد ذلك الشاب، لكني سمعت أنينه وهو يتوارى وراء جدارٍ. قبل أن أغادر خلعتُ معطفي ودثرته به، دون أن أدري أن حاجياتي صارت بحوزته. عند المساء وجدته بانتظاري يضع معطفي على يده ليعيده لي: لست مجنونًا، وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصًّا كما يُشاع.
في تلك اللحظة وأنا أتأمل خيام الغجر وهي على طرف المدينة، ولدتْ فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني، وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشًا، وفي الآن نفسه حمَلًا وديعًا في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مُخيم كبير لغجرٍ مطرودين منها، وغربها جبل على قمته قبر جدها الأول، مدينة يُصاب سكانها بوباء غريب؛ فتصبح على حافة الهاوية، حينها يأتي الخلاص من جهة غير متوقعة.

320 pages, Paperback

First published January 1, 2025

12 people are currently reading
180 people want to read

About the author

جلال برجس Jalal barjas

13 books464 followers
جلال برجس شاعر وكاتب أردني، حائز على جائزة البوكر العربية2021 عن روايته (دفاتر الوراق) وجائزة كتارا للرواية العربية 2015 عن روايته أفاعي النار/ حكاية العاشق علي بن محمود القصاد، وجائزة رفقة دودين للإبداع 2014، عن رواية (مقصلة الحالم، و جائزة روكس بن زائد العزيزي 2012 عن المجموعة القصصية الزلزال.
وصلت روايته سيدات الحواس الخمس للقائمة الطويلة في البوكر 2019
تخرج من مدارس محافظة مادبا ثم درس هندسة الطيران الحربي وعمل في سلاح الجو الملكي الأردني حتى عام 2007، انتقل بعدها للعمل في الصحافة الأردنية كمحرر في صحيفة الأنباط، ومن ثم مراسلاً لصحيفة الدستور. وعضو هيئة تحرير عدد من المجلات الثقافية. عمل في أكثر من شركة للطيران المدني إلى أن عُيِّن في المركز الأردني للتصميم والتطوير.

بدأ بنشر نتاجه الأدبي في أواخر التسعينات في الدوريات والملاحق الثقافية الأردنية والعربية. إضافة إلى عضويته في الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين، والهيئة العامة في اتحاد الكتاب العرب، واتحاد كتاب الإنترنت، وحركة شعراء العالم فهو يشغل موقع رئيس مختبر السرديات الأردني، ورئيس تحرير مجلة صوت الجيل، وأميناً سابقاً لسر رابطة الكتاب الأردنيين فرع مادبا، ورئيساً سابقاً لعدد من الملتقيات الأدبية، مثل ملتقى مادبا الثقافي، وملتقى أطفال مادبا الثقافي، اللذين أسسهما بمعية عدد من الأدباء والناشطين في العمل الثقافي، وترأس هيئتيهما لدورتين متتاليتين.

عمل مدير تحرير لعدد من المجلات الثقافية مثل مجلة مادبا، ومجلة الرواد. إضافة إلى ترأسه هيئة تحرير مجلة أمكنة الأردنية التي تهتم بأدبيات المكان، قبل توقف صدورها. يعد ويقدم برنامجًا إذاعيًا بعنوان (بيت الرواية) عبر أثير إذاعة مجمع اللغة العربية الأردني. كتب الشعر، والقصة، والمقالات النقدية والأدبية، ونصوص المكان، والرواية. اهتم بالمكان الذي تطرق له عبر عين ثالثة تجاوزت التاريخ، والجغرافيا لصالح القيمة الجمالية عبر رؤية شعرية لما وراء المكان؛ إذ نشر كتابه (رذاذ على زجاج الذاكرة/حكايات مكانية) قبل أن يصدر، في ملحق الدستور الثقافي في حلقات متتابعة. كما أصدر في هذا المجال بالتعاون مع رواق البلقاء كتابه الذي ترجم لسبع لغات (شبابيك مادبا تحرس القدس) عبر تداخل ما بين عدد من اللوحات الفنية لفنانين أردنيين وعرباً.

الجوائز
جائزة كتارا للرواية العربية 2015، عن رواية (أفاعي النار/حكاية العاشق علي بن محمود القصاد)
القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية 2019 (البوكر)، عن رواية سيدات الحواس الخمس
جائزة رفقة دودين للإبداع السردي 2014، عن رواية «مقصلة الحالم»
جائزة روكس بن زائد العزيزي للإبداع 2012، عن مجموعته القصصية «الزلزال»
الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) 2021 عن رواية «دفاتر الوراق»
الترجمة
الرواية

أفاعي النار: اللغة الفرنسية، اللغة الإنجليزية.

دفاتر الوراق: اللغة الإنجليزية. دار النشر: Interlink. المترجم: paul starkey 2) اللغة: الفارسية. دار النشر/ مرواريد. المترجم: كريم أسدي أصل. اللغة الأردية الهندية. المترجم راشد حسن.

الإصدارات
الشعر

كأي غصن على شجر 2008.
قمر بلا مَنازل 2011
أدب المكان

رذاذ على زجاج الذاكرة 2011
شبابيك تحرس القدس 2012
القصة

الزلزال 2012
الرواية

مقصلة الحالم
أفاعي النار
سيدات الحواس الخمس
دفاتر الوراق
بحوث حول الروايات
رسالة ماجستير بعنوان: جماليات المكان في تجربة جلال برجس الروائية. وائل الزغايبة. جامعة فيلادفيا.الأردن 2020م
رسالة ماجستير بعنوان (الأنا والآخر في “رواية سيدات الحواس الخمس” للروائي جلال برجس). حسين أبو حجيلة. جامعة فيلادلفيا. الأردن.2020م.
(بحث محكم) لميادة الصعيدي بعنوان (ذاكرة المكان في السرد المعاصر مقصلة الحالم لجلال برجس أنموذجا) مجلة التحبير الجزائر
(بحث محكم) للدكتورة درية فرحات بعنوان (أشكال السرد في رواية سيدات الحواس الخمس) مجلة المنافذ الثقافية
أنماط المكان في رواية «سيدات الحواس الخمس» لجلال برجس دراسة تحليلية/ جامعة آل البيت

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
33 (36%)
4 stars
29 (32%)
3 stars
16 (17%)
2 stars
10 (11%)
1 star
2 (2%)
Displaying 1 - 30 of 40 reviews
Profile Image for Rehab saleh Flower Violet .
478 reviews63 followers
April 12, 2025
معزوفة اليوم السابع
جلال برجس
دار الشروق
عدد الصفحات 317 ص
قراءة ورقي
@@
هذة المراجعة هي رؤية شخصية , أكتب انطباعي واحساسي فقط
الغلاف
" الغلاف جاء معبر عن الرواية بشكل رائع ومن أفضل التي تُحاكي جوهر القصة, الطائر الأبيض ذو النقطة الزرقاء المضيئة, الناي الخشبي الأصيل, المخطوطة القديمة الممزقة الأطراف التي تحكي خبايا الخلق الأول "

@ كل شيئ في البدء كان لنا @
مفتتح الرواية ذكرتني برواية هي من أحب الروايات لقلبي " الحرافيش" لنجيب محفوظ ذكرني كيف أن عاشور هو من نجي من الوباء واصبح عاشور الناجي, كما نجي الجد الأكبر بنفسة من البغضاء والحسد والضغائن, وذهب للجبل ولم يخبر أحد سوي فتاة يتيمة كانت تمرضة بالاعشاب فذهبت خلفه كأنهم آدم وحواء يُخلقان من جديد ويعمران الجبل ثم الحياة بأكملها وكأنها بداية الخلق وبداية الأبيض والأسود وكل شيء
@ أراواحكم مخلوق عليُّ أبديُّ, فلا تخفضوها@
أرواحنا عالية المقام فلا يجب أن ندنسها بأفعال تجعلها في أدني الأرض, دائما ما يقولون أن الأوبئة والأمراض من صنع الإنسان, من جَّراء الكراهية والبغضاء وسواد القلوب والحروب المستمرة...
&&
بداية هادئة للرواية عن توليب الفتاة التي تعمل في منظمة تعني بالأطفال ضحايا النزاعات الأهلية والتي تلتقي في موقف الحافلات بـ باختو الغجري الذي يعمل في تنظيف شوارع المدينة وتستغرب طريقته في تنظيف القمامة بل وسماعه أغنيات لمطرب قديم كان مشهورًا يومًا ما
توليب المغرمة بالتصوير والتي تحاول الإمساك بصور حقيقية وليست مجرد صور جميلة تلتقط الصور ل باختو وتحاول أن تتناول معه الحديث وتقنعه أنه مميز
باختو الذي في لحظة فارقة في حياته يجد صندوق به مخطوط الجد الأول بعد حادثة سيارة غريبة قرب مخيم الغجر
ثم يأتي الحدث المحرك للرواية مع زوجة العمدة التي لا تري وجهها في المرآة فينهض العمدة ليري ماذا حدث فلا يري وجهه هو الأخر في المرآة
* * *
ماذا لو صحونا يوما ما ووجدنا أنه لا يوجد انعكاس لنا في المرايا أو الزجاج او الهواتف؟!
ماذا لو فقدنا رؤية أنفسنا بل ووجدنا بدلأ منها أشباحنا التي تقودنا ليس فقط للجنون بل للموت
كل شخص منا يطارده شبحه ساخراً منه في كناية عن أن أكبر عدو للانسان هو نفسه
تدور الشمس ويتعاقب الليل والنهار وتتفاقم مشكلة الوجوه غير المرئية وتحاول الحكومة أن تجد حلاً للوباء بينما الناس تفقد حياة تلو الأخري
_ يصاب باختو بالحمي ويحلم بالطائر الأبيض ذو النقطة الزرقاء المضيئة وتشفق عليه أمه فيسألها من بين هذيانه عن هذا الطائر فتخبره أنها رأت ذلك الطائر يوم ولادته ولكنه طار بعيداً نحو جبل الجد الأول
فلا يجد باختو بُد من الإنطلاق في رحلة محفوفة بالمخاطر نحو جبل الجدا الأول لمحاولة إيجاد الطائر والناي حتي ينقذ الناس...
@ في الرواية
* لفت نظري أن
_ بعض جرائم البشر تستمر مهما تطورت التكنولوجيا
_ الغجر تغيروا كثيرا اصبحوا يستخدمون الهواتف المحمولة وبعض التكنولوجيا حتي ولو كانو لا يزالو يعيشون في الخيام
_ اقصاء الغجر خارج المدينة وتهجيرهم ذكرني بتهجير الشعوب من أوطانهم بدون وجه حق

$ زمن الرواية
هو الزمن الحالي بكل ما فيه من تكنولوجيا وطبقية وحروووب أهلية وعقائدية وغيرها
& الرواية مليئة بالرمزية بداية من الصندوق مخطوط الجد الأكبر مرورا بالطائر الأبيض ذو النقطة الزررقاء المضيئة وأحلام باختو بمعزوفة الناي واخيرا الناي السحري الذي يرفع البلاء عن الناس ويجعلهم سعداء حتي ولو بصفة مؤقتة, كلها من معتقدات الشعوب العربية التي تؤمن بالأساطير والبطل المُخَّلص
@ شخصيات الرواية
* توليب " زهرة منغلقة علي نفسها " بعد موت أسرتها أمام عينيها بأيدي المختلفين عنهم عقائدياً ومعاناتها طوال الوقت من أشباح الماضي, تتفتح مع مرور الوقت لتزهر نحو الشمس والحياة
* باختو الغجري المتمدن الذي وجد نفسه مسؤل عن إعادة الحياة لنصابها
* شاندرو الأب والزعيم الذي يحاول ان يخرج بعائلة وعشيرته من الأزمة
نُّوار المطرب القديم الذي يحاول استعاده مجده كأن كل قديم ثمين مهما حدث
* أدهم الطبيب الجامعي الثائر ومحاولاته لتأليب الرأي العام ضدد الحكومة واغتياااله بعد نشر الحقائق
* فايد الشاب المنتقم ممن قتلوا أسرته فينتقم من نفسه وممن أحب
* جوناثان ذلك الشر المستطير لكنه بداخله لا شيء مجرد فراغ
" روبين وبخت" كأنهن شهاب ومض ليبعثا النور في قلوب البعض ويقولن لهم نحن هنا ونريد أن تأخذو بحقنا
* الطائر الأبيض ورمزية الخير والحرية
* الناي في كناية أن الموسيقي أو الغناء كنوع من المقاومة وأنه قد ينفع كسلاح فعال في بعض الأحيان
*العمدة_ أبناء الطائر الاسود"

$ تحكي الرواية عن الحكومات واستعبداها للشعوب
عن التكنولوجيا وتحكمها في الأفراد
عن الثورة ومحاولة تداول السلطة
# الرواية طرحت عدة قضايا مهمة مثل الحروب الأهلية , تحكم التكنولوجيا في الشعوب , استعباد الحكومات للشعب, العنصرية والطبقية وتداول السلطة
# مشاهد اعجبتني
* الأول عندما ذهبت روبين لـ بخت لتقنعها بالذهاب لجوناثان ورفضت بخت وطفقت ترقص في احد أفراح الغجر, فأغلقت روبين هي الاخري هاتفها وقررت أن تستمتع فالمتعة قد لا تنالها مرة أخري إن فوتتها
* الثاني عندما نهب الغجر قصر أبناء الطائر الأسود ووقفت توليب تحاول تثنيهم عن هذه الأفعال كأنها نسختهم الشبحية التي لا تريد أن يصبحو مثل أشرارهم
* الثالث عندما قرر احدهم الإنشقاق عن جماعة أبناء الطائر الأسود وسرقة مخطوط الجد الأول حتي لا يحرقونة ويزيدون في تغريب الإنسان
في مشهد بديع عن ان الانسان مهما وصل به الشر يظل هناك بصيص من الخير فيه
* الرابع عندما يعزف باختو للناس ويسيطر علي الناس شعور بالسكينة والراحة والسعادة , لكن عندما ينتهي كل شيء وتعود وجوههم للظهور في المرايا مرة اخري لا يتذكرون باختو ولا الناي والعزف كأن الحقيقة لابد أن يهال عليها التراب وتُنسي
# السرد والوصف أكثر من رائع وتشبيهات الكاتب في محلها تماما وليست مقحمة في الرواية لفرد عضلات الكاتب الإبداعية
@ الحوار ملحمي, ملحمي بديع أكثر من مجرد حوار
& اسلوب الكاتب سلس وحتي مع الإغراق في الرمزية والفلسفة كانت الفكرة تصل للقارئ بسهولة

هذه الرواية مونولوج وموسيقي من داخل النفس تجعلك تفكر في حال الشعوب الأن وما يحدث فيها وما قد يحدث مستقبلاً فليس هناك شيء أسود بالكامل ولا أبيض بالطبع
* الرواية تستحق خمس نجمات بجدارة وأرشحها بقوة للقراء الأعزاء
# اقتباسات
انا خلصت الستيكي نوت واقلام الهايلايتر علي الرواية  ومقدرتش اكتب كل الاقتباسات لكن الأقتباس الأخير سيُؤلمك 
" ان السواد قابع فينا منذ أولي لحظات الولادة"
" إن أشد الأوبئة فتكاً هي التي تأتي جراء أوساغ معنوية تتشكل في دواخل الانسان منذ وعيه الأول"
" إن أجسامكم وعاء للروح والنفس والقلب والعقل, فإن اختل ميزان ملذاتها صرتم عبيداً لا تملكون من أمركم شيئا, فانتصروا للميزان"
" باختو ليس هنا, انه هناك مع الناي الذي حتما سيخلص المدينة من قذارتها, سيعيد لكم وجوهكم, ليست فقط تلك التي سُلبها منكم وباء ما جاء إلا بسببب إنحدار انسانيتكم, إنما أيضاً سيُعيد وجوهكم الأولي"
" أن عقولكم مشاعل تطرد الظلمة,مشاعل لا يتوهج نورها إلا إن وعيتم وعرفتم, وبتم قادرين علي ان تميزوا بين الطريق التي تُفضي إلي هاوية, والطريق التي تؤدي إلي النور "
" لا ينحني الماء إلا أمام الصخور الضخمة"
" ثم إننا ما عدنا نري أنفسنا. حتي الأطفال الذين ولدوا هذه الأيام, سيكبرون بلا ذاكرة, بل تصاحبهم غربة مقيتة. جميعنا الأن بلا هوية "


Profile Image for Nadia.
1,552 reviews545 followers
February 25, 2025
فنتازيا مستمدة من واقعنا تطرح أسئلة وجودية عن الخير و الشر عن الخاتم و المحكوم عن السلطة و صناعتها.
مدينة مثل كل مدننا فيها كل التناقضات التي نعرفها و نلمسها كل يوم تعرف لعنة على شكل وباء هادر يهدد بفناء السكان بالانتحار و حكاية "بختو" الغجري الذي يشكل النقاء و الخير في صورتهما الخالصة الحالم بالخلاص و الباحث عن ناي الجد في مقابل جوناثان الذي يشكل الشر في صورته الخام و الكراهية في شكلها التام هذه الثنائية المتعارضة تمثل روح العصر و مأزق الانسانية الحالية و التي لم تحدد في زمن ماض فقط و لكن في الحاضر أيضا و هذا ما يظهر في أحداث الرواية و في المستقبل و هو ما يتم التلويح به في نهايتها.
العمل مكتوب بلغة تتماوج بأنفاس و أفكار الشخصيات و تعطي لها ذلك البعد الإنساني في اللون الرمادي بين الأبيض و الأسود .
عمل مبني على رمزية كبيرة يمكن قراءتها على أكثر من مستوى 👍👍👍👍
Profile Image for Omnia Elshiekh.
80 reviews16 followers
February 12, 2025
التحفة الروائية لأستاذ جلال فكرة وابداع واقتباسات
Profile Image for Shahd Bensaoud.
199 reviews16 followers
April 29, 2025
معزوفةاليوم السابع

كانت هذه الرواية تجربة مثيرة للإهتمام. لغة الكاتب وحبكة القصة مشوقة ولغته سلسة تجعل صفحات الكتاب تنساب بين يديك كحبات الرمل فما تكاد تنهي فصلاً حتى تجدك في منتصف الفصل الذي يليه. تركيبة الشخصيات وترابطها كذلك كان جيد جداً، وربط الشخصيات ببعضها دعم تطور القصة وكشف الحقائق بتدريج مثير.
في الرواية إسقاطات كثيرة، وأعتقد أن لكل قارئ تفسير خاص به خلال القراءة، فالأحياء السبعة قد يراها البعض طبقات المجتمع، وبالنسبة لي جال ببالي إنها قارات العالم، خصوصاً أن حياً منها كان يعاني الفقر وهو ينام على كنوز من الذهب الذي يتم نهبه.. فبالنسبة لي كان هذا يعادل المأساة الإفريقية. أما باقي الإسقاطات فهي كثيرة .. كثيرة جداً جداً، منذ بداية الخلق والرسل، وقصص القرآن، وقضايا العالم المعاصر الخاصة بالتكنولوجيا وفقد القيم، إلى الذين يحركون العالم كدمية بين أيديهم، والحقيقة هذه كانت مشكلتي مع هذه الرواية!
الرواية غطت مواضيع كث��رة جداً جداً! ولكن دون التعمق في أي منها، كانت كتلك الكتب التي تحمل عنوان "مقدمة في علم الفلك" أو "مقدمة عن الثقافة الصينية"، مليئة بألف عنوان جانبي ولكن لم يعطى أي منها الشرح الكافي، ويختلف القراء بالتأكيد، فالبعض قد يستمتع بذلك، ولكن بالنسبة لي، تمنيت لو تم التركيز على قضية ما، فقلم الكاتب كان سيخدمها جداً جداً لجماله، ولكن كثرة المواضيع شتت تفكيري، فلم استمتع بقصة الحب جداً، ولا بالتفكير في نوايا من يحركون العالم، ولا في الحروب الاهلية والصدمات النفسية، ولا تأثير الفقر والعنصرية والتهميش، ولا في ضياع المبادئ، ولا في تأثير التكنولوجيا على الحواس، وتركيز البعض على جمع المشاهدات، ولا في الفنتازيا الخاصة بالطائر والناي والموسيقى، ولا في قوة الحرية والعشوائية التي قد تكون طوق النجاة، ولا في ذلك الوباء الغريب، ولا في استغلال الأزمات!
شعوري عند النهاية كان كمن يشاهد فيلم منقول عن رواية، يشعر أن تفاصيل كثيرة مفقودة، فقدت لنقص تمويل الإنتاج!
هذه الرواية ذكرتني قليلاً بالفيلم/الرواية "لعبة الجوع" "the hunger games”، خصوصاً من ناحية المكان والزمان، فهو عالم موازي ولكنه كذلك عالمنا بالتكنولوجيات الموجودة حالياً لدينا، فكرة الأحياء، وثورة المهمشين.
وفي الجهة الأخرى، لربما كان هذا غرض الكاتب من البداية، أن تكون قصة فضفاضة، يمكن استخدامها للتفكير في أي موضوع من المواضيع المذكورة.
قرأت الرواية ضمن اختيارات نادي همزة للقراء، وسننال شرف مناقشة الكاتب حول الرواية، والذي لربما قد يغير رأي حولي الرواية، ولكن سأضيف ذلك كتعديل لاحقاً.
في الختام، كانت تجربة ممتعة، وبالتأكيد سأقرأ المزيد لهذا الكاتب الرائع.
Profile Image for zahraa esmaile.
1,211 reviews227 followers
April 20, 2025
#رفقاء2025
#معزوفة_اليوم_السابع

"معزوفة اليوم السابع، البحث عن جوهر الإنسان بين الفانتازيا والحقيقة"
تعكس المرآة دوماً صورة لما أمامها، سواء كان إنسانأً أو جماداً أو حيواناً، فماذا لو تخلت المرآة عن وظيفتها الأبدية ورفضت بشكل مفاجئ الإفصاح عن صورة الإنسان مع إحتفاظها بباقي المعطيات، هل هنا كان العطب في المرآة أم في الإنسان نفسه؟؟ وهل هذا عارض أم وباء؟؟؟ وكيف يسترجع الإنسان صورته في مرآته؟؟

في روايته الأحدث "معزوفة اليوم السابع" والصادرة عن دار الشروق، يخطو بنا الكاتب "جلال برجس" إلى زمان ومكان غير معروفين بالنسبة لنا، وحكاية بدأت منذ الأزل، منذ أن قرر الجد الأول الخروج من القرية والإنعزال عن الجميع مصطحباً "ناي" و انضمت له فتاة يتيمة تمنت قربه، فكانت "مدينة الجد الأول" وذريته التي وبطبيعة الحال كان منها الصالح والطالح، ومع تكرار عدوان الأبناء وجماعتهم على بعض، قرر الجد الإنعزال، كتب مخطوطة لزمان قادم رأى فيه وباءاً يطيح بالجميع، فكان الحل هو "الناي" الذي نذر لزمان قادم، ولكن الأمور لا تسير أبداً بهذه الوتيرة البسيطة وإلا ماكانت الصراعات لتستمر

في زمان حديث، توسعت المدينة وتعددت أحياؤها ولكن بقي الغجر كأنهم وصمة عار، ممنوعين تماماً من دخول المدينة إلا لوظائف متدينة بحجة الحفاظ على الأمن والإستقرار، فهل استحق الغجر حقاً التهميش؟؟ أم أن للقدر تدابيره التي لا تخطر على بال أكثر الأدباء جنوناً؟؟؟

"_"رأيتك في ذلك اليوم تقرأ.. لماذا؟؟
*احب أن أقرأ
_ولكن هناك أشياء كثيرة نحبها ولا نفعلها
نعم هناك أشياء كثيرة أحلم بها، أتمناها، ولا أفعلها، إنما القراءة هي أول الأشياء التي أتيحت لي، فأحببتها"
بهذا الحوار البسيط والسلس بدأت قصة "توليب" الفتاة اليتيمة التي شهدت أهوال تخص عائلتها في طفولتها، باختو الشاب الغجري المختلف وبشدة عن أقرانه، ف باختو طفل هادئ إلا فيما ندر، أصر على تعلم القراءة في مجتمع لا يعترف أساساً بالتعليم، باختو المختلف ونظيف اليد والقارئ النهم، وصاحب المعجزة والفضل على الجميع


"فحين نقف أمام المرآة، فإننا نقف على بداية أكثر الدروب سهولة إلى ذكرياتنا اليومية، وبوعي صريح، صريح جداً، فالمرايا لا تكذب، إلا إذا كانت مقعرة"
تخيل أن تستيقظ يوماً وتقع عينك بشكل تلقائي على مرآة غرفتك فلا تجد إنعكاس ظلك، وقبل أن تبدأ في إستيعاب الأمر والشك في جودة المرآة أو كونك تحت تأثير كابوس لن تلبث إلا أن تستيقظ منه، إلا وتجد نسخة شبحية منك تدعوك للموت كحل وحيد، لم ينتهي الأمر هنا، فلن تعاني وحدك، بل سيعاني الجميع من حولك، وتبدأ رحلة عذاب ومقاومة، وكل بحسب قوته وسرعة إنهياره ولجوءه للموت كحل أخير، فهل تمثل النسخة الشبحية الأصل أم الصورة المنعكسة؟؟؟ ولم تدعوا للموت بهذا القوة والإصرار؟؟


"الألم إحساس تقوم عليه حياة الإنسان، وأن الشقاء أحد المنافذ نحو الرخاء"
بهذا المبدأ البسيط قامت جماعة "أبناء الطائر الأسود" على الخوف واختلاق المشاكل لإيجاد حلول، فيصبح الجميع بحاجة إليهم لإستقرار المجتمع والأمان، ظاهرياً تحكم الجماعة المدينة بجميع أحيائها بنظام قوي وعادل، والحقيقة أن الجماعة أساس كل الشرور والفتن، لضمان إحتياج الجميع لأبنائها والرضا المستمر بالظلم تحت شعار"الأمان أهم"، جماعة كل غرضها الإبقاء على المدينة على صفيح ساخن، فالإستقرار ليس في مصلحة الجماعة وإلا كيف تتدفق الثروات لأبنائها؟؟

مع بداية الوباء الذي طال الجميع، اجتمع اعضاء الجماعة لمحاولة السيطرة على الأمر، والخروج بأقصى إستفادة ممكنة من الوضع الكارثي الذي يضمن لهم المزيد من السلطة والتحكم في المدينة، ومع تزايد حالات الإنتحار التي طالت حتى بعض أعضاء الجماعة، زاد العنف في المدينة وخرجت الامور بالكامل عن السيطرة، فهل كان يخطر على بال أكثر المتشائمين في الجماعة أو أكثر المتفائلين في مجتمع الغجر أم يكون المنقذ واحداً منهم؟؟؟ وهل كان الأمر بهذه البساطة؟؟


عثر"باختو" على مخطوط الجد الأول بصدفة قدرية عجيبة، في الليلة ذاتها حلم بمقطوعة موسيقية على ناي وحفظها عن ظهر قلب، استيقظ بيقين أن الحل بيده ولكن بشرط العثور على الطائر الأبيض ذو النقطة الزرقاء، برحلة قدرية آخرى كان له ما أراد، ولكن هل تتخلص المدينة من الوباء بهذه البساطة؟؟


"في داخل كل منا وحش كاسر، قبالته حمل وديع، وكل له دائرة لا يغادرها، لأن ثمة ضوءاً يلقي بشعاعه عليهما بحيث لا يترك أي منهما مكانه، حينها إما أن يصبح ضعيفاً او متوحشاً"

من منا يختار قدره ومصيره؟؟ وهل التعرض لعنف في مرحلة عمرية ما كفيل بتغير الشخصية من النقيض للنقيض؟؟ أم أن للنفس البشرية دروبها الخفية والتي لا يمكن التنبؤ بها؟؟
تعرض كل من "فايد" و "توليب" لمأساة قوية في مرحلة مبكرة من حياتهم، اختار فايد طريق العنف، أما توليب ف اختارت الهروب من الذكريات والحفاظ على نفسها سوية، فهل يعاقب فايد رغم توبته؟؟ وهل تستطيع توليب الحفاظ على نقائها للأخير؟؟

حفلت الرواية بالكثير من الرموز والإسقاطات، فكان اختيار عدم تسمية الزمان والمكان رمزاً لتجدد الأحداث وصراع الخير والشر اللامنتهي إلا بنهاية البشرية، اختيار الوباء في اختقاء الصور من المرآة رمزاً لبساطة الكارثة وضخامتها في آن، اختيار النسخة الشبحية رمزاً للصراع بين الإنسان بفطرته وضميره النقي وبين شرور أعماله على مدار حياته، اختيار باختو من وسط الغجر رمزاً للمساواة بين البشر، فالجميع سواء أمام الكارثة، المخلص ليس بالضرورة من علية القوم، حتى النهاية رمزية بحتة

تميزت الرواية بسرد سلس وجذاب، بطريقة تعدد الرواة مما سمح لي كقارئ بالدخول إلى عمق كل شخصية وسماع الحكاية من وجهات نظر مختلفة ومتباينة، تسارع الأحداث كان مناسباً للغاية لأحداث الرواية، الفواصل قوية وممناسبة للغاية لكل فصل

كما جاء وصف الشخصيات وتحولاتها النفسية سلساً وبديعاً، مع التركيز على نقطة التحول لكل شخصية سواءً رئيسية مثل باختو أو ثانوية مثل شاندور أو نوار، حصل الجميع على حقه في الوصف بدون أي تقصير

لشد ما أعجبني الوصف على مدار الرواية، ففي مشاهد الحب أدخلني الكاتب إلى حالة شاعرية ومقهى هادئ على خلفية غابة وموسيقى جذابة، في مشهد تسلق باختو للجبل، تسارعت أنفاسي وكدت أحس بألامه مع كل سقطة، أما مشهد دخول الغجر للمدينة وتحرير باختو، فكان سينمائياً بامتياز

رواية قوية، ربما تقرؤها على مهل واستمتاع، وربما لا تستطيع الفكاك منها فتلتهمها في جلسة واحدة، وفي الحالتين أضمن لك متعة وتجربة قراءة لا تنسى
#قراءات_حرة
#قراءات_ابريل
1/8









Profile Image for فيصل السالم.
144 reviews8 followers
February 8, 2025
رواية قد تُكتب عنها مراجعة عابرة في تطبيقات القراءة والكتب، ولكنها تُثير أسئلة كثيرة حول مفاهيم كثيرة للتاريخ البشري.

الرواية كانت نسيجًا مترابطًا بين الذاكرة، والهويّة، والمصير، والتهافت البشري، والرقمنة، الطبيعة البشرية، الحضارة الحديثة والحضارة الغربية، إدمان الأجهزة، الأخطاء المتكررة عبر التاريخ الإنساني، الوجود الإنساني، الصفاء الذهني، نسيان الإنسان لنفسه وغرقه في الملذّات، عصر السرعة والتشتت، وتهافت الإنسان وصراعاته المُستمرّة، ومفاهيم كثيرة فلسفية وعلمية وأحيانًا تاريخية بهذه الرواية.

لعلّي لا أبالغ إن قلت أني رأيت بهذه الرواية أكثر من نصف قراءاتي للكتب ومشاهدتي للسينما، وبطابع إبداعي أصيل، ولغة مُتدفّقة إنسانية شاعرية.

خمسة نجوم ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️
Profile Image for Safinaz Sadek.
499 reviews294 followers
October 30, 2025
من الروايات التي لا اجد ما اقول عليها الا انني قضيت معها اجمل وقت مع لغة وسرد رائعان غرقت معهما.
وانا سعيدة لبداية القراءة لجلال برجس بهذه الرواية العبقرية .
شكرا وفي انتظار الجديد دائما 🥰
Profile Image for أمل النائلي.
34 reviews7 followers
May 9, 2025
«معزوفة اليوم السابع» للكاتب «جلال برجس»

حين بدأتُ قراءة هذه الرواية شعرتُ بأن هناك خلفية موسيقية ساحرة تُعزف معها كلّما قلّبت صفحاتها.
في ال��قيقة إن كتابة مراجعة عن معزوفة اليوم السابع أمرٌ ليس هيناً، وذلك لأنها رواية مدروسة بدقّة، لا مكان فيها للعشوائية والكلمات الفضفاضة الخالية من معانيها.
إنها رواية تعرف جيداً قضاياها المطروحة، وتعرف إسقاطاتها ورموزها، وتدرك رسالتها المختبئة داخل أحداثها وشخصياتها، لكنّها مع كلّ هذا تترك التأويل لخيال القارىء فليفهم كيف شاء! المهم أنها ساقتك إلى التأمّل وتذوّق هذا النوع من الأدب وولّدت بداخلك استفهامات متنوعة على أكثر من صعيد؛ فهي إذن قامت بمهمتها على أكمل وجه.
وبالتالي فإن الحديث عنها لا يحتاج إلى قارىء متذوّق وحسب، وإنما قارىء عادل ومُنصف كذلك.
ستقول لاحظتُ كذا، وتمنيتُ لو كذا، وتبقى هذه كلّها احتمالات ناتجة عن تجربة القارىء الشخصية.
ما أعجبني في هذا العمل أن كلّ القضايا المطروحة بدأت من فكرة: عدم قدرة الإنسان على رؤية نفسه في المرآة، وهذا قادني إلى أن كلّ الأخطار ستبدأ حين تفقد ذاتك وتضيع منك هُويتك، وحتى لا يحدث هذا فإن عليك أن تخوض حربك الحقيقية في البحث عنها والتمسّك بها.
وحين تظهر لك نسختك الشبحية التي ستتلاعب بك لتقودك إلى الهلاك؛ عليك أن تعكس الأدوار وتحاول جاهداً أن تُصبح أنت النسخة الشبحية لها!

عملٌ ممتع مليء بالتعقيدات التي زادت من عُنصر التشويق.
أتممتُ قراءة هذا العمل في جلسة واحدة، وخرجتُ منه وليس في خيالي سوى "نايٍ قيل إنه منذورٌ لزمن قادم!".


قرأتُ الرواية وناقشتها مع الكاتب شخصياً
في نادي همزة للقراءة.
🌷
Profile Image for Heba badr.
127 reviews27 followers
April 22, 2025
استمع إلى هذا الناي يأخذ في الشكاية، ومن الفرقات يمضي في الحكاية. منذ أن كان من الغاب إقتلاعي، ضج الرجال والنساء في صوت إلتياعي كل من يبقى بعيدا عن أصوله، لا يزال يروم أيام وصاله.
جلال الدين الرومي

تأخذنا رواية معزوفة اليوم السابع في رحلة فلسفية وصوفية وإنسانية ممتعة، صاغها الكاتب جلال برجس كمايسترو بارع، فالرواية بمثابة تاريخ للبشرية جمعاء وأيضًا انعكاس لمستقبلها، وما بين الماضي والمستقبل تظهر التحديات التي تواجه البشرية ، من بداية الخليقة حتى يومنا هذا، حيث عكست الرواية نفسيات البشر ورغباتهم وصراعاتهم. ورغم أنها ناقشت موضوعات معقدة، إلا أن الرواية جاءت انسيابية كمقطوعة رائعة.

أتدري لماذا لا تُنبئ مرآتك؟

تدور أحداث الرواية حول وباء غريب يصيب معظم البشر، حيث لا يستطيع المرء أن يرى انعكاسه في المرآة، وتظهر أمامه نسخة شبحية من نفسه تحثه على الانتحار وتدفعه له، ونتيجة لذلك خسر العديد من الأشخاص حياتهم ولبوا نداء نسخهم الشبحية. خلال الأحداث نرى ماضي البشرية، كيف نشأت وكيف تطورت، إلى أن أصيبت بالوباء الناتج عن غربة الإنسان عن ذاته، وعدم قدرته على التمييز بين الغث والثمين، ونرى اثار الطمع والجشع التي أدت إلى حروب عنيفةوأوبئة غريبة
على الرغم من أن العالم في الرواية مختلف عن العالم الذي نعرفه، إلا أنه يعكس عالمنا بدقةمذهلة.
فعالم جلال برجس مكون من سبعة أحياء، وكأنها تمثل قارات عالمنا، ويسكن الغجر على حافة العالم. صحيح أنهم مهمشون، ولكنهم أنقياء القلب، يحلمون بخلاص العالم، لم يتلوثوا رغم وجودهم على الحافة، أو أنهم لم يتلوثوا لأنهم كذلك.ولذلك نجوا من الوباء
تعددت الرواة داخل الرواية لنرى دوافع كل فرد وأفكاره، فنرى في البداية الجد وقراره بالهجرة وبواعثه، وبعد ذلك نرى كيف اختلفت شخصيات الأبناء والأحفاد عن الجد، فمنهم النقي مثل باختو، ومنهم القاسي مثل جونثان، ومنهم الحالم مثل توليب، والطامع إلى السلطة مثل العمدة، والعنيف مثل فايد، والمثقف مثل أدهم، والفنان مثل نوار.
مثلت كل شخصية نفسها، وكذلك كانت انعكاسا لكل طيف من أطياف المجتمع، فإذا جمعنا كل أفراد الرواية، من خلالهم نستطيع رسم صورة متكاملة ودقيقه للمجتمع بجميع طبقاته و تنوعه
الرمزية في الرواية
رغم أن الرواية سلسة وتظهر كحكاية بسيطة، إلا أنها تزخر بالعديد من الرمزيات والإسقاطات، لتظهر مستوى آخر للسرد يثير خيال القارئ ويُبهره.
فبداية من العنوان الذي يحمل للرقم سبعة، والذي يحمل الكثير من الدلالات، مرورًا بفقدان الإنسان لانعكاسه، وكذلك اختيار أن تكون الأداة التي يعيد المصابين إلى صوابهم هي الناي،
ومرورًا بالكهف الذي يدخله باختو ويقيم به، فيخرج إنسانًا آخر يرى الحقيقة، والطائر الأبيض رمز السلام. فالرواية غارقة في الرمزيات، على عده مستويات فلسفية وصوفية، ورغم بساطة الأحداث إلا أني أكاد أجزم أن كل قارئ لديه نسخته الخاصة من التفسيرات، وكأن الرواية هي أيضًا مرآة للقارئ وتفسيراته.

باختو ورحلة البطل
ظهر باختو كبطل أسطوري من عالم آخر، فهو لم يتأثر بالوباء عندما حلت اللعنة. فهو شخصية متفردة عن الجميع، لا يشبه أهل الأحياء السبعة رغم أنه يخالطهم، ولا يشبه باقي الغجر رغم أنه يعيش بينهم. فباختو هو واحد فقط، متفرد، فهو الطائر الأبيض، رمز السلام، وحامل الناي الذي حرر سكان الأحياء الذين نبذوه وعذبوه ، ورغم ذلك استمرفي طريقه وذلل كل العقبات ليعيد لهم ذاتهم. و كانت قصّة حبه مع توليب الجزء الرقيق في الرواية، والذي أبرز دفء الحب النقي، الخالي من المصالح، واظهر كيف يحقق المعجزات.
وساعد توليب على الشعور بالأمان الذي تفتقده، وأهداها عائلة بعد أن كانت تشعر بالوحدة.

الموسيقى على مسرح الرواية
إن كان باختو يعتبر بطل الرواية، فالموسيقى هنا تعتبر البطلة الخفية. فالموسيقى تغلف الرواية من البداية إلى النهاية، فمن العنوان إلى آخر سطر تحكي الرواية موسيقى، وكيف لا يحدث ذلك والموسيقى تمثل غذاء للروح وشفاء للقلب وكانت هي المنقذ للغجر في المنفي وباقي البشر في الوباء
تمنيت طوال القراءة أن استطيع سماع أغنيات نوار أو عزف باختو، الذي كان الشيء الوحيد الذي جمع بين الناس وألف بينهم، ولو لفترة قصيرة.

ما بين الوحش الكاسر والحمل الوديع

طوال الرواية، يبحث الجميع عن أبناء الطائر الأسود ويتساءلون عن ماهيتهم. هل هم عرق مختلف؟ ما الذي يجعل هؤلاء هم أبناء الطائر الأسود؟ وكيف اندمجوا داخل المجتمع وأصبحوا منظمة تهدده، وتجذب إليها من أبناء الطائر الأبيض؟ ومع مرور الوقت، تدرك أن أبناء الطائر الأسود هم في الأساس أبناء الطائر الأبيض، إلى أن ملأ قلبهم الشرور، وأصبح قلبهم قاتمًا وملوثاا، وانتقلوا إلى المعسكر الآخر.
الرواية وقضايا المجتمع
أبرزت الرواية العديد من المشاكل المجتمعية، فأبرزت قضايا مثل العنصرية والتمييز ضد الأشخاص المختلفين، وطغيان المصلحة الشخصية على المصلحة المجتمعية، وألقت الضوء على كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى وحش ويق*تل أخاه الإنسان في حرو*ب أهلية لأسباب لا تذكر.
كما أظهر الكاتب كيف يمكن للفقر والعوز أن يؤثرا على إدراك الإنسان لذاته، حتى في فترات الوباء، حيث إن تحصيل لقمة العيش كان بالنسبة ل لمياء أخطر على عائلتها من الوباء.
كما تطرق إلى كيف يمكن للطفولة القاسية أن تحول الإنسان إلى وح*ش، كما حدث مع جونثان. كما اشار الي دور المثقف في محاولة إعادة المجتمع إلى صوابه، وحتى لو كان يعلم أن هذا الأمر قد يكلفه حياته.
ما بين البداية والنهاية
جاءت نهاية الرواية مؤثرة ومقنعة، فهي جسدت دروس العالم التي تتكرر ولكن لا نتعلم منها، فالتاريخ دائما يعيد نفسه، ولكن لا يتعظ منه إلا قلة مختارة.
وفي نهاية الأمر، حتى لو وجدت كل سبل الخلاص، مثل وجود شخص منقذ، والمخطوطة التي تشرح الطريق، والناي الذي يعيد النفوس إلى سابق عهدها، ولكن كل ذلك سيكون بلا جدوى إن لم يكن الإنسان نفسه يريد أن يتم إنقاذه أو أن يتحرر.
فالوعي ونقاء القلب هما الأساس في التغيير، أما باقي الأشياء فمجرد أدوات.وهكذا، لا يمكن لأي خلاص أن يتم مالم ينبع التغيير من الداخل. فكما قال الجد الأول في المخطوطة: إن أجسامكم وعاء للروح والنفس والقلب والعقل، فإن اختل ميزان ملذاتها، صرتم عبيدًا لا تملكون من أمركم شيئًا، فانتصروا للميزان.
Profile Image for MoniCa Abdel-Malak.
86 reviews10 followers
April 23, 2025
معزوفة اليوم السابع
الكاتب: أ. جلال برجس
إصدار: دار الشروق
عدد الصفحات: 320

في كل سنة بيكون من نصيبي إني أقرأ عمل يخليني مستمتعة جدًا لدرجة إني أحس إنه اكتشاف جديد، وإن فيه كنز من قلم لسه مستنيني.
وده بالظبط اللي حسيته مع رواية "معزوفة اليوم السابع" للكاتب أ. جلال برجس.

((مبدئيًا المراجعة شاملة كل جوانب الرواية، فممكن تأثر على استمتاعك لو لسه مقرأتش الرواية))

*****

بنبدأ الحكاية مع آدم وحواء جُدد.
آدم: شاب في مدينة أنهكتها الصراعات والكراهية، بيتعرض لحادث وينجيه الله منه، ولكن لنقاء قلبه، يظهر له والده في حلم ويلهمه أن يترك العالم وو يتجه ناحية جبل منعزل يعيش فيه
اما حواء قصتنا هي بنت يتيمة، آمنت بالنداء وتبعته.
فتكن تلك هي النواة الأولى لحياة جديدة، لجيل من الأبناء والأحفاد، ولمدينة أساسها هذا "الجد الأول".

و كما القصة الأصلية، يبدأ الحقد يشكل نفق في العالم الجديد، ومنه يتسرب الكراهية ، والقتل إليه..
لتبدأ الجريمة الأولي تتشكل في نسل هذا الجد الذي ينهك الحزن قلبه
ثم تصيبه رؤيا عما ينتهي إليه حال سلالته ،
فيفزع .. ويقرر أن يكتب مخطوط برؤيته ويترك معها ناي موهوب لمعزوفة مقدسة لخلاص العالم..
يضع الجد رجائه في مخلّص ، يأتي من نسله ليبدد الشر من العالم ويرجع الإنسان الي سيرته الأولى وطبيعته النقية

*****

‏"أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ٱلسَّمَاءَ وَٱلْأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ ٱلْحَيَاةَ وَٱلْمَوْتَ، ٱلْبَرَكَةَ وَٱللَّعْنَةَ. فَٱخْتَرِ ٱلْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ"
(الكتاب المقدس - سفر التثنية)

تلك الآية كانت كجرس يرن في نفسي طول الرواية..
الرواية التي إختصرت تاريخ الإنسانية بين صفحاتها

فمع تطور مدينة الجد، تتطور الإنسانية أيضا بانحدارها
وظهرت أمراض المجتمعات
من الطبقية، والحروب الاهلية، والحروب باسم الطوائف والملل،
سيطرة المال، واحتكار العلم والدواء، وأخيرًا السلطة السياسية كلها في إيد قوة واحدة!

*****

من ينقذ المدينة من قبضة إبليس وأعوانه؟
مرض يتفشّي في جميع أنحاء المدينة ويصيب الجميع سواسية ، فلا يستطيع أحد أن يري صورته ف المرآه لكنه يرون صورة شبحيه منهم، صورة شبحيه تحضهم علي .. الموت ،
يخاف الناس من ��شباحهم ، ويترجون المرايا لتظهر لهم حقيقتهم
ما لا يدركه أهل المدينه أن ما أختفي هو ذاتهم المزيفه ، تلك التي تظهر في المرآه عندما يتجملون أمامها ليصبحوا راضيين عن مظهرهم و خادعين لضمائرهم ، أما ما ظهر فهو نفسهم الداخلية التي تئن تحت وطأة ذنوبهم و خدر ضمائرهم.

أما الغجر،
المنبوذين من المدينة ،
لا تصيبهم لعنه المرايا
في مفارقه واضحه لأنهم يرون حقيقه انفسهم فعلا ، فلا سلطه للمرض عليهم ..
*****

"ترى ما الحب؟ هل هو تلك الشحنات العاطفية التي تولد بين اثنين يلتقيان صدفة، ثم يشعر كل واحد منهما أنه منجذب إلى الآخر بلا قدرة على مقاومة هذه الطاقة الخفية؟ هل هو الإحساس بالحاجة إلى حضن يبعثه عن برد هذه الحياة؟"

"أن الحبّ ليس مجرد إفصاح شفويّ عجول عما يحسّ به إنسان، إنما هو التعبير عن إيماننا به، والتضحية لأجله، بوعيٍ من عليه أن يُشيّد جسراً نحو الحياة."

حقيقة الحب، تتجلي في حب باختو من منبوذين المدينة ، و توليب من اهل مدينة الجد الاول ورثت امراضهم ، و عانت من اثامهم ..
تتجلي في حب نوار للفن ورسالته الثورية
تتجلي في حب شاندور لقومه و لعائلته وحكمته

*****

في الرواية إسقاط علي افعال البشر الغوغائية ف الازمات ،
وكيف يتعامل المسئولين في تلك الأوقات، من تنصّل وقلق ، وإستغلال الأزمة لخدمة مصالحهم الخاصة!
الصراع الداخلي في كل شخصية مرسوم ببراعة .. لدرجة جعلتني أتوقف كثيراً عن القراءة وأتسائل .. كيف استطاع أن يصف هذا الصراع بكل هذه البراعة وكل كذا المنطق ..

*****
"كيف انطلقت من علاقته بقمامة المدينة، وها هو الآن يخلّصها من ذاتها بروح الموسيقى ذاتها."

يتجلي المخلص في باختو
الغجري المنبوذ من الارض،
أفقرهم مالاً وأغناهم قلبًا وضميراً..
يحمل علي عاتقه رسالة خلاص البشرية من ذنوبهم وامراضهم ..
وإعادة الإنسان إلى براءته الاولي

لكنه يظل خلاص مؤقت ، ف حتي وأن لم يعد للمرض تسلط عليهم ، وإن تبرأ الانسان من أفعاله وعاد إلي وداعته..
يظل شفائه مرهون بمدي حفاظه علي نقاء روحه وتطهره من اثامه.
*****
الشخصيات مش مجرد عرائس ماريونت في قصة ، لكن لكل شخصية وعي وهدف وادراك متفرد عن الشخصية الأخرى
كل دا في قالب لغوي فريد ، وكلمات عربية سليمه بعضها نادر ولكن ملائم جداا لتفرد فكرة القصة،
وكأننا نقرأ مخطوط قديم منسي، يحمل كنوز من الحكمة.

في النهاية ،
أنا فعلاً حسيت إني عايشة في عالم الرواية..
كل تفصيلة بسيطة كانت رمز لحياتنا.
النوع ده من الروايات، ماينفعش يتقرأ مرة واحدة.
كل قراءة هتفتحلك وعي جديد، ومعنى مختلف، ووجهة نظر أعمق.

شكرًا مكتبة وهبان على الترشيح،
وشكرًا للكاتب على التحفة الفنية الأولى بالنسبالي ومش هتكون الاخيرة
This entire review has been hidden because of spoilers.
Profile Image for Samah Mousa.
1 review
February 7, 2025
معزوفة اليوم السابع، للكاتب الكبير جلال برجس، هذه الرواية عظيمة وذات قدر كبير، لم تكتب فقط بدافع التسلية للقارئ، هذه الرواية كتبت لتغيير العالم، جلال يجعلنا نقفُ على قمة جبل ننظر من خلالها للعالم، وننصت، جلال يريدنا أن ننصت تارة لصوت السلام، وتارة يريدنا أن نحلّق باتجاه النقاء، إنها ذات الأشياء التي تجعلنا نرى أنفسنا كما هي، وأن لا نخشى المرايا، جلال يطمحُ لهذا العالم أن يكون إنسانيا، مسالما، يسعى نحو الحب والأمان، وهو يعيدنا إلى حقيقة أننا نحتاج دوما إلى أن نعرف أنفسنا، ونعود إلى حقيقتها الداخلية في البحث عن نوازع الإنسانية من قبل أن تجردها مطامع هذا العالم وتشوهات الذات، والانصياع وراء حقيقة تبعد الفرد عن الحب، ما المغزى من جعل هذا العالم يئن بترجٍ؟! لم علينا أن نرى الدماء منثورة في كل مكان ونحن نقف على هذا الجبل؟ لم علينا أن نشعر بقسوة لم نعهدها، لم نتألم، ولم تزرع الغيرة والحقد والبغضاء، لم يحدث هذا؟ ونحن في أعماقنا الخفية يكمن إنسان، إن لم نخرج هذا الإنسان، سنرى المرايا فارغة تماما، سنتجرد من حقيقتنا، الرواية ساحرة، وعميقة، إن دلت تدل على أديب يتألم وهو يرى حقيقة العالم البائسة ويسعى لنشر شيء يشبه الموسيقى والطائر الأبيض، هذه الرواية أجمل ما قرأتُ، وستبقى محفورة في أعماقي، تنده لها الحروف والمعاني، ترى الجبل، تسمع الناي، ترى المدينة، الأضواء، الناس ...حقا..الأدب هو الإنسانية، الأدب هو الحياة.
شكرا من عميق قلوبنا لك أيها الكاتب المبدع.
Profile Image for ليلى.
3 reviews
January 11, 2026
تدور أحداث الرواية في مدينة خيالية تتألف من سبعة أحياء ومخيم للغجر في جنوبها، حيث يظهر وباء غريب يصيب سكانها ويخفي انعكاسهم على المرايا، ونسخ شبحية تسخر منهم وتدعوهم إلى الانتحار، يتتبع الشاب الغجري باختو رحلة الوصول إلى وصايا الجد الأول لإنقاذ المدينة
اللغة جميلة والأسلوب جيد لكن الأحداث متوقعة من البداية، ومسار القصة يمكن تخمينه بسهولة. افتقدت عنصر المفاجأة والتشويق الذي يشد حتى النهاية.
Profile Image for Sirina Youssry.
4 reviews1 follower
Read
April 23, 2025
هل بوسع الفن، ومعه حكمة المهمشين، أن يكونا طوق نجاة لعالم غارق في الفساد، ومنفصل عن ذاته؟

في رواية معزوفة اليوم السابع، ينسج الكاتب جلال برجس بفضائه الإبداعي كونًا روائيًّا افتراضيًا يتجاوز حدود الواقع، ليصبح بمثابة مرآة تعكس قلق واضطراب الإنسان الحديث وأسئلته الوجودية، في ظل حضارة مادية مترنحة على حافة الهاوية.

هذه الرواية هي رحلة إلى المستقبل تتخذ من الديستوبيا إطارًا لسرد حكاية عالمين؛ المركز والهامش. المركز مثال للسلطة والامتيازات؛ هو مدينة افتراضية خيالية أو هكذا نعتقد أنها خيالية مقسمة إلى سبعة أحياء تدعى مدينة " الجد الأول". هذه الأحياء السبعة ليست مجرد مساحات جغرافية، بل هي انعكاسات للتقسيم الطبقي في حياتنا الحالية، حيث تجد فى كل حي ما يميزه عن الآخر.
تلك الأحياء السبعة تحمل في طياتها أزمات البشرية جمعاء: الفساد، الاستبداد، الطبقية، الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية، انهيار القيم، التكنولوجيا، الفردية وآخرها الوباء.

يقبع على أطرافها الجنوبية الهامش الجائع المتهم بالرجعية والتخلف؛ وهو مخيم للغجر –تكون نتيجة سنوات طوال ومراحل عديدة من التهجير والطرد من المدينة— يسكنون خيام متناثرة بدلًا من البيوت يمثلون المهمشين المطموسين وجميع الفئات التي وقع عليها الظلم والإقصاء والتهجير في هذا الكون والمسكوت عنهم.
العلاقات متوترة جدًا بين هذين الطرفين حيث لم يكتفي أبناء الطبقة النخبوية أبناء المركز بطرد الغجر من المدينة وتهميشهم على أطرافها بل زاد الإقصاء حده في جعل النفايات والقمامة هي الحدود الفاصلة بين المدينة ومخيم الغجر، في إشارة عميقة إلى التهميش والإقصاء الاجتماعي.

يهاجم وباء وجودي غامض غريب ونادر هذه المدينة يمحو هوية الناس ويسلب الإنسان قدرته على رؤية انعكاسه في المرآة ترافقه نسخة شبحية تكرر له أن لا خلاص إلا بالموت فيقع في غرامه. يضج السكان بذلك وتسود الفوضى وتتحول المدينة إلى مسرح ومرتع للجنون والانتحار، وبالتالي تصبح المدينة وسكانها على حافة الفناء.

🌟 أولًا: البناء السردي

فقدان الهوية وتمزق خط الزمن

الحبكة هنا معقدة تتماشى مع طبيعة الأحداث والأزمات التي تعالجها لهذا تتداخل خطوط الزمن بين: الماضي والحاضر والمستقبل بداية من هجرة الجد الأول من بطش وجور مدينته إلى الجبل، بناء وتعمير المدينة الجديدة، ومن ثم المخطوط والناي السحري، إلى الأحداث المعاصرة وما آلت إليه من الوباء والتكنولوجيا والنزاعات الطائفية وصراعات السلطة والمهمشين والقتل والتناحر وصولًا إلى رحلة البحث عن الناي وانتظار الخلاص.

🌟 ثانيًا: الشخصيات

كيانات متعددة الأبعاد وتعبر عن تناقضات وأطياف المجتمع

1. باختو: الغجري المنبوذ رمز الخلاص

بطل من الهامش، باحث عن معنى وسط الاضطرابات فيحقق التغيير. غجري غريب الأطوار يعمل في كنس الشوارع في مدينة الجد الأول. عاشق للموسيقى ومتذوق لها، مثقف ومولع بالقراءة في تناقض تام مع انتمائه المهمش؛ حيث يؤمن الغجر بأن الشر يكمن في الكتب لكن باختو خالف هذا المعتقد. متأمل ومحب للحياة رغم قسوة الأوضاع من حوله.
يتحول من منبوذ إلى رمز الخلاص عندما يعثر على مخطوط الجد العتيق فيكتشف أنه المختار وتبدأ رحلته لإيجاد الناي المنذور الذي تنبعث من ثقوبه موسيقى تشفي المصابين بالوباء وتوقف سلسال الدم وموجة الظلم والفساد فيصبح مصير الجميع مرهون به.
علاقة حبه بتوليب تمثل التحرر من عقد الفروق الإجتماعية وكسر التابوهات الطبقية وتحالف الهامش مع المركز.
وصعوده إلى الجبل في النهاية هو إعلان صريح أن طوق النجاة والخلاص مرهون بتشبث الفرد بنقاءه وجوهره الإنساني الأصيل.

2. توليب: رمز الجمال وعنصر التجسير بين المركز والهامش

هي ابنة المركز؛ مصورة فوتوغرافية من مدينة الجد الأول وحيدة لا أصدقاء لها سوى كاميرتها. تفقد عائلتها إثر النزاعات والمذابح الطائفية الدموية فتحول كاميرتها إلى سلاح لاستعادة الإنسانية وأسر لحظات من الجمال الخفي. وهنا تلتقط عدسة كاميرتها باختو وتبدأ شرارة الحب. الحب الذي لا ينمو إلا في منطقة الاختلاف. علاقتها بباختو تعد أنبل وجوه الحب ودليل على قوة الفن في التقريب بين الأشخاص.

3. شاندور: رمز لحكمة الهامش

والد باختو وزعيم الغجر، شديد التحفظ على باختو ويرفض ولعه بالقراءة الذي يرى فيها وفي انفتاحه على المدينة خطرًا على هويته الغجرية. يقف على مفترق طرق في مرحلة حرجة بعد سقوط سلطة المدينة الفاسدة ويتساءل: "ما الذي سأفعله لهؤلاء الذين ينتظرون العمدة الجديد ليخلصهم من بؤس المخيم؟"
هل يغادر بمعية الغجر أم يظل ويقود التغيير.

4. نوار: المغني المعتزل

هو مغن شعبوي من أبناء المركز رمز للفن وناهل من تراث الأسلاف. حاضن وداعم لباختو وتوليب مؤكدًا على أن التغيير لا يحدث إلا بتعاون الفئات المختلفة.

5. فايد: عندما تتحول الضحية إلى جلاد

وقفت طويلًا أمام شخصية فايد. فقد أخذني تناقضه الحاد الذي يحكم ملامح مسيرته. فقد عرف بذكائه وعقله المتقد حيث كان ناشطًا ثوريًا في حركة طلابية مهتم بالقضايا المجتمعية ومطالبًا بتحقيق العدالة الغائبة عن أبناء حيه. مقتل عائلته على يد أبناء الطائر الأسود وتلاعب تلك الجماعة بضعفه حولته من مدافع عن الحق إلى جلاد مأجور وأداة في يد القوى الخفية.
عندما تتحول الضحية إلى جلاد فإنها تكون جلادًا بليدًا يفوق جلاده الأصلي قسوة وبطش. هنا أصبحت الضحية السابقة جزء من النظام نفسه الذي قهرها. تحول فايد من ضحية إلى جلاد شيء مخيف يكشف عن التعقيد النفسي للإنسان إذ يمكن للمعاناة أما أن تصنع التعاطف كما في حالة توليب أو القسوة كما حدث مع فايد.
وفي خضم إجرامه، خرجت إلى النور شعلة ضمير خافتة كانت تقبع في أعماقه أثناء لقائه بأستاذه العجوز الذي يمثل الصوت المتبقي من الضمير قائل��ا له: "لو أني أستاذك كما تزعم، لما بعت نفسك لمن عاثوا بهذا الحي فسادًا، لأجل مطامعهم". في محاولة منه لإيقاظ ضميره وتذكيره بمن كان في السابق.
لكن انهياره الحقيقي بدأ عندما اكتشف حقيقة مقتل عائلته ومقتل حبيبته روبين أمله الضائع. نازعه الألم وندم أمام أطلال بيته فحاول التكفير عن ذنوبه والتطهر من دمويته عبر مساعدة الغجر وامدادهم بالقوة والغذاء.
فايد ليس شريرًا ولا الإجرام متجذر فيه بل هو إنسان انحنى لظلام الظروف فسار أسيرًا له.

6. أدهم: شهيد الحقيقة

أدهم هو سقراط مدينة الجد الأول. فكما أُعدم سقراط لأن خصومه بدأوا يشعرون بخطورة فكره وتعاليمه على مراكزهم ومصالحهم، قُتل أدهم لنفس الأسباب. وكما رفض سقراط الهرب من السجن تلبية لرغبة أصدقائه، رفض أدهم تحذيرات صديقه نوار وخوفه عليه.
أدهم هو ذلك المثقف الثائر شهيد الحقيقة الذي تسكته رصاصة فساد السلطة وقهرها. اغتياله يجسد مصير هؤلاء المناضلين في مواجهتهم الفساد والقمع. لم يكن أدهم شخصية ثانوية بل هو حامل المشروع التنويري لإصلاح المجتمع لكن يغتال لتعارض أفكار مع السلطة الفاسدة. فيتحول إلى إرثٍ حي لا تموت أفكاره بموته وهنا يحضرني اقتباس من فيلم V for Vendetta
"تحت هذا القناع يوجد ما هو أكثر من اللحم. تحت هذا القناع توجد فكرة والأفكار لا تقتلها الرصاصات".

🌟 ثالثًا: الثيمات والمواضيع الرئيسية

1. الوباء
الوباء هنا مرآة تعكس أزمة الهوية الوجودية للإنسان المعاصر. وتتحول المرايا إلى مسرح للزيف، وحقيقة الإنسان الكاملة تكمن في تلك النسخة الشبحية؛ فهي حقيقته التي مهما حاول إنكارها واسكاتها إلا أنها كامنة وجاثمة في نفسه وعقله. ذلك الصوت الذي مهما حاول اسكاته وظن أنه انتهى يكتشف أنه لم ينتهي بل تمدد وتعالى أكثر.

2. المركز والهامش

تعتمد الرواية على ثنائية متباينة جدًا بين المركز؛ مدينة الجد الأول بما تمثله من سلطة وامتيازات وثراء ورفاهية وخدمات، والهامش؛ مخيم الغجر وما يمثله من تهميش وفقر وحرمان من أبسط حقوقهم الآدمية. هنا يستأثر المركز بالموارد والخدمات في صورة كاشفة لكيفية توظيف النظام لأدوات سلب وحرمان الهامش من كل مقومات الحياة والخدمات الأساسية. ولا يسمح لأي كائن ما كان من الهامش بدخول المدينة إلا للقيام بأعمال وضيعة مفروضة عليهم. مما يحول الفقر والحرمان إلى وسيلة لضمان بقاء الإمتياز الطبقي وسهولة استغلالهم وزيادة عمق الشرخ بين المدينة والمخيم.
هذه العلاقة تعكس واقع سوداوي حقيقي في العديد من المجتمعات حيث يستخدم التمييز الاقتصادي والاجتماعي كسياسية ممنهجة تنتج فقراء للإبقاء على هرمية السلطة والتباين ليس فقط مادي بل ثقافي واجتماعي فيستمر هذا التباين كأداة للسيطرة في يد الطبقة النخبوية.

3. الفن

يمثل الفن المتمثل في كاميرا توليب، وناي الجد المنذور لباختو، وموسيقى نوار، جسر للتواصل بين المركز والهامش. فالفن والموسيقى هما من جمعا باختو بتوليب وبنوار. كسر الفن هنا الحواجز الاجتماعية فانصهرت الطبقات والتقوا فيما بينهم فقادهم ذلك إلى التغيير الذي لم يكن لينجح لولا اجتماعهم وتعاونهم.

4. حكمة الأسلاف

حل المعضلة هنا في الرواية كامن في الحكمة القديمة والرجوع إلى الإرث المحفوظ والمتروك لنا. المخطوط العتيق والناي المنذور كانا طوق النجاة من الاغتراب. والعودة والحفاظ على هذا الإرث هو الخلاص من القيود واللعنات.

🌟 النسخ الشبحية في الرواية

توقفت كثيرًا عند النسخ الشبحية في الرواية تحديدًا نسخة العمدة في آخر لحظات حياته.

لا يكتفي الوباء بسلب رؤية الإنسان لوجهه في المرآة أو أي وسيلة أخري تعكسه مثل الكاميرا بل يمتد إلى استبدال الانعكاس بنسخة شبحية منه تطارده وتلحق به تزين الموت في عينيه. مما يوحي تساؤلًا مهم هل ما نراه في المرايا حقيقي وما مدى حقيقته، وهل يوجد وجه خفي آخر يقبع تحت هذا الانعكاس؟ تلك النسخ الشبحية تعري حقيقة الشخص ومساوئه أمام نفسه تظهر كصوت الضمير أو كذكريات مؤلمة سالبة منه أدنى شعور من الأمل أو الاستحقاق في الحياة فيقدم على الانتحار.
كذلك فعلت نسخة العمدة الشبحية طيلة الرواية، لكن في آخر لحظات حياته حدث استثناء واحد من القاعدة، فبدلًا من دفعه للموت، حاولت إنقاذه في اللحظة الأخيرة. رآها العمدة تتعارك مع نسخة شبحية أخرى لرجل قاتل، وعندما فشلت نسخته الشبحية في ثني الرجل عن قتله نظرت إلى العمدة آسفة فكشف عن رغبة العمدة الأخيرة في التكفير عن نفسه حتى لو كان الثمن هو الفناء.

🌟 الخاتمة:

في نهاية المطاف، تحكي الرواية سيرة المصير الإنساني ومعنى الوجود وتركز على تراجع القيمة الإنسانية، متوغلة داخل أعماق الإنسان، وتسلط الضوء على تناقضاته، والحال الذي وصل إليه من ضلال دربه في متاهات الاغتراب عن الذات والحداثة المزيفة سائرًا نحو الهاوية. تستشرف ما يمكن أن تؤول إليه البشرية في المستقبل. فهي لوحة لعالمٍ مكسور في زمن اختفت فيه روح الجماعة لصالح الفردية. ولكن في خضم الظلام يولد الأمل، مهما بدا مستحيل، ولا يأتي من أماكن متوقعة بارزة بل يولد من أقصى حدود الهامش من أولئك الذين لم يتلوثوا بفساد الجوهر.

وهكذا يجيب الكاتب عن السؤال:
نعم بوسع الفن ومعه حكمة المهمشين، أن يكونا طوق النجاة لعالم غارق في التيه والفساد.

Profile Image for Shimaa Mostafa.
13 reviews
April 24, 2025
" معزوفة اليوم السابع" لجلال برجس..الرقص على حافة الفوضى.
في منجزه الأحدث" معزوفة اليوم السابع " الصادر عن دار الشروق ، يضع جلال برجس المروى له في مواجهة أمام مرآة ذاته، قبل أن يضعه في مواجهة أمام عالمه الخارجي، فإن كانت شخوصه عاجزة عن إبصار دواخلهم، فالمروى له عليم بالحقائق، بصير بخبايا الأمور، فلا سبيل للتخاذل، ولا نجاة في الهروب، ولا مفر من المواجهة.

تشكل الرواية في بنيتها سردية مدن من الدرجة الأولى، إذ أنها تدور أحداثها حول بؤرة مركزية نسج منها الجد الأكبر وذريته قرى ومدينة ذات أحياء سبع، مذيلة بأرقام ، ككناية عن اتساع البؤرة الرئيسة للأحداث، ولإكساب الطرح شمولية وانفتاحًا، باعتباره إحدى الإسقاطات الدلالية التي تكدس بها النص فإنها تدل على أن سكان هذه الأحياء كأموات الوغى، مجرد أرقام ، في بؤرة باتت فيها الآلة منافسة للإنسان، فلا ندري هل يتم رقمنة الإنسان ، أم أنسنة الآلة، ولم تكن تيمة الرقمنة للأحياء هي الرمزية الوحيدة في العمل، فنجده يشير في العمل إلى أبناء الطائر الأسود، باعتبارهم قوى الظلام ، والطائر الأبيض ، وفي الوقت نفسه يذكرنا في بداية السردية بالسلالات الثلاث للبشر: القوقازية، الزنجية، المغولية، وبالعودة للمعتقد الغجري فنجد أن الغجر يؤمنون بأن أصول البشر ثلاثة رجال أحدهم أسود، وأحدهم أبيض، والأخير غجري، والذي عوقب بالشتات حين قتل أخاه، ولهذا كانت الأحياء السبع مقسمة بين أبناء الرجلين ، في حين سكن الغجر خيامًا على أطراف المدينة ، وللمفارقة يكون الخلاص وعودة السكينة للمدينة على يد غجري (باختو) ، فلم يحمل باختو عبء أبناء عشيرته فقط، بل أعباء مدينة كاملة لفظته هو ومن معه من قبل، ولهذا جاء باختو للمدينة بمهنة عامل نظافة دون غيرها، يحمل مكنسة ويدفع عربة ؛ ليزيل عن المدينة آثار نكسة شوهت بنيتها المعمارية، ودثرتها بالقاذورات، علهم يبصرون، فواجه باختو قوى الظلام في رحلته بيد حملت مكنسة وكتاب وناي.

وهي إسقاطات يعكس رؤية سياسية ومجتمعية ثاقبة للكاتب.
ولم تقتصر الطيور السوداء والبيضاء على دلالة الخير والشر الكامنة في النفس البشرية بتفاوت، ولكن كعلامة سيمائية على أبناء السلالات الأخرى، ولهذا لم يطل الوباء الغجر، كون الصراع بين سلالتين أخرتين.

وقد ارتبط العمل بالزمن الواقعي الآني ببنية خطيةـ رغم صراع الأزمنة الثلاثة على الهيمنة ـ حين توغل داخل الواقع وقضاياه السياسية والعرقية، والمجتمعية، كآليات إدارة الأزمات في المجتمعات الاستهلاكية ، حيث الكنز والحيازة لكل ما هو متاح وإن لم يكن مباحًا، وقد تجلى هذا حين تزاحم سكان الأحياء لشراء السلع الغذائية بشراهة أثناء الوباء، والوباء نفسه باعتباره مؤامرة لخفض الكثافة السكانية وللإبادة العرقية، كما اتهم الناس العمدة والچنرال، ما هي إلا سياسة آنية لدى أصحاب القوى والسلطة للهيمنة على العالم، فضلًا عن تناول الأزمات الاقتصادية المتلاحقة والتي نشب عنها خلل في الطبقات الاجتماعية ، كانتقال أدهم من الحي الأول للحي السابع، وغيره.
ولهذا جاء فك بنية الصراع بين الأزمنة تكمن في الزمن الآني لا الماضي ولا المستقبل ، لأن من ملك الحاضر، صنع الماضي ، وهيمن على المستقبل.

" الاقتراب الحقيقي من ذواتنا هو الاقتراب من اللحظات التي نعيشها، وليس التي عشناها، فتوقعنا في مغبة الاستغراق في الحنين"


وعن الراوي الخارجي فقد منحه برجس فضاء مكاني متسع مكون من سبعة أحياء فتحرك داخله بحرية دون قيد؛ ليوهمنا بحياديته، عبر ضمير الغائب ، حيث جعل السياق السردي متطورًا ومتصاعدًا، على لسان راوٍ آخر غير البطل، وليسرد خبايا المدينة المنكوبة ، والتي يعجز سكانها عن التكيف مع الواقع ، وفي الوقت ذاته ليس لديهم القدرة على التغيير.

وإن كانت سلطة الحكي تقع معظمها تحت هيمنة ضمير الغائب، فهذا لا يعني أن زوايا الرؤيا استندت على رؤية الراوي الخارجي فقط، إذ أحدثت مخطوطة الجد الأكبر اتزانًا، وأكسبت الحكي ثقلًا، باعتباره راوٍ عليم، فإن عاد باختو للناي الأسطوري ، ونجح في حل لغز الحاضر، فلم يتم هذا إلا بمعية مخطوطة الجد باعتبارها إرثًا وخيطًا في رحلة النجاة إذ تضمنت رسائلًا واضحةً، للنجاة أبرزها الوعي والمعرفة.

الأنطولوچيا بين الفرار والمواجهة


في معزوفة اليوم السابع، لم تكن لعبة استدعاء الأصوات (الأشباح) باستخدام ضمير المخاطب إلا لتضع الأشخاص في مواجهة أمام أنفسهم / مخاوفهم قبل أن يتم الزج بهم في مواجهات مباشرة مع الخطر الخارجي، وقد كانت الرؤية عبر ضمير المخاطب باستدعاء الصوت تفوق رؤية الجد الأكبر في مخطوطه ، فهو رغم بصيرته حين شاع الشر في قريته الأولى، لم يواجه ولم يتصدَ للشر ، لكنه وبهدوء هجر القرية واتخذ من بقعة أخرى مهادًا له ولذريته، وربما يكون ذلك لعدم التوافق في المعركتين، ولكن وبعدما استقر في بلدته وحين عاد الصراع بين الخير والشر من جديد ، انسحب مرة أخرى من المعركة، متخذًا من الجبل ملاذًا له.

" إن عقولكم مشاعل تطرد الظلمة، مشاعل لا يتوهج نورها إلا إن وعيتم وعرفتم ، وبتم قادرين على أن تميزوا بين الطريق التي تفضي إلى هاوية ، والطريق التي تؤدي إلى النور"


ولأنه يعلم أن وجود الشر ضروري لتوازن القوى، كان تأثير الناي على سكان الأحياء تأثيرًا مؤقتًا، ولبيان أزلية الصراع واستمراره برزت الموسيقى كمحورًا رئيسًا في دفع الأحداث كونها سبقت اللغة المنطوقة من جهة ، ومن جهة أخرى لا تعترف بلهجات أو فوارق، فالجميع يمكنه سماع الموسيقى والتفاعل معها، عكس اللغة المنطوقة التي تتطلب فهم ودراية للتواصل مع الآخر، فجاءت الموسيقى لتفرض كلمتها ولتوحد الجميع تحت رايتها، وقد كان الناي تحديدًا دون غيره من الآت الموسيقية ، لسببين أولهما : أنه من أقدم الآلات الموسيقية وأبسطها إذ أنه يصنع من القصب البري، ولهذا فهو آلة بسيطة تواجدت في الماضي ، وما زالت في الحاضر، والسبب الثاني أنه يتم التعامل به بالنفخ من روح العازف، فيحمل في جوفه سر البشر وبيده بوحهم ، آلة تحمل الحزن والفرح، ومزمار الحب في الثقافة القديمة، فالحب والفن قاربا النجاة، وعماد الحضارة.
ولم يكن الحب بشكله الحميمي بين الذكر والأنثى والمتمثل في علاقة باختو وتوليب وحده المراد ، ولكن الحب بمفهومه الشامل ، كحب شاندور لعشيرته وتمسكه بخصوصيتهم وهويتهم، حب الجد الأكبر لأحفاده وتركه لمخطوطه كمشكاة ترشدهم حين يسود الظلام، حب بدور لباختو ووجودها بجانبه بكل ما أوتيت من قوة، حب أدهم لجاد ورغبته في إنقاذه، حب نوار للفن.


" عادة ما تأتي التجارب الأولى في الحب متهورة، مثل نزول شخص لا يجيد السباحة إلى بحر ساكن، لو تلاطمت الأمواج فستصبح نجاته مرهونة بقدرته على التوازن.

وما يثير الذهن حقًا، هو الخروج عن النمطية المألوفة عن التاريخي المرجعي للغجر، واعتماد أغلبهم على نسائهم في إعالة الأسرة، فنجد باختو عائلًا لأسرته، وقارئًا نهمًا، يلتهم كل ما يصادفه من كتب، وراقصًا مؤمنًا بمقولة حلا الدعاس" الرقص ..أيها السعادة القصوى..أيها الحزن العميق"
فرقص على حافة الفوضى، وحينها بدأت الأرض تتأهب لحدث جليل.



يقول إدواردو غاليانو :
"أنا لا أطلب منك أن تصف سقوط المطر ليلة وصول كبير الملائكة، أنا أطلب منك أن تجعلني أتبلل”
لجلال برجس قدرة على سرد التفاصيل بدقة متناهية في الوصف والتشبيهات، ونقل الصورة الممتدة لاستثارة حواس المروى له وكأنه جزء من التجربة، فنجد المدينة بكامل تفاصيلها، والبؤرة البدائية التي سكنها الجد، تتسلل لأذننا أصوات الطبيعة، تخترق أنوفنا رائحة الموت، ترتعش أجسادنا رهبة ، وتنبض قلوبنا محبة.
وقد جاءت التشبيهات مستمدة من البيئة المحيطة بالأحداث
" تمددت الوحشة في أرجاء شقة توليب مثل ظل في كهوف رطبة"
كذلك وجود شجرة القيقب في الثلث الأول من العمل، وهي الشجرة النفضية التي يصنع منها الأثاث والآلآت الموسيقية، وهي من النوع غير المقاوم للتعفن، إشارةً للتأثير المؤقت للناي، وتأكيدًا على وجود الموسيقى منذ الأزل، وإن كان الناي تأثيره مؤقت، فهناك آلات أخرى ستصنع لتهذب الروح وتقيها شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، منها كمنجات الغنجر .
وقد جاء الغلاف في غير تكلف لإرث الجد لإحفاده من مخطوط وناي وطائر .



آليات بناء الشخصيات والصراعات

في الأعمال الأدبية تُقدم الشخصيات، ويكشف عن مرجعيتها من خلال السرد أو من خلال الحوار، وقد تكون الشخصية ممثلة لطبقة بعينها، أو معلنة عن توجه ثقافي لفئة ما، إذ أن الثقافة يندرج تحتها اللغة والفن وعادات الشعوب وتقاليدها من مأكل وملبس وغيرها، وفي " معزوفة اليوم السابع" مثلث كل شخصية شريحة مجتمعية، فنجد أدهم وآراءه، وشاندور وعشيرته وباختو وقضيته، وتوليب وكاميرتها، والجد ومخطوطه ونوار وفنه، وجوناثان ومخططاتها، وروبين وبخت ومخاوفهما، وجاد وخواءه، وبدور وميادة وتطلعاتهما، جاءت الشخصيات لتعبر عن الصراعات بين الفن والجمال والثورة والتمرد والانهزام والسلطة ، ورغم وجود شق خيالي في السرد، إلا أن الحوار و العلاقات التفاعلية بين الشخصيات ، لا تبرز هيمنة الخيال، بل جاءت مقنعة، نظرًا لإمكانية حدوث ذلك في الحقيقة.

ولأن الصراعات الفرعية تسخر بنيتها لتغذية الصراع الأكبر ، فجاءت صراعات الأزمنة والأماكن وصراع طيور الظلام والفن لتبرز الصراع بين الإنسان وذاته والذي يختل فيه ميزان القوى حين ينتقل الوحش الكاسر الكامن بداخله ليهدد بؤرة الحمل الوديع قبالته.
”في داخل كل واحد منا وحشٌ کاسرٌ، قبالته حمل ٌوديعٌ، وكلٌّ له دائرة لا يغادرها، لأن ثمة ضَوْءًا يُلقي بشعاعه عليهما بحيث لا يترك أي منهما مكانه، حينها إما أن يصبح ضعيفًا، وإما متوحشًا“. ولهذا سقط جوناثان والعمدة ومن تبعوهم في حافة الهاوية، ونجا باختو وشاندور وتوليب ونوار ومن تبعوهم، وخُلّد أدهم ومن سبقوه.


وعن اللغة فقد كانت اللغة الفصحى مهيمنة على السرد والحوار، ورغم عدم تعددية البنية اللغوية للشخصيات ، وتقارب لغة السرد ولغة الحوار إلا أن النص لم يغرق في الانزياحات اللغوية، بل جاءت موظفة بشكل يتلائم مع الصراع بين المنطوق والمعزوف والمرقمن.


العمل بمثابة نقد ثقافي ومجتمعي، لعالم بات تحكمه السلطة والمال، ويتلذذ بالرقص على حافة الفوضى، ودعوة واضحة لعدم الحياد في بعض المواقف لأن كما قال فرانسيس بيكون" الوقوف على الحياد في الصراع بين القوي والضعيف لا يعني الحياد ولكن يعني الوقوف مع القوي ."
ورغبةً من الكاتب في حياة إنسانية لا يشوبها القلق ويهدد سلمها الموت، ودعوةً لخلق توازنًا مع النفس وتصالحًا مع الذات قبل الآخر في معركة البقاء، وكي لا نستمر في الرقص على حافة الفوضى،
Profile Image for Rahel KhairZad.
98 reviews19 followers
April 15, 2025
معزوفة اليوم السابع .. رحلة البحث عن الذات

■ إذا أردت أن تفهم إنساناً فانظر فعله في لحظة إختيار حر وحينئذ سوف تُفاجأ تماما فقد تري القديس يزني وقد تري العاهرة تُصلي,وقد تري الطبيب يشرب السم,وقد تُفاجأ بصديقك يطعنك وبعدوك يُنقذك وقد تري الخادم سيداً في أفعاله والسيد أحقر من أحقر خادم في أعماله وقد تري ملوكاً يرتشون وصعاليك يتصدقون.
(مصطفى محمود)

في روايته معزوفة اليوم السابع الصادرة عن دار الشروق يطرح الكاتب والشاعر جلال برجس الصراع الأبدي بين الخير والشر بشكل فلسفي منمق يغلب عليه الطابع الشاعري فلقد جعل السبيل لإستعادة التوازن بينهما غير متوقع وإن كان ملائم وأولى بالإختيار حيث إختار الموسيقى كلغة وسلaح أساسي لمواجهة الوباء بالرغم من هشاشتها إلا أنها تظل اللغة الوحيدة التي يُتقنها الجميع فهي لسان القلب والروح ولا تحتاج لترجمان.

تحكي الرواية عن الجد الأول بنزوحه من قريته حينما وجد الشر يسود الناس ويقودهم للهاوية وحدها الفتاة اليتيمة صَحبته في رحلته بما تحوي له بين جنباتها من عشق قديم فكانت بداية جديدة في أرض جديدة وكأنها بداية الخلق فكان أن تكاثر الأولاد والأحفاد وتكرر سير الأحداث فها هي الضغينة تشق طريقها بين الأخ وأخيه فيقتتلان وها هو الأب يحاول جاهداً تخليصهم من الشرور ولكن بزيادة الذرية تتفاقم الأمور فيؤثر الجد الهدوء ويركن إلى كهف بالجبل فقد رأى من موقعه مآل ذريته وما سيحدث لها مستقبلاً من شرور فقرر كتابة رؤيته في مخطوط ونذر الناي بصحبته لزمن قادم عله سر النجاة.

يموت الجد وتموت الجدة ويرث أحد الأحفاد الأقرب لسمت الجد المخطوط والناي وتتكاثر الأقاويل حول قبر الجد في الجبل وعن مخلوقات مثيرة تستحوذ على من يذهب هناك فلا يعود فيصبح قبر الجد الأول خبر من أثر لا يزوره أحد وعلى مبعدة منه تنشأ مدينة الجد الأول بأحياءها السبعة وألوان شعوبها المتباينه ما بين أبيض وأسود وأحمر وأصفر لا يفصل بين المدينة والجبل سوى مخيم للغجر المنبوذين الملفوظين من المدينة بما اقترف جدهم من آثام فكما تقول الأسطورة بعد أن قتل الأخ أخاه حُكم على نسله بالتيه والنفي خارج المدينة ولا أحقية لهم بها ولا رعاية.

● وحلت اللعنة:
في يوم عادي مارس الجميع طقوس يومهم المعتادة غادرت "توليب" منزلها للذهاب لإحدى المؤسسات المعنية بمساعدة المنكوبين صُحبة كاميرتها الأثيرة بحثاً عن صورة مميزة كعادتها حينها رأت "باختو" ذلك الفتى الغجري المعني بالنظافة يستمع لموسيقى "نَوّار" ويُراقص مكنسته كأنها محبوبته في عالم منفصل عما حوله فجذبها على غير عادتها وتبعته لتجده بعد حين يقرأ في زمن عَزّت فيه القراءة الورقية وهيمنة الهواتف فتقدمت نحوه واشتعلت أول شرارة بينهما على استحياء فكانت البداية بينهما صورة التقطتها له على حين غرة صورة حقيقية لروحه لا لجنسه.

ثم جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء في المدينة وحلت اللعنة فها هي الصور تغادر أصحابها فلا يستطيع أحد أن يجد إنعكاسه في المرآة وحدها نسخ شبحية تظهر وتدفعهم للمoت دفعاً فما الحاجة لحياة إن كنت شبحاً بلا ظل يُرى وهكذا تتوالى حالات الإنت7ار وتتفاقم الأحداث غير أن الغريب في الأمر أن اللعنة قاصرة على المدينة فقط وسكانها ف "باختو" ومخيم الغجر لم تمسهم اللعنة بشيء.

● لمن الغلبة:
خلال أحداث الرواية سنتعرف على جماعة أبناء الطائر الأسود وهم جماعة لها هيمنة وسطوة على جميع وسائل التقدم وسُبل الحياة فهم يتحكمون في الدواء والإعلام والغذاء والأمن أيضاً فهم اليد العظمى يتحكمون في المدينة ويسيرونها لمصلحتهم كيفما شاؤا فكان أن سعوا لتدمير مخطوط الجد الأول وكذلك الناي الذين من شأنهما أن يدمروا خططهم في السيطرة على البشرية أكثر.

سنجد الرواية تضج بالنزاع بين الأبيض والأسود في كل شيء كرمز للخير والشر، كما حرص الكاتب أيضاً على خلق نزاع داخلى للأشخاص طوال الوقت فنجد فيهم الخير والشر معاً كدليل على أن الإنسان يحوي النقيضين بين جنباته بيد أن القرار ما زال بيده ليختار الطريق كيفما يترأى له. فها هما "باختو" و "شاندور" بالرغم من مأساتهم وحقدهم على المدينة التي لفظتهم إلا أنهما لم يتهاونا في مساعدتها وكذا "توليب" الحانقة على المدينة والمتعاطفة مع الغجر تسخر منهم ومن عاداتهم بالرغم من ذلك وكذا "فايد" و "العمدة" و "نوار" و "ادهم" الجميع له من الأسباب ما جعله يتأرجح بين الخير تارة والشر اخرى باحثاً في رحلته عن توازن يعيد له صورته الأولى آملاً ألا يسقط في الهاوية.

● المجتمع في الرواية:
ناقشت الرواية العديد من القضايا الحالية والتي نعاني من فداحتها وآثارها السلبية فها هي العنsية والغربة تستبد بالغجر وتفتك بهم فهي أشد وطئة عليهم من الأمراض والأوبئة، وفي موضع آخر يتطرق الكاتب لتراجع قراءة الكتب الورقية مشيراً إلى أن الغلبة أصبحت للهواتف النقالة خاصة في عصر الترند والشهوة إلى الشُهرة وكذا مشاكل التربية فنجد كل من "جوناثان" و "د.أدهم" قد تأثرا بما حدث في طفولتهم بالرغم من مرور عقود على تلك الأحداث وكذلك تحدث عن تحكم الإعلام في صناعة الترند وتغييب عقول الشعوب ومساوئ أجهزة الدولة وانسياقها لأصحاب القرارات الفاسدة كالمتاجرة بأمراض الشعوب وآلامهم وأيضاً تحدث عن التهجير القصري والمتمثل في نبذ الغجر والبحث عن أبسط حقوق الإنسان كأن يجد قوت يومه والكثير مما نلامسه حولنا اليوم من قضايا معلومة وإن سُكت عن حلها.

● الرمزية في الرواية:
المتتبع لقلم جلال برجس سيجده عاشق للرموز والدلالات في كتاباته فلا تكاد تخلو منها وهنا على الرغم من أن الرواية تندرج تحت بند الفانتازيا الا انها مشبعة بالرمزية حتى الثمالة فعلى سبيل المثال لا الحصر/
•في رحلة الجد الأول والجدة عن قريته كانت رمزاً للبدء وكأنها رحلة الهبوط لسيدنا آدم وأمنا حواء وكذلك إنتباذه للكهف فكانت فطرته كمثل الخلق الأول من الأنبياء بنقاءهم الفطري .
• اختيار الناي لزوال الوباء الهدف منه أن الأمر غير مشترط للغة أو طقس معين فقط أنصت لقلبك واتبعه تسلم.
• جعل مدينة الجد الأول تتكون من 7 أحياء كان رمزاً للقارات ال 7 حيث أنه ذكر اختلاف الوان قاطنيها ما بين الأبيض والأسود والأصفر .. الخ.
• مخيم الغجر رمز للمهمشين وضعاف الحيلة فبالرغم من أن لهم حق معلوم إلا أن ضعفهم كان آفتهم وفي إختيار الحجارة كسlاح لهم رمز لأكثر الشعوب ضعفاً وأملاً بيننا اليوم.
• ابناء الطائر الاسود وهيمنتهم وسيطرتهم على مراكز القوة كرمز للدول الكبرى وكيف تقوم باستغلال معاناة الشعوب لصالحها.
• الطائر الأبيض كرمز للسلام والنقاء والطيور السوداء كرمز للشر المطلق وتبني الناس لهما.
• النسخ الشبحية كرمز للضمير الذي ضج من كثرة الآثام فترك الأجساد خواء وهجرها.
• صعود جبل الجد الأول في نهاية الرواية ذكرني بالوقوف على جبل عرفات للتطهر من الخطايا والعودة الى الفطرة السليمة.
• المؤمن الذي كان رمزاً للقوى الدينية التي يتم تهميشها أيضاً إن لم تهادن.

● الحب في الرواية:
بالنسبة لمحتوى العمل والذي يعد ديستوبيا في أغلبة إلا أن الكاتب أشفق علينا فقرر أن يهبنا نسمة عليلة بقصص من الحب كحب الجدة الأولى للجد ومعاونته على البدء من جديد وكذا حب توليب لباختو والذي أعاد لكل منهما التوازن الذي كان يبحث عنه حتى حب شاندور لبني جلدته وولده دفعه للزود عنهم رغم ضعفه ولا ننسى حب فايد الذي اعاده لصوابه وعلى النقيض نجد حب السلطة والقوة والنفوذ الذي أودى بحياة الكثير.

جاءت الرواية على لسان العديد من الرواة كل يحكي من خلال زاويته ودوره فكانت الأصوات متباينه أحببت فكرة الرواية وسير الأحداث فقد كان مترابط يجذب القارئ منذ أول صفحة حتى آخرها وحمل الكثير من التويستات الداخلية خاصة في نهاية العمل والتي اطربتني كثيراً وكذا منها ما كان مؤلم بالرغم من إنبعاث الأمل في تحرر المدينة إلا أن النهاية كانت واقعية ومحتومة فلابد أن يستمر الأمر حتى نهاية الزمان فذلك هو ناموس الكون الذي لا فكاك منه.

امتازت لغة الكاتب بالشاعرية في أغلب المواضع كوصف الشعور الداخلي للأبطال والتعبير عن الحب وغيرها كما إستطاع الكاتب إختيار المسميات والمصطلحات بعناية لتبعث في النفس أثرها المرجو مثل مzبحة مخيمات الغجر و "المؤمن" كرمز لمعارضة النzام وكذلك اسماء شخصيات العمل كانت ترمز لدورهم فيه.

بناءً على علمي أن المعزوفة الأولى مؤقته فقد عولت على المعزوفة الثانية كثيراً فكانت صدمتي الكبرى ما حدث بعدها ولعل الكاتب بذلك يريد أن يوضح أثر النفس وأن الخيار بيد الإنسان فحتى لو توافرت المقومات لإنبات الشجرة فسيكون الأساس هو البذرة التي إن خبُثت فلا مناص من الهلاك.

أحببت الكثير من الأحداث ولعل أكثرها حفراً في ذاكرتي قصة الفتاة بلا يدين والتي كانت تحلم بأن تحتضن حبيباً وتقطف وردة وتصافح الناس ، كما أحببت موقف العمدة وكذا فايد خلال الأحداث وأحببت أختيار روبين لحياتها القادمة ولو لساعات قليلة.

أعتقد في رأيي أن السبب في عدم إصابة الغجر بالوباء هو أنهم قد كفروا عن خطاياهم بالتيه والتهجير بينما على الجانب الآخر طال الوباء المدينة بأكملها حتى الفقراء منها ولعل السبب في ذلك العقاب هو سكوتهم عما يرتكب الأغنياء من شرور فكانوا في العقاب سواء فاللهم إنا نبرأ اليك مما لا حيلة لنا فيه.

رواية رائعة تُقرأ على مهل وبكثير من التمعن ذلك أنها مناجاة للروح والعقل معاً أنصح بها بشدة واهبها خمسة ⭐️ بدون تردد فقط وددت لو ذُيلت بمعزوفة موسيقية لعلها تضاهي بجمالها ما قرأت فتنجلي مرآة الروح .

● تنوية:
• في صفحة 228 كُتب طيوراً زرقاء بدلاً من طيوراً بيضاء.
• في صفحة 304 قام باختو بالعزف في الحي الرابع وشُفي سكانه وبالخطأ قال شاندور في صفحة 307 أن الأحياء التي تبقت ولم يُعزف بها هي الثاني والرابع والسابع.

● إقتباسات:
• الوحش سيبقى وحشاً، ما دمنا ننظر إليه من وراء خشيتنا منه.
• إن الأحلام هي الصورة الحقيقية للحب، فإن كنت تحلم، فلن تكترث حتى بالرياح وأنت وحيد في العراء.
• إن أجسامكم وعاءٌ للروح والنفس والقلب والعقل، فإن اختل ميزان ملذاتها صِرتم عبيداً لا تملكون من أمركم شيئاً، فانتصروا للميزان.
Profile Image for Randa ElSayed.
33 reviews13 followers
April 24, 2025
معزوفة اليوم السابع | جلال برجس.
دار النشر: دار الشروق.
عدد الصفحات: ٣٢٠ صفحة.
التقييم: ٥ نجوم.

"لا أحد يستطيع أن يُنقذ الإنسان سوى نفسه."

معزوفة اليوم السابع: حين يخرج انعكاسك من المرآة..

عَزيزي قارئ المُراجعة؛
ماذا لو لم ترَ انعكاسك في المرآة؟
هل ستفزع وتظن أنك رحلت عن هذا العالم؟
أم تعتقد أن خللًا ما أصاب عينيك؟
وربما يكون مرضًا.. وباءً من نوعٍ خاص؟

لكن، لعل السؤال الأهم ليس "لماذا اختفى الانعكاس؟"، بل: "كيف نُعيد انعكاساتنا إلى المرايا؟"

هكذا تبدأ رواية "معزوفة اليوم السابع"، بفرضية سريالية شديدة الواقعية، تُحاكي رعـبًا وجوديًا يعكس صراع الإنسان مع ذاته، قبل أن يكون مع العالم من حوله، " هي ليست مجرد رواية، بل حكاية زمنٍ يُشبه كل الأزمنة.
الرواية، التي تبدو في ظاهرها تنتمي لأدب الديستوبيا، تكشف سريعًا عن وجهٍ آخر، أكثر قربًا من الواقع، وأكثر غوصًا في النفس البشرية.

|توليب وباختو.. حين تنبت وردة على أطراف الخراب|
في كل زمن مأساته، وفي كل مأساةٍ حكاية حب، تلك قاعدة ثابتة في الرواية الإنسانية.
وفي هذه الرواية، حكاية الحب لم تنتهِ بمأساة، وربما لم تنتهِ أبدًا.
ففي قلب هذا العالم المعتلّ، تنبثق قصة حبٍ غير مألوفة، بين شخصين يجمع بينهما الألم، ويفصل بينهما كل شيء آخر.
فتروي "معزوفة اليوم السابع" قصة توليب وباختو.
توليب، فتاة تحمل في عينيها ظل المجزرة. شهدت مصرع عائلتها وهي لا تزال طفلة، فكبرت بجراح لم تُشفَ، وذاكرة لم تتوقف عن إعادة المشهد.
لم تلجأ إلى الانتقام، بل إلى العدسة. كاميرتها صارت أداتها لفهم ما لا يُفهم، ووسيلتها للبحث عن القاتـل، ولو بين الوجوه العابرة.
توليب انسحبت من العالم، لا لأنها تخافه، بل لأنها لا تثق به. ترى في الناس امتدادًا لذلك اليوم المشؤوم، فباتت تؤمن أن الخطر يسكن في "الجميع"، مهما اختلفت الأقنعة.
أما باختو، فهو النقيض الهادئ لذلك الضجيج الداخلي الذي يسكنها. شاب غجري، غريب أينما حلّ، لا يطلب شيئًا من العالم سوى أن يُترك لحاله.
عاشق للقراءة، صديق للموسيقى، يجد في النوتات ما لا يجده في الكلمات.
هو الوحيد وسط عالم لا يعترف بالوحدة، الهارب من صخب مدينة لا تسمح بالهدوء، ولا تؤمن به.
تجمعهما الهشاشة..
هي تبحث عن معنى للخراب، وهو يبحث عن نغمة تُعيد التوازن.
توليب، بعد طول هروب، تجد في باختو مرآة لا تشبه المرايا الأخرى… لا تخيفها، ولا تدعوها للموت.
وباختو، الذي طالما عاش على الحافة، يجد في توليب لحظة صدق، في عالم مليء بالكذب المُنمق.
رغم كل الظلال التي تحاصر مدينتهم، يُمثّل الاثنان وميضًا نادرًا من الضوء.
لكن حتى هذا الضوء، في عالمٍ ينقلب فيه الانعكاس إلى كائنٍ حقيقي، قد يكون محكومًا بالصمت… أو بالنجاة.

|حين يتحوّل الانعكاس إلى خصم|
حين يحلّ الوباء، لا تستثني العدوى أحدًا. لا فرق بين غني وفقير، بين طيّب وشرير، فالجميع متساوون أمام الكارثة.
لكن المُدهش في هذه الرواية ليس العدالة القاسية للوباء، بل كيف يواجه كل إنسان نفسه.
نحن معتادون أن نرى الطيبين يصارعون ذواتهم، في لحظات الشك أو التراجع. لكن ماذا عن أولئك الذين اعتادوا القسوة؟
كيف يبدو صراع الشرير حين يضطر للوقوف أمام نفسه؟
في هذا العالم، الوباء لا يُهاجم الجسد، بل يتسلل إلى أعماق الروح.
لا أعراض ولا حُمى، بل انفصالٌ صادم للذات: يخرج انعكاسك من المرآة، ويتجسد أمامك، حيًا، ناطقًا، يعرفك تمام المعرفة.
يحاورك، يكشفك، ثم يدعوك للموت.
هنا، السؤال لا يعود: هل ستنجو؟
بل يصبح: هل ستُطيع نفسك؟ أم تُحاربها؟
وهل الإنسان، حقًا، قادر على أن يواجه ذلك الجزء المظلم من روحه، حين يتحرر من الزجاج ويقف وجهًا لوجه؟

من نكون حين نُجبر على النظر في أعين أنفسنا؟

الانعكاس هنا ليس مجرد صورة، بل وعي مُنفصل، نسخة نعرف حقيقتها ونتجاهلها طوعًا.
وحين يقف هذا الوعي أمامك، مجسدًا، بلا مواربة أو تجميل، تسقط كل الأقنعة، وتُختبر حقيقتك:
هل ما تراه هو أنت، أم مجرد ظلّك؟
هل تُقاتل لتحيا، أم لأنك تخشى أن تعترف بمن تكون حقًا؟

إنها رواية لا تكتفي بطرح أسئلة عن النجاة، بل عن الهوية، عن الذات في أقصى درجات عريها، حين تنكسر المرايا، وتتحول من أدواتٍ للتجميل إلى ساحة معركة.

تميّزت الرواية ببنية سردية متعددة الأصوات، أتاحت للقارئ أن يرى العالم الروائي من زوايا مختلفة، مما أضفى على الأحداث عمقًا وتنوعًا في الرؤية.
اللغة جاءت شاعرية ورصينة، بعيدة عن التكلف، ومتوازنة بين الجمال والبساطة، ما جعل السرد انسيابيًا دون أن يُفقده ثراءه التعبيري.

أما الشخصيات، فلم تكن مجرّد أدوات لخدمة الحبكة، بل كُتبت بعناية تُظهر أبعادها النفسية والإنسانية. حتى الشخصيات الثانوية نالت حقها من التشكيل والاهتمام، فظهرت بأصواتها الخاصة، وملامحها المتفردة، كأنها شظايا مختلفة من مرآة النفس البشرية.

هي ليست رواية تجيب بقدر ما تُثير تساؤلات فلسفية عميقة، تظلّ معلقة في ذهن القارئ، كأنها اختُزلت لتكون صدى بعيدًا لما نعيشه.
هل يمكن للفن أن ينتصر على القبح؟
هل تملك الموسيقى القدرة على إنقاذ حضارة تتآكل من الداخل؟
وهل يبقى الإنسان إنسانًا، في عالم يتنفس الكراهية، ويُغذى بالبغض والقسوة؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات مباشرة، بل إلى تأمل طويل، لأنها ببساطة لا تخص الرواية وحدها، بل تخص العالم الذي نعيش فيه، وتخصّ المرآة التي نُفضّل أن نُشيح وجوهنا عنها.

|"أبناء الطائر الأسود".. اليد التي تُحرك الخيوط|
وسط الفوضى التي تعصف بالمدينة، تظهر جماعة غامضة تُعرف باسم "أبناء الطائر الأسود". حيث إدارة مصير الجميع، فهم تجسيد للقوة التي تتوارى خلف الستار، وتُسيطر على أساسيات الحياة الإنسانية: الغذاء، الدواء، الإعلام، والأمن. لا يُعرف عنهم الكثير، لكن أثرهم ظاهر في كل زاوية، في كل قرار، وفي كل خوف يسكن قلوب الناس.
هم ليسوا حكومة ولا جيشًا نظاميًا، بل شبكة نفوذ تتغلغل في البنية العميقة للمدينة، وتُديرها بما يخدم مصالحهم.
يُروّجون للأمان، لكنهم يُنتجون الخوف.
يعدون بالتقدم، لكنهم يُمسكون بكل أدوات البقاء: من أبسط حقوق الإنسان إلى أعقد تقنيات السيطرة.
"أبناء الطائر الأسود" هم صورة مكثفة لأنظمة تتحكم في الشعوب دون أن تُعلن عن نفسها، يتحركون باسم "الصالح العام"، بينما يسرقون من الإنسان قدرته على الحلم والاختيار.
وجودهم في الرواية ليس مجرد بناء درامي، بل يحمل رمزية واضحة لكل بنية سلطوية في واقعنا، تلك التي تُمسك بالخيوط من خلف ستار سميك من الغموض والهيبة.
هم ليسوا أعداءً مباشرين بقدر ما هم خلفية قاتمة لعالمٍ يُعيد تشكيل الإنسان وفق إرادتهم.

|الزمكان الغائب.. والحضور الطاغي للواقع|
لا تقيّد الرواية نفسها بزمنٍ أو مكانٍ محددين، ومع ذلك، يشعر القارئ بأنها تحكي عنه، عن مدينته هو، عن واقعه الملموس.
ليست فانتازيا، بل واقعية رمزية تنسج عالمًا مألوفًا، حيث تتمايز الطبقات، وتُحكم السيطرة بقبضة جماعة نافذة تمسك بخيوط السلطة.
تغوص عميقًا في النفس البشرية، حيث تنبت الشرور، وتتكشف الصراعات الخفية التي تصنع ملامح العالم من حولنا.
عالم الرواية هو عالمنا، بكل ما فيه من طبقية وتناقضات، من خضوع وتمرد.
تتأرجح بين حدود اليوتوبيا والديستوبيا، دون أن تنتمي تمامًا لأيٍّ منهما.
هي مرآة للواقع، لكنها مرآة خاصة.. تعكسه كما نراه نحن، من زوايانا المختلفة، وبتحيزاتنا التي لا مفر منها.
إنها دعوة إلى إعادة النظر… لا في العالم، بل في أنفسنا.

|رواية هي مرآة النفس|
"معزوفة اليوم السابع" ليست فقط عن الوباء، أو عن الحب، أو حتى عن الثورة على السلطة، بل هي رواية عن الإنسان في أضعف حالاته، عندما يواجه نفسه العارية من كل أقنعة.
هي رحلة داخل النفس البشرية، حيث يُسائل كل فرد عن نوره وظلامه، عن الخير والشر الكامنين في أعماقه، وعن السؤال الأبدي:
هل يمكننا إنقاذ أنفسنا من أنفسنا؟

في النهاية، لا تقدّم الرواية إجابة حاسمة، بل تضع المرآة أمام القارئ، وتتركه ليُحدّد:
هل يرى شيئًا؟
أم أن انعكاسه قد غادر بالفعل؟

#ترشيحات_سلحفاة_قراءة 🐢📚
24 reviews1 follower
December 13, 2025
مراجعة كتاب
معزوفة اليوم السابع
تأليف: جلال برجس
صادر عن دار نشر: Dar El Shorouk - دار الشروق
سنة الإصدار: 2025
317 صفحة
اللغة: العربية الفصحى سردًا وحوارًا.

عن الكاتب: شاعر وروائي أردني، نال عن روايته "دفاتر الوراق" الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) 2021. وصلت سيرته الروائية "نشيج الدودك" للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2023، ووصلت روايته "سيدات الحواس الخمس" إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية 2019، نال عن روايته "أفاعي النار" جائزة كتارا للرواية العربية 2015، وفازت مجموعته القصصية "الزلزال" بجائزة روكس بن زائد العزيزي للإبداع 2012.

"إلي كل الذين يؤمنون بأن الأمل لؤلؤة يمكن انتزاعها من بطن الألم".

▪️فكرة الرواية:

تتمحور الفكرة الرئيسة للرواية حول طبعين رئيسيين في أصل الخلق (الخير والشر)، حيث يبرز الكاتب فلسفة الحياة وحكمة خلق الإنسان، عن هموم الإنسان في الحياة وهي ثلاثة الخوف من الموت، والخوف من الجوع، والخوف من المرض، الابتلاء والصبر والجزع والأمن والخوف والقدر وحرية الإنسان وحتمية الفرج. وأن الإنسان لا يتعلم إلا من خلال آلامه وأخطائه، وكيف استَعْلَت طائفة معينة واستبدت بغيرها من الناس. تتخللها أفكار ثانوية فمن خلال معزوفة اليوم السابع تحدث الكاتب عن المهمشين، ومبادئ الصه.يونية، وعلاقة الأصل بالصورة، والعمر الضائع والأحلام والأمنيات التي لم تتحقق، ومساوئ التطور التكنولوجي بالبعد عن العلاقات الاجتماعية.

▪️الحبكة:

تدور أحداث الرواية عن قصة حب بين (باختو) العاقل المجنون العبثي الذي يغريه الرحيل والموسيقا والرقص، و (توليب) الفتاة الوحيدة التي فقدت أهلها في حرب أهلية، وكيف التقيا وبات يرى الحياة على نحو أجمل مما كان يراه من قبل، حلم بها كأنها فتاة غادرت ورق الروايات التي استحوذت على مخيلته الخصبة.

يتخلل أحداث الرواية حادثة مؤثرة عشت معها للحظات مع فيلم The happening، وكيف حققت شكلًا عجيبًا من المساواة بين الجميع، فلا حاكم بمنأى عنها ولا محكومًا، والذي بعدها يظهر من خلاله دور (باختو) في تحمل راية المختار ورحلة ذهابه للبحث عن الناي للكشف عن الحل لهذه الفاجعة التي ألمت بالمدينة، وكيف آمن أنه منذور لهذه المهمة.

بدأ الكاتب حكايته بحكاية الجد الأول وسلالته، وكيف خرج من قرية بعيدة إلى أرض أخرى استوطنها وعمَّرها، وكيف امتزجت المشاعر بين أبناء نسله حتى ق__تل الأخ أخاه! وهنا يظهر دور أحد أبناء سلالته وهو (باختو). الذي سيقرأ على أبناء المدينة ما رآه جدهم الأول وحكمته التي أدرك بها حكمة الله من وراء فكرة البذرة.

▪️السرد:

هذه هي متعة القراءة وخاصة قراءة الروايات وكيف عن طريقها يمكن إيصال الفكر إلى جيل لا يعرف غير هذه اللغة، بلغة أدبية ممتعة صاغ لنا الكاتب أفكار تُكتب في مجلدات، بأسلوب أدبي راق ولغة سردية قوية بوصف وتشبيهات جمالية نابعة من كون الكاتب شاعرًا أيضًا والذي أثر بشكل كبير على السرد الوصفي بالرواية، كما أن حواراته شيقة.

من خلال الراوي العليم الذي سرد لنا روايته كأنه بالفعل ينظر من فوق جبل الجد الأول. سرد لنا روايته من مقدمة و(5) فصول كل فصل يحمل فقرة من مخطوط الجد الأول معبرة جدًا عن فحوى الفصل.

وأكثر ما أعجبني الحوار الذي حمل حوارات داخلية للشخصيات، كما تم ضمه داخل سياق السرد وكأنه جزء أصيل من السرد عارضًا إياه بخط عريض Bold، دون إعادة تنسيقه منفصلًا، على الرغم من أنه قد يعيق بعض القراء ولا يستطيع تفرقته عن السرد إلا أنه راق لي.

▪️الشخصيات:

شخصيات تم بناؤها من جميع النواحي الجسدية والاجتماعية والنفسية بصورة احترافية، شددت جدًا من وصفه للشخصيات وخاصة الوصف النفسي لشخصية (جوناثان) وكيف صور لنا معاناته وهو طفل صغير.

▪️الزمان والمكان:

-تم تحديد المكان تحديدًا دقيقًا، حيث نقلنا الكاتب من القرية إلى مدينة الجد الأول بأحيائها حيث تدور كل أحداث الرواية، وأدخلنا إلى الكهف والجبل ومخيم الغجر، نقل سلس لم أشعر معه بالبعد أو المسافات فكأنه حدد عالمه بدقة نحَّات.

- لم يتم تحديد الزمان إلا في ظهر الغلاف، ولكن طوال صفحات الرواية وضعنا الكاتب في حالة تخيل للزمان الذي تعيش فيه شخصياته الذي يمكن أن يكون الزمن الحالي وفقًا لبعض الأدوات المستخدمة مثل التلفاز أو الهاتف النقال أو كاميرات ذات تقنية متطورة، لكنه برع في سرده بطريقة " في زمن ما – مر زمن – نهار جديد – مع مرور الزمن – منذ عدة عقود" دون تحديد صريح للزمن.

▪️الوصف والتشبيه:

يميز أسلوب السرد كثرة التشبيهات غير المخلة في ظني، غير أن البعض قد يجدها زادت في بعض الأحيان، وأكثر ما أعجبني:
- انطلقت رصاصة من إحدى البنادق، استقرت في صدره، فسقط كأنه قميص أفلتته الريح من حبل الغسيل.
- وقف يرخي يديه، كأنه يستسلم لجندي سيطلق رص_اصة الإع_دام.
- كان حزينًا تمامًا مثل رسام فقد ذراعه قبل أن ينهي لوحته الحلم.
- تصبح أجسادهم مثل عهن يحمله هواء خفيف.
- أخذ يزحف نحو القبر مثل عطشان عثر على نبع ماء في أرض قاحلة.
- يعشش فيها الفقر، كما يعشش القمل في رأس لم يطله الماء منذ سنين.

▪️العنوان والغلاف:

عنوان ذو معنى عميق معبر جدًا عن رسالة ورمزية الرواية، وألوان الغلاف مميزة وأعجبني اختياره بعناية رموز كالمخطوط والناي، وصورة الطائر يقف على غصن إحدى أشجار القيقب، وشكل الطائر بجناح يتجه لليمين إشارة إلى شيء بالرواية.

▪️الصراعات:

تثير الرواية العديد من الأسئلة في ذهن القارئ منها:
- ما هي مدينة الجد الأول؟
- ما الرابط بين الطائر الأبيض والناي؟
- لماذا ظهر هذا الطائر في الليلة التي ولد فيها باختو؟
- ما الإشارة التي وضعها الجد الأول في مخطوطه لإيجاد الناى؟
- من هم أبناء الطائر الأسود؟
- ما سر المخطوط؟
- ما سر الوباء الغامض الذي أصاب سكان المدينة؟
- ماذا يعني ألا يصبح الإنسان قادرًا على رؤية نفسه، وكيف يستسهل المو_ت؟

▪️رسالة الكاتب:

يقدم الكاتب قضية فلسفية عن وجود هوة بين الإنسان ونفسه وأن مصيره إلى الفناء فعليه ألا يخشى المو_ت وأن يكون لديه أمل في المستقبل.

▪️اقتباسات:

- كثير من الكتب التي قرأتها، وجدتها ملقاة في القمامة، فقد تراجع عدد الذين يقرأون في الحافلات، والقطارات، والمترو، والحدائق العامة. استبدل الناس الهاتف النقال بالكتاب، صاروا عبيدًا له، واستحالوا إلى كائنات صامتة، يحدقون إلى شاشته، ولا يتحرك منهم إبهام، يتنقل بين تسجيلات لا شي فيها، سوى المزيد من الشروخ النفسية.
- في داخل كل منا وحش كاسر، قبالته حمَل وديع، وكل له دائرة لا يغادرها، لأن ثمة ضوءًا يلقي بشعاعه عليهما بحيث لا يترك أي منهما مكانه، حينها إما أن يصبح ضعيفًا، وإما متوحشًا.
- الشر يقترب ممن يتحراه.

▪️ الخاتمة:

لا أرى كلامًا يعبر عن النهاية غير جملة بالرواية هي "سيبقى الطائر يحط على شجرة الصبار" وكأنه يقول إن الوقت لم يحن بعد.

▪️الرأي:

الكاتب محترف كتابة لديه ملكة لغوية كونه شاعر، رسم لوحة فنية مزج فيها الرسم بالموسيقي بالتصوير الفوتوغرافي، لديه فكر ملم بمشاكل عصره، خياله خصب، بارع في استخدام أدواته لوصول فكرته حتى من خلال رموز داخل الرواية مثل المدينة، الناي المخطوط، الطائر الأسود، الطائر الأبيض، الجد الأول، الأخوين، الجبل، طائر أبيض بين عينيه نقطة زرقاء مضيئة، جعل من روايته عالم بذاته يمكن تخيله.
أعجبني طريقة الكاتب في كتابة مشاهده كأنها صورت قبل كتابتها مثل رقص باختو، وغناء نوَّار على كمنجة باختو، ورؤية باختو للطائر، بالإضافة إلى كتابة حركة وديناميكية الشخصيات الذي برع فيه مثل حركة توليب وبدور كأنه يصف بدقة لما تفعله الشخصية فجعلني أعيش معها وأشعر بما تشعر به.

كتاب يستحق القراءة، وتقييمي له 5/4.9.

إلى الملتقى في مراجعة أخرى
د.محمد الشخيبي
Profile Image for Marwa Samir.
183 reviews7 followers
September 14, 2025
من المميزات اللطيفة فى كتابات الاستاذ جلال حقيقة أنك لا تحتار أو ترتبك من اللهجة او الاماكن او تراكيب لغوية خاصة بمنطقة معينة فى الوطن العربى وهذا لا يؤخذ بعين الاعتبار عند كثير من الكتاب العرب ولكن الاستاذ جلال لديه تشكيلة لغوية ممتعة تجعلك لا تشعر بالغربة او الضيق حال قراءتك اى من اعماله وقد قرأت اكثر من عمل له
عمل فلسفى عن الانسان عن الخير والشر والمعضلة الأبدية فى صراعهما ملئ بالرمزية والوضوح أحيانا
هل شعورنا بتفشى الظلم والشر فى زمننا الحالى لم يكن هو نفسه شعور من سبقونا فى أزمانهم
هل نسير فى دوائر مغلقة فى جميع المجتمعات وعلى مر كل الازمان من الرغبة فى السيطرة والتطرف والحجر على رأى الآخر مادام ليس ما نراه صوابا
الحقيقة أنه نعم ..ومنذ قديم الازل وحتى نهاية الزمان
بعض التكرار اصابنى بالملل احيانا فى منتصف الرواية لأنه لم يتناسب مع الاحداث السريعة فى المجمل
Profile Image for دينا ممدوح.
Author 10 books376 followers
April 22, 2025
رواية معزوفة اليوم السابع للكاتب جلال برجس
دار النشر: الشروق
سنة النشر: 2025
عدد الصفحات: 317 صفحة

الفن بشكل عام مباح تأويله كما نحب وحسب نظرة كل منا، سواء في الكتابة أو الموسيقى أو غيرهم، قد يضع الكاتب -الذي أصنفه كفنان- يديه على بعض التفاصيل التي يرغب أن يصل بها إلى مسار محدد في الأحداث، وهناك كاتب أخر يضع رمزية واضحة في النص لتوصيل فكرة بعينها، ولكن بالأساس يحفز خلايا عقلك على التفكير والبحث وتتبع مسار كل رمز، وهنا تأتي الحرفية في أن يجعل كل قارئ يرى النص بعين مختلفة قد تختلف تمامًا عن عين الكاتب نفسه وتجعله يرى ما لم يراه قبلًا.

في معزوفة اليوم السابع يأخذنا الكاتب جلال برجس إلى عالم من يوم بدايته الأول، مدينة لا تنتمي سوى إلى أصولها وهو الجد الأول، تطرف الأبناء في المدينة عن تعاليمه ليصابوا بوباء غير مفهوم أفقدهم رؤية ملامحهم في المرآة وأخرج منهم نسخهم الشبحية التي تتبعهم في كل خطوة لتدفعهم إلى المو.ت، منهم من سيستجيب ومنهم يستمر في تحمل التعذ.يب.

السر والنجاة كانت في باختو، الغجري الذي سيعرف السر ويعود لتعاليم الجد ويأتي بطوق النجاة، هل تستحق المدينة هذا الطوق الذي بحث عنه باختو؟ هل سيقدرون نعيم العودة للحياة بعد الوقوف على حافة المو.ت؟ هذا كان سؤال الأهم الذي أخذ يدور في ذهني طوال الرواية.

الرواية تعتمد بشكل أساسي على الرمزية، كل جزء من الرواية له رمزية محددة، حتى الأشخاص والأرقام والمعزوفة، وهذا ما جعل عقلي يتساءل؛ هل كان الجد الأول رمزية إلى هابيل الذي رحل على يد قاتل؟ لذا تسألت هل لو عاش هابيل كان سيمتد نسله ليتقاتلا فيما بينهم تاليًا ويقتلوا بعضهم البعض في صورة النفي للغجر كما حدث في المعزوفة، وكأن هذا يحدث في عالم موازي؟ هل كانت الأيام السبعة دليل على الرقم الذي يتشابك مع كل الأديان في معجزاتها؟

الكثير من الأسئلة التي جعلتني أقف مشدوهة من كم الرمزية التي لا تجعلك تشعر بالتيه؛ ولكنها تجعلك تتساءل وتبحث وتفكر وتتعاطف وتكره وتحب في اللحظة ذاتها، وبما أننا نتحدث عن الحب يجب أن نذكر قصة حب باختو وتوليب التي كانت هي المنقذ لهم ولنا، هي الجزء الذي كان يجعلنا نرى النور وسط كل عتمة الرواية، نرى المحبة التي يمكن أن تتواجد وسط المو.ت والكره، وكانت هي للنهاية طوق النجاة الذي تعلق به الجميع.
أحببت تفكير توليب وذكاءها في عدد من الاقتراحات التي استطاعت بها أن تنقذ باختو وأن تجعل للغجر أمل في حياة أفضل، أحببت إنها كانت النقاء الوحيد وسط كل ملوثات المدينة، فأصابها التلوث ذاته وفقدت صورتها مثلهم.

دائمًا ما نردد (أثر الفراشة لا يُرى أثر الفراشة لا يزول) ولكن في هذه الرواية أثر الفراشة كان يُرى ولا يزول في الوقت نفسه، منذ البداية ومع زيادة الجشع في جماعة الطير الأسود التي كنت ترى الشر فيها مرأى العين وبقتـ. ل الدكتور أدهم، كان على أثر هذا كل ما حدث تاليًا، الاحتجاجات والانشقاقات وكل أعداد القتـ .لى والمنتـ .حرين الذين يتكاثرون كل يوم، حتى تشعر أن لا نهاية سوى أن تصبح تلك المدينة مسكن للأشباح فقط الذين لن يروا وجوههم في المرآة هم أيضًا!

النهاية كانت واقعية وعبرت عن أن المعجزات لا تحدث في زمننا هذا، أن البطل الوحيد والمنقذ قد يتواجد ولكنه لن يفعل شيئًا بمفرده إذا لم تكن ترغب في الحياة من داخلك، حياة خالية من كل الشر والكره والخنوع، أن الحياة لن تكن سعيدة وهادئة للجميع كما في الأحلام، ولن يختفي الشر والأشرار من هذا العالم بمعزوفة ناي حزينة، فبدت النهاية وكأنها الثعبان الذي يلتف ليأكل ذيله ويأخذنا معه لندور في فلكه في أحداث عالم تتكرر في كل زمان ومكان باختلاف الأشخاص والجدود.


لغة الرواية كانت متمكنة وغير مقعرة ولكنها جعلتني أشعر بالسلاسة والقوة في الوقت نفسه، والشعور ذاته حدث مع الغلاف الذي كان بسيط ولكنه معبر عن الرواية ورموزها الأهم بشكل واضح.

اقتباسات:

"إلى كل الذين يؤمنون بأن الأمل لؤلؤة يمكن انتزاعها من بطن الألم"

"نعم هناك أشياء كثيرة أحلم بها، أتمناها، ولا أفعلها، إنما القراءة هي أول الأشياء التي أتيحت لي، فأحببتها"

"استبدال الناس الهاتف النقال بالكتاب، صاورا عبيدًا له، واستحالوا إلى كائنات صامتة، يحدقون إلى شاشته، ولا يتحرك منهم سوى إبهام، ينتقل بين تسجيلات لا شيء فيها سوى المزيد من الشروخ النفسية"

"الوجوه أكثر ما يستحوذ على رغبتي في تصويرها، ثمة وجه كنت أشعر أن لا بد من العثور عليه، وجه يزيل ولو شيئًا بسيطًا من خوفي."

"كل ما هنالك اني وجدت بك شكلًا فريدًا للسلام."

"حين تتراكم العقبات في طرقنا، وتبدو الحياة مثل حرم الإبرة، نهرب إلى ذواتنا، ونستعيض عنها بما فقدناه."

"قرأت في عدة روايات أن البدايات هي الأجمل، وهي التي تتوفر على نحو كبير من الصدق والشغف.. لكنني أسعى إلى ما وراء تلك البداية، وردة لا لأقطفها بأنانية، بل لتبقى يانعة، فنحيا."

"إن الاقتراب الحقيقي من ذواتنا، هو الاقتراب من اللحظات التي نعيشها، وليس التي عشناها، فتوقعنا في مغبة الاستغراق بالحنين"

"مكان يخص رجلًا في حضوره كانت كم يمشي بلا ترنح على حبل بين بنايتين شاهقتين، وفي غيابه يداهمها الدوار."

"الحب ليس مجرد إفصاح شفوي عجول عما يحس به الإنسان، إنما هو التعبير عن إيماننا به والتضحية لأجله، بوعي من عليه أن يشيد جسرًا نحو الحياة."

"هبط الناس إلى الشوارع، مصابين بالأمل؛ الطريق الأسهل لطرد الوحش، ولعودة السكينة."

"ليس هناك من طريق بلا نهاية، ثمة نهاية تلوح أماراتها في أول الدرب، وثمة نهايات مفاجئة، وصادمة على نحو يثير الرعب."
Profile Image for Asmaa Omari.
2 reviews
August 8, 2025
في مطلع ربيع هذا العام عمدتُ لابتياعِ رواية حديثة من الأدب الأردني، فأنا مُنحازةٌ لمتابعته ومؤمنة به على الدوام، "معزوفة اليوم السابع" كان اسمها ساحراً مُشجعاً للقراءة، صادراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، دار الشروق، مدينة نصر، القاهرة، للأستاذ جلال برجس.
ولالتزامي بجدولٍ يوميٍّ روتينيٍّ حافل؛ صرتُ أقرأُ وأبتعد، أتابعُ وأنشغل، وترتسمُ مشهديّة الأحداث في رأسي بصورة راسخة، ما أدهشني أن هذه السرديّة كانت لا تتكسّر، فإن غبتُ شهراً وعدتُ للقراءة أجد أنني لم أضيّع تفصيلاً مما قرأته رغم انقطاعي عنها لأيامٍ طويلة، تسلسل الحدث وترابطه البديع جاء في صالح انتباهي واغلاق يدي على زهرة الفكرة لتظل رائحتها عابقة.

يبدأُ برجس قصّته بشخصيتها الركائزيّة وهي الجدُّ الأول الذي خلّف مخطوطاً مهماً لأحفاده يوصيهم بما عليهم فعله للنجاة ويشرح لهم كارثية نزعات الفساد التي ستحفهم، ينبثقُ من سلالته أفرادٌ كثر يخرج الأبطال بعدها لدائرة رمزية الخير والشر في كُل فصل نقرأه، حيثُ في صراع الإنسان الأبدي ضد الظلم، في بيئة خيالية مقسومةٍ إلى قسمين، مدينة الطائر الأسود ومخيم الغجر، ينعُمُ أهل المدينة فيه بكل أنواع الرفاهية والتطوّر، بينما يهجعُ الغجر في تخلفٍ بيئيٍّ وحضاري بائن، لا بُدَّ أن يراودك خلال القراءة إلتقاء أفكارٍ قديمة لديك عن بدء الخليقة، ثم تأتي تفاصيلٌ وأسرارٌ ساحرة تخص الشخصيات تغمسُك بالتّجلي.

في بعضِ القطع من الأحداث تشعرُ بأنك في عصرٍ قديم يعج بالألغاز والمعجزات وفي صفحاتٍ تالية تقرأُ الحداثة وثورة التطوّر المتسارعة، هذا الاختلاف الخلّاق في قصةٍ واحدة؛ مشوّقٌ وغريب، يستفزُ الخيال لدمج وقتٍ غابر بمخطوطه المدروس مع أوان الثورة التكنولوجية، وتوريدُ مكائد سرقة ذلك المخطوط يشيرُ لسرقة إرث الشعوب والحضارات عبر العصور، ومن ثمّ تشعرُ بضوءٍ يتسعُ بين كل سطرٍ وما يليه، فبرغم المعجزات التي خلقتها الحداثة، إلاّ أنه ثمة معجزاتٌ معرفية إرثيّة من الممكن للعالم أن يشهدها دائماً في كل زمن.

تتمحورُ أحداث القصة حول وباءٍ يصيب سكان المدينة دون الغجر، فيفقدُ المدنيّون صورهم في المرايا وكاميرات التصوير، الحياة طبيعيّة، يأكلون ويشربون ويتحركون ولكن بدون أي انعكاسٍ محتمل قد يحدث، فتبدأ الفجيعة لديهم ويدركون بأن أعظم أنواع الفقد هو أن يفقد الإنسان نفسه ولا يطلع عليها مادياً ومعنوياً، وبأن هذا الحدث لا يُحتمل ولا يهدأ ضجيجه إلى الموت، الموت السريع المستعجَل، وذلك عقب أزمةٍ أكبر واجهها العوام وهي واقعة إنشقاق النفس، فتبدأ نسخةٌ شبحيّة منهم بالظهور لهم وحثّهم على الانتحار، وتصوير الفناء في قلوبهم كلذّة طاغية لا تُقاوَم، سرعان ما يُصاب الناس بعدها بإعتلالٍ بالحواس، وهنا تأتي بداية الفصل الثاني لتُبهرنا بجملة البداية "من لا يتأمل نفسهُ، فلن يستطيع أن يثق بخطوته القادمة".
على الضفّة الأُخرى للرواية في مخيم الغجر لم يفقد أحدٌ صورته في المرآة، وهذا ترميزٌ واضحٌ بأن البساطة نقيّة ويصعبُ تعكيرها، والتعقيد الذي غرقنا به هو الذي أفقدنا ذواتنا الحقيقية.
بطلا العمل بعد الجد الأول، هما باختو الغجري وتوليب من مدينة الطائر الأسود، تنسابُ تقاسيم معرفتهما لبعض ومن ثم غرامهما للقلب عبر مخاوف كثيرة يقدمها الطرفين، تتراءى احداثياتها في رسالة باختو لتوليب بنصِّ عظيم وافر بالتسامي وتوصيف الشعور، وغني بالاسقاطات على مراحل عديدة يسلكها الإنسان عبر شعوره أبدعها الكاتب بطريقةٍ آسِرة، وأحكم قفلات المشاهد باحترافيّة.

يحصل باختو على مخطوط جدّه الذي يوصلهُ لتجلياتٍ عالية بأن الكون أرحبُ من مدينةٍ ومخيّم، وتحلو الحكاية عندما يعثر على الناي العجيب الذي يتبين في ما بعد بأن ألحانه مخلّصةٌ للبشر من عذاباتهم، فما أن يصيّخوا أسماعهم لموسيقاهُ حتى تحولهم لأشخاص وادعين وأسوياء وتسقطُ من أياديهم أدوات الأذى.

يقفز برجس من الكتابة الأساطيرية إلى اللحظة الحالية برشاقة، من صوت الناي الذي يُنقذُ المنكوبين إلى إنتشار صورة العازف واستخدامها كرمزٍ لثورةٍ يتم الترويج لها على مواقع التواصل الإجتماعي.

ترافقنا شخصياتٌ مفصليّة تغيّر مجرى الأحداث كلما انغمسنا بالقراءة، شاندور والد باختو وزوجتيه، جوناثان عمدة المدينة ونوّار الموسيقي الذي يقوم بدورٍ أساسي يوجّهنا لأهمية الفن في صناعة الشعوب عبر التاريخ.

حتماً سيتسرب إلينا خلال أعمال الكاتب وصولاً لـ"معزوفة اليوم السابع" أن المزيكا حاضرة دائماً في سطوره.
يختتم جلال برجس حدوتته بإشارة لاحتمالية ولادة الشر مجدداً في أي لحظة مهما استحالت لقصصنا نهاياتها الخيّرة، فلا الشر يدوم ولا الخير يصمد، هي الحياة بين الأبيض والأسود كمفاتيح بيانو تُرسلً لحنها الأبدي فيستمر الكون في أطواره المتبدلة على طول المدى.
Profile Image for Doaa Saad.
71 reviews10 followers
April 7, 2025
معزوفة اليوم السابع
Jalal barjes
318 صفحة
Dar El Shorouk - دار الشروق
صدرت سنة 2025

● "في تلك اللحظة وأنا أتأمل خيام الغجر وهي على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني، وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشا، وفي الآن نفسه حملا وديعًا في مدينة مكونة من سبعة أحياء جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جدها الأول، مدينة يُصاب سكانها بوباء غريب؛ فتصبح على حافة الهاوية، حينها يأتي الخلاص من جهة غير متوقعة".

تدور أحداث الرواية في مدينة خيالية تتكوّن من سبعة أحياء، تحكمها الانقسامات والصراعات، ويعيش على هامشها مخيم غجري منبوذ.
يضرب المدينة وباء غريب يجعل الناس يشتاقون إلى الموت بدلاً من التمسك بالحياة.
في خضم هذا الظلام، يظهر "باختو"، الشاب الغجري الذي يعزف الموسيقى وينقل روح الفرح والحرية، ويلتقي بـ"تيوليب"، المثقفة المنتمية إلى عالم مختلف.
تنشأ بينهما علاقة تن.سف الحواجز وتفتح بابًا للخلاص الإنساني من خلال الفن، في مواجهة الفناء والعبث.

في "معزوفة اليوم السابع"، ينسج الكاتب سردًا شعريًا آسرًا، يقف على الحدّ الفاصل بين الأسطورة والواقع، بين الم.وت والحياة، بين المركز والهامش.
هذه الرواية ليست مجرد حكاية، بل معزوفة حقيقية تعزفها اللغة، وتعزّزها الرؤية، وتتخللها أنفاس الحكمة والحلم والانكسار.

المدينة التي تتكوّن من سبعة أحياء تبدو وكأنها نسخة رمزية من العالم العربي، بحروبه الطائفية، وصراعاته الطبقية، وانقساماته الثقافية.
أما المخيم الغجري المهمّش، فهو صوت الآخر المُقصى، الذي يتحوّل في نهاية المطاف إلى حاملٍ للخلاص، لا من خلال العنف، بل عبر الفن والموسيقى.
الغجر في الرواية لا يمثلون فقط جماعة ثقافية، بل يرمزون إلى الذاكرة، للحنين، للحرية المطلقة التي لا تحدّها قوانين المدن ولا جدران الأحياء السبعة.

"باختو" الغجري، ليس مجرد بطل روائي؛ هو أيقونة للحرية، ومثال للمستضعف الذي يحمل الحقيقة في قلبه، لكنه لا يجد لها مكانًا في المدينة إلا حين تدبّ فيها الفوضى ويهزمها بإيقاع ناعم.
أما "تيوليب"، فتمثل الطرف الآخر من الرواية: مثقفة من داخل النظام، تجد نفسها تتقاطع مع الهامش، وتكتشف المعنى الحقيقي للانتماء والحب.

الوباء الذي يضرب المدينة ويقود أهلها إلى "حبّ الموت"، هو استعارة رائعة للفراغ الوجودي، لانتحار المعنى في عصر تحكمه الأوهام الكبرى.
لكن الكاتب هنا لا يقدّم سردًا سوداويًا خالصًا؛ بل يمنح القارئ في كل صفحة ضوءًا صغيرًا، شعلة من الجمال، ونغمة من الأمل.

اللغة في الرواية مدهشة، مشبعة بالشاعرية دون أن تقع في الترهل، والغريب أن الأسلوب البسيط نسبيًا لا يُنقص من عمق الأفكار، بل يمنحها قدرة على الوصول إلى القارئ بصدقٍ ووضوحٍ ودهشة.

"معزوفة اليوم السابع" هي رواية عن هشاشة المدن، لكنها أيضًا عن صلابة الإنسان حين يعزف الحياة في وجه الاندثار.
رواية تنتمي إلى أدب ما بعد الكا.رثة، لكنها تختار الموسيقى بديلاً عن الس.لاح، والحب بديلاً عن الص.راع، والتنوع بديلاً عن الطغ.يان.

في النهاية، الكاتب المبدع هنا لا يكتب رواية فقط، بل يقدّم عملًا فنيًا متكاملًا يعيد تعريف دور الأدب في زمن الانه.يار.

● "أعلموا أنه لن يمر عام يسوده الخير وحده، و لن يمر عام يسوده الشر وحده، فهما خطان متوازيان، لا لقاء بينهما، و لو شبه لكم. فستعتقدون في أحيان أن الخير انتصر، و في أحيان أخرى ستجدون الشر يعلوا كما لو أنه سيدوم أبد الدهر. هكذا هي حياتكم، صراع هذين الخطين".

الرواية تطرح أسئلة وجودية عميقة، وتسلّط الضوء على الهامش كمنبع للحقيقة، والموسيقى كقوة مقاومة في وجه الم.وت والتم.زق.

اقتباسات
● حين تحترق الأشجار، لا سبيل لاسترداد الاخضرار سوى البذر.

● في زمن ما ضاقت قرية بأحد رجالها، لفرط ما تعاظمت فيها البغضاء والحسد والضغائن بعد أن كان أهلها متحابين لا يفرق بين معظمهم إلا مشاغلهم اليومية.

● استفقت عند السابعة مساء الغرفة معتمة، والريح تحرك الشجرة التي تلامس أغصانها النافذة الطقس بارد وموحش، إنها وحشة ...

#معزوفة_اليوم_السابع
#جلال_برجس
#ريفيوهات_DoaaSaad
Profile Image for محمد عوده.
15 reviews2 followers
April 23, 2025
هل تحتاج البشرية الي مخلص

وهل الانسان هو اصل الشرور

رواية معزوفة اليوم السابع

للكاتب جلال برجس

دار الشروق

هي ليست مجرد رواية هي رحلة فلسفية تطرح عليك الكثير من الاسئلة وتظل في حالة من التساؤل حتي بعد انت تنتهي منها

دائما ما اقيس جودة العمل بكم التساولات الذي يتركه بعد ان تنتهي منه

فالرواية تتحدث عن عالم موزاي به الكثير مما نعيشه يتكلم عن نشائة هذا العالم والي ماذا صار

البداية مع الجد الاول الذي اعتقد انه برحيله عن تلك القرية التي ضاقت به لفرط ما تعاظمت فيها البغضاء والحسد والضغائن بعد ان رأي في المنام اباه يحثه علي الرحيل سرا والمسير جنوبا لسبعة ايام ورحلت معه تلك الفتاة اليتيمة ولم يكن معه سوي ناي ورثه الرجل عن ابيه , وانجب الرجل ولدا وبعد عام اخر ولد اخر ومرت السنين وازداد عد افراد العائلة ومع تعاقب السنين تخلقت بقعة كراهية بين احفاده وبعد مرور السنين والبغضاء تتعاظم وتيرتها تنازعوا علي مصدر المياه فتقاتلوا وسقط منهم قتلي

وهنا اري ان الجد الاول يتشابه كثيرا مع سيدنا نوح

سوف نعرف ان ابن الجد الاول قتل اخوه فنجد اسقاط واضح علي قصة قابيل وهابيل

سوف ننتقل الي الوقت الحاضر الذي تتشابه عالمه مع عالمنا ونتعرف علي باختو ذلك الشاب الغجري الحالم البرئ الذي لا يتشابه مع الغجر في شئ والذي يرفض ان يعيش كما يريد الاخرين ويعيش كما يريد لنفسه ان يعيش فهو عامل قمامة يبلس انظف واجود الملابس التي لا تتناسب مع عمله ويهرب من واقعه في الغناء والرقص اثناء عمله وهنا تراه توليب وتلتقط له الصور ويقترن مصيرها بمصيره

عندما يعثر علي المخطوطه ويسير فيما مقدر له لتصادم مع ابناء الطائر الاسود الذين يحكون المدينة والذي تتشابه صفاتهم مع الجماعة السرية التي يقال انها تحكم العالم من الماسون...يه ( فهم جماعة تحاول ان لا يكون هناك ذاكرة للانسانية كي يسهل التحكم فيهم ويقومون بكل شئ لكي يسيطرو علي العالم ) وهنا يشير الكاتب الي انها قد تكون من قبل نظريات المؤامره وقد لا تكون كذلك

تدور الرواية حول عقاب في شكل وباء يصيب اهل المدينة وكل احيائها في انهم لا يرون انفسهم في المرايا وتتحر اشكلهم من المرايا الي اشباح تطاردهم وتحسهم علي الانتحار فشبح كل شخص يواجهه بمخاوفه وابشع ذكرياته وكوابيسه التي يهرب منها فينها الكثير ويقبل علي الانتحار

وهنا ياتي باختو الذي اري فيه تشبيه للمسيح او المهدي المنتظر وتتطابق الصورة بينهم كثيرا خاصة في اخر مشاهد الرواية وهم يسيرون ورائه الي جبل الاجد الاول ويقوم بشفائهم الا انه لا ينتهي من شفاء جميع سكان المدينة لتدخل جوناثان ليقبض عليه

ولكن مع القبض علي باختو يتحرك الجميع لفك اسره من جماعة الطائر الاسود ويتصاعد الصراع لتحدث امور لم يتوقعها احد

تتحدث الرواية عن الفن وخاصة الموسيقي وانها دائما الوداء لكل داء و لكن بعد ان تسفي الموسيقي شرور الناس تعود اليهم صفاتهم الشريرة مرة اخري فلا مخلص للشرور الانسانيه

اللغه جائت شاعرية وسلسة ومحببه الي النفس

وكانت الشخصيات مرسومة بحرفية عالية تجعل القارئ يشعر انها من لحم ودم ويتعايش مع افراحها واحزانها

حتي ان القلب قد ينفطر عندما يدخل فايد بيته ويسترجع ذكرياته مع اهله الذين لم يعودوا موجودين وتحزن مع حزن نورا المغني الذي غاب نجمه ويذهب الي المسرح يجتر الذكريات

وشاندور الذي يهرب من الامه وذكرياته بالخمر ولكنه يظهر معدنه الصلب امام ما يلقي علي كاهله من مسؤليه

تنتهي الرواية واعتقد انها قد جاوبت علي سؤال هل تحتاج البشرية الي مخلص

لتجاوب علينا ان بداخل كل منا المخلص , وان المخلص لن يدوم ما يفعله لخلاصنا

واخيرا اجمل الروايات هي تلك التي لا تستطيع وصفها ومعزوة اليوم السابع من تلك الروايات والتي لا تنصفها كلمات
2 reviews
April 15, 2025
مراجعة لرواية "معزوفة اليوم السابع" – جلال برجس

"رواية تشبه حلمًا غامضًا... تمضي فيها ولا تدري: أأنت على قيد الحياة، أم مجرد فكرة تمشي على قدمين؟"

بيانات الكتاب:

العنوان: معزوفة اليوم السابع

المؤلف: جلال برجس (الحائز على الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عام 2021)

دار النشر: الشروق

عدد الصفحات: 318 صفحة

الفئة: رواية رمزية، فلسفية، اجتماعية

فكرة الرواية:

تدور أحداث الرواية في مدينة متخيّلة تتكون من سبعة أحياء، تقع في جنوبها مستوطنة غجرية نُفي سكانها قسرًا. تعاني المدينة من وباء غامض، يجعل من يُصاب به يفتتن بالموت ويهيم به عشقًا، فيغدو الموت غاية لا نهاية، ورغبة لا رهبة، وراحة لا فناء.

من هذا المنطلق، تتناول الرواية صراع الإنسان مع البقاء، وتطرح أسئلة وجودية عميقة:
هل فقد الإنسان المعنى؟ أم أن الحياة بلغت من القسوة حدًّا يجعل الموت يبدو أكثر رحمة؟

البنية والرمزية:

تعتمد الرواية على بنية رمزية دقيقة، حيث تمثل المدينة انعكاسًا لحالة النفس البشرية أو المجتمعات المتأزّمة.

الأحياء السبعة ترمز إلى طبقات الوعي أو النفس، وربما إلى التراتب الاجتماعي المأزوم.

الوباء ليس مرضًا جسديًا فحسب، بل رمز لانهيار القيم، وفقدان الأمل، وتفكك المعنى.

تتداخل رموز متكررة كـ الناي، الطائر، الغجر، المعزوفة، وكلها تشير إلى مفاهيم الحرية، والألم، والانبعاث، والمقاومة، لتخلق لوحة فلسفية شديدة الرمزية.

اللغة والأسلوب:

تتّسم لغة الرواية بالشاعرية والعمق، ويتميّز سرد برجس بلمسة تأملية تمزج بين الحكي الفلسفي والوصف السينمائي.

السرد لا يسير على نسق زمني تقليدي، بل يتنقّل بين الماضي والحاضر والمستقبل في حركة حلزونية تعكس تداخل الأزمنة والذاكرة والواقع.

يعتمد الكاتب أحيانًا على الراوي العليم، وفي أحيان أخرى ينسحب ليسمح للقارئ بالتأويل، مما يضفي على النص بعدًا تأمليًا وغموضًا محببًا.

نقاط القوة:

1. فكرة مبتكرة وجريئة:

الرواية تمزج بين الفلسفة والدراما النفسية ضمن قالب رمزي عميق.
فكرة "الوقوع في حب الموت" تدهش القارئ، وتدفعه لإعادة التفكير في معنى الحياة، مما يجعل الرواية أداة تفكّر لا مجرد أداة تسلية.

2. عمق البناء الرمزي:

كل تفصيل في الرواية يحمل دلالة رمزية، من الغجرية والناي إلى تقسيمات المدينة، مما يجعل العمل غنيًا بالتأويلات ومفتوحًا على قراءات متعددة.

3. أسلوب أدبي راقٍ:

جلال برجس يكتب بجمالية عالية، تجعل كل صفحة متقنة الصياغة، وتحتوي على عبارات قابلة للتأمل والاقتباس.

4. لغة شاعرية ونغمة وجدانية:

أسلوب الكاتب يحمل حساسية لغوية مرهفة، تعزّز التفاعل الوجداني مع النص، وتمنحه طابعًا إنسانيًا وفنيًا متفرّدًا.

5. حبكة غير تقليدية:

الرواية لا تتبع النسق الكلاسيكي عقدة و ذروة و حل، بل تقدم تجربة فكرية تتجاوز الشكل التقليدي، وتجعل القارئ شريكًا في تشكيل المعنى.

الخلاصة:

"معزوفة اليوم السابع" ليست رواية للقراءة السريعة، بل تجربة فلسفية وفنية تتطلّب قارئًا متأملًا، مستعدًا للغوص في أعماق الرموز والتساؤلات.
هي عمل يُحرّض على التفكير، ويوقظ في القارئ شكوكًا وجودية حقيقية، ويتركه أمام سؤال مؤرق:

هل نحن أحياء حقًا... أم أننا فقط نؤجّل موتنا بطريقة أنيقة؟
Profile Image for Eman.
35 reviews36 followers
April 24, 2025
قبل كتابة هذه السطور ؛ كنت أقف حائرة أمام هذا النص الروائي ، يتملكني الصمت، تتخطفني الكلمات، وتتقافز في ذهني العديد من المقولات ،يبرز في مقدمتها مقولة نيل غايمان: ( الكتاب حلم تمسكه بيديك ) ، وبعد ان عشت ٣١٧ صفحة ؛ هي كل حدود هذا الحلم، وتشبعت بتفاصيله، أتساءل .. هل عليّ أن أفسره ؟
ربما بدأت الحيرة ؛ باختيار عمرو الكفراوي أبسط رموز هذا الحلم ووضعها على غلافه الأمامي، غلاف بسيط لكنه مراوغ، يضع علامة استفهام كبيرة خلف الرابط الذي قد يجمع عصفور دوريّ أبيض، وناي ، ومخطوط قديم يشبه بردية او رسالة أثرية ! رابط او لغز تقتفي دلالاته بين سطور النص الروائي الأحدث للكاتب الأستاذ جلال برجس والصادرة عن دار الشروق ؛ معزوفة اليوم السابع.
ما ان تتجاوز الغلاف وتضع عينيك على السطور الأولى ؛ يبدأ العزف ، إذ تبدأ المعزوفة بقصة الجد الأول ونشأة مدينته ؛ التي اتخذها الكاتب مسرحاً تدور أحداث روايته على أرضها، ويلعب الزمن والعنصرية الطبقية أدواراً رئيسية بين أبطالها، ومع تتابع المشاهد وتوالي الفصول ؛ يصبح الحلم أكثر وضوحاً وتتكشف الروابط بين رموزه.
على ذكر الرموز ؛ فهذه رواية رمزية بكل تفاصيلها ،مكتوبة بلغة عذبة، وأسلوب شعري سلس هادئ، مرسومة بذكاء واحترافية عالية تتجلى في شخصياتها وشغف يدفعك لتتبع أحداثها للنهاية، حتى إذا أدركت آخر سطورها ؛ تتأمل دورك في الحياة .
بالنسبة لي :

* مع هذه المعزوفة الآسرة ؛ كنت أستمتع بالإنتقال الناعم بين مقاماتها ،كأن لكل مشهد او حدث مقام موسيقي خاص يعبر عن مشاعره وجمالياته،ويتوحد هذا التناغم بين فصولها لتصبح معزوفة اليوم السابع أوبريتا أو ملحمة فنية متكاملة .

* لم يشدو الناي في الأجزاء الأخيرة من المعزوفة فقط، بل بدأت بنغماته الصوفية من خلال مقولات الجد الاول في الإفتتاحية ،واستهلت بقية الفصول بعزفه.

* لذة استقراء المعنى ،البحث عن مدلولاته، والتأرجح بين الشك واليقين؛ لذة تفتح على النص أبواب كثيرة للتأويل، وهذا من وجهة نظري أحد أهم أسباب نجاحه...

* احترت في تصنيف هذه المعزوفة ، في كل جزء كنت أتساءل.. هل هي رومانسية، أم اجتماعية، ربما نفسية ، صوفية؟ أم فانتازيا أو واقعية سحرية ....
لكن مع علمي أنها جمعت كل هذه الاصناف الادبية ،إلا أن الكاتب منحني شعوراً بأنه يكتب عن النصف الممتلئ من كوب ديستوبيا ، اراده نصاً تفاؤلياً يختلف عن الكتابات المظلمة من نفس النوع، أراد الإشارة إلى الحل والأسباب التي تتكرر بشكل متوارث من جيل إلى الجيل الذي يليه وهذا ما أكدته نهاية المعزوفة .

* أحببت هذه المعزوفة واخترت من الإقتباسات الكثيرة مايلي :

ـ إن الأحلام هي الصورة الحقيقية للحب، فإن كنت تحلم فلن تكترث حتى بالرياح وأنت وحيد في العراء.

ـ كانت لحظة صحو استثنائية أشبه ماتكون بإحساس من اكتشف ألا قيمة لخوفه ما دامت الذئاب لا تزال تقف في منتصف الطريق.

ـ هل يخلق الحب شكلاً من أشكال التسامي على اوجاعنا؟ أم انه يؤجل النظر فيها؟ لا أدري ،لكن الذي اتيقن منه أن الحياة صارت عندي مثل وقوف مجرم أمام ضحية ينظر إلى ماتبقى في قلبه من لين، ويحلم بطرد القسوة .

1 review
Currently reading
April 24, 2025
بسم اللّٰه نبدأ
مراجعة رواية معزوفة اليوم السابع للكاتب الأردني جلال برجس.

في "معزوفة اليوم السابع"، يقدّم جلال برجس رواية تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة، حيث يمتزج الواقعي بالمتخيل، وتنصهر الحدود بين الأسطورة والواقع، بين الذات الفردية والجماعة، في عالم رمزي مفعم بالدلالات. الرواية ليست مجرد سرد لأحداث، بل هي نصٌ أدبي قائم على التأمل الفلسفي العميق في الإنسان ومصيره، في الحقيقة والزيف، في الجمال والقبح، وفي القدرة على الخلاص.

أول ما يلفت القارئ هو قدرة الرواية على أسر الذهن من اللحظة الأولى، بلذّتها السردية التي لا تقوم على التشويق الظاهري فحسب، وإنما على بناء سردي متين، ولغة شاعرية آسرة، تنساب بسلاسة دون أن تفقد عمقها الدلالي أو بعدها الرمزي. فاللغة هنا ليست أداة للتوصيل فقط، بل جزء من البنية الجمالية والفكرية للنص.

من أبرز الرموز في الرواية، الوباء الذي يسلب الإنسان قدرته على رؤية انعكاسه في المرآة. وهو رمز شديد الذكاء والدلالة، إذ لا يكتفي بنزع صورة الإنسان عن ذاته، بل يسلبه وهمه، ذلك الوهم الذي نحيا به ونتزين له في المرايا. فالمرآة، وفقًا لما تشير إليه نظريات جاك لاكان في علم النفس، لا تعكس الحقيقة بقدر ما تُظهر صورة الذات المتخيلة، تلك التي نشتهي رؤيتها، لا تلك التي هي نحن حقًا. لذا، فإن غياب الانعكاس هنا لا يعني فقط تدمير الصورة، بل كشف الحقيقة العارية، والحقيقة كما هي، غالبًا ما تكون جارحة وقاسية.

إن هذه الرؤية تجعل من الوباء فعلًا رمزيًا تطهيريًا، يجرّد الإنسان من أقنعته، ويقوده إلى مواجهة ذاته، تلك المواجهة التي قد تكون مميتة. لذلك، لا يقوى على النجاة إلا من كان نقيًّا، مثل "باختو"، ذلك الكائن الذي لم يتلوث، فظلت المرايا تعكس صورته، وظل قادرًا على رؤية ذاته بصدق.

في مقابلة صحفية، أشار جلال برجس إلى أن الغجر في الرواية يُمثلون الفئات المهمشة تاريخيًا، ممن حُرموا من الاعتراف والكرامة. واللافت في البنية السردية للرواية أن الغجر لا يظهرون كرمز اجتماعي فقط، بل كمكوّن جمالي وفلسفي، يمثل الحرية والتجوال والانفلات من سلطة "المركز". والحدّ الفاصل بين المدينة ومخيمهم – النفايات – يقدّم صورة بصرية مذهلة عن حدود التهميش، حيث تُلقى مخلفات المركز على هامشه، في دلالة على الاحتقار المتبادل بين الطرفين.

هذا الصراع بين الهامش والمركز ليس مجرد خلفية سردية، بل هو جزء من البنية الفكرية للرواية، حيث تفكك برجس البنية القيمية للمجتمع، وتفضح ازدواجيته وتناقضاته، في ظل عالم آخذ في التفسخ، بعد تراجع المعايير الأخلاقية والإنسانية.

تتوج الرواية بنهاية تنتمي إلى نوع من "الواقعية الرمزية"، حيث لا تُمنح البشرية خلاصًا كاملاً، بل إشارات إلى أن النجاة مشروطة بتطهير الذات، ومشروطة كذلك بوعي الإنسان بذاته، لا بخلاص جماعي طوباوي. فباختو، رغم نقائه، لا يستطيع إنقاذ الجميع، بل يقف شاهدًا على المأساة، لأنه لا أحد يُنقذ الإنسان من قبحه إلا نفسه. وهنا تكمن المأساة الوجودية: أن يكون الإنسان مسؤولًا عن خلاصه، في عالم لا يمنح فرصًا كثيرة للنجاة.

1 review
April 24, 2025
رواية "معزوفة اليوم السابع" للكاتب جلال برجس
تُعد هذه الرواية عملًا أدبياً واقعياً للغاية.. ربما لمثل ذلك يجب أن يُكتب الأدب الذي يدمج الحقيقة بالخيال فيُنمي في داخلك صحوة وعي.. جمع جلال برجس فيها بين والفنتازيا والواقع، رواية جسدت الصراع الإنساني الذي لا ينتهي.. الرواية عبارة عن مرآة تعكس الواقع.. تعكس مدُننا التي نعرفها.. تعكس مساؤنا وما آل إليه الواقع..صرخة ضد الانقسام والعنف ، فالمدينة ذات الأحياء السبعة والغجر المنفيين، والطوائف المتصارعة، كلها رموز تعكس واقعاً عربياً مليئاً بالانقسامات والاغتراب. "الوباء" الذي يدفع الناس إلى "الوقوع في حب الموت" يمكن قراءته كرمز للانتحار الجمعي أو الانهزام الداخلي أمام واقع مضطرب،، فالرواية صورة معكوسة لصراعاتنا ومآساة الواقع والفُرقة والظلم.. في البداية حينما رحل الجد الأول وأسس المدينة الأولى ثم توالت الأجيال ونشب الصراع.. استحضر عقلي علي الفور سيدنا آدم عليه السلام ثم حادثة قابيل وهابيل.. تذكرت حزن سيدنا آدم حينها.. حزن ��لجد الأول وتركه للمخطوط يحمل دلالات كثيرة علينا نضعها في عين الأعتبار. فالجد الأول هو مرآة للتاريخ والهوية والأصل

ربما أراد جلال برجس بقلمه كصحفي أن يهبط بنا إلي ارض الواقع ويعكس لنا ما صِرنا إليه.. طيلة الرواية حملت غُصة في قلبي .. لانه في قرارة نفسي گنتُ أرى واقعنا وأعرف تلك المدينة جيداً بتقسيماتها الطبقية التي تعكس واقعنا.

حتي اختيار الأوبئة أبداً لم يكن عبثياً الوباء الأول وهو اختلال الحواس والذي يعكس صورة ضياعنا في السوشيال ميديا وطفرة التكنولوجيا المفرطة وغياب عقولنا واختلال حواسنا فنحن صرنا بسببها مغيبيين ومنزوعين من القيم. . أمّا الوباء الثاني الأكثر غرابة ورعباً للنفس هو غياب إنعاكس وصور الناس في المرايا.. وباء يعكس لهم صورهم الشبحية في نُسخ واقعية.. نسخة شبحية تسخر وتتنقم وتواجههم بكل ما يُنكروه، نُسخة تقودهم للإنتحار... وفقط معزوفة تحمل نجاتهم وشفائهم من هذا الوباء.
والأكثر غرابةأن يكون الخلاص علي يد شاب غجري ينتمي إلى الغجر، وهم الطرف المنفى والمنبوذ الذي يسكن أطراف المدينة السباعية. وگأنها رسالة تخبرنا أن النجاة ستكون علي اليد الفئة التي نرى أنها مستضعفة وأنه سينقلب الواقع ويصبح الأعلي في الأسفل والأسفل في الأعلي.. سُنة الله في الأرض يعز من يشاء ويذل من يشاء.
لكن النهاية كانت مؤلمة وواقعية إلي حد التماهي مع الألم والواقع. ربما صفعة لنعود لفطرتنا وأساسنا ومبادئنا كي ننجو.. ليس الفطرة بالعودة إلي البدائية بالطبع ولكن بالعودة إلي فطرة الروح وسلامة النفس والأخلاق والمُثل العليا وتتطويع الواقع بكل تطوره إلي صورة نحن نتحكم فيها بأخلاقنا لا تقودنا هي كالعبيد.

#مسابقة_ريفيوهات_معزوفة_اليوم_السابع
50 reviews10 followers
April 24, 2025
رواية معزوفة اليوم السابع
الكاتب: جلال برجس
عدد الصفحات: ٣١٧

خلصت الرواية وحاليا حاسه أن قدرتي على التعبير أقل من أني أوصفها.

رواية فلسفية ومليانه اساقطات ذكية جدا بداية من أول سطر والتمهيد اللي بيرجعك لقصة الخلق الأولى وتفكرك بالخطئية اللي بسببها خرج آدم وحواء من الجنة نزولا للأرض الخالية حيث قاما بتعميرها ولكن مرة آخرى اخطأ الإنسان وقتل أخاه وكأنها دائرة مفرغة لا فكاك منها ولكن تلك المرة لم يتبع الخطأ طرد ونبذ ولكن تبعه انشقاق وانقسام وظهور قبائل مختلفة متفرقة في شتى بقاع الأرض.

بسلاسة متناهية وسهولة لا مثيل لها ينتقل بنا الكاتب للعصر الحديث حيث ازداد تشابك وتعقيد النفوس ولم تعد الشرور تنحصر في الكراهية والحسد والحقد والنميمة بل توسعت وزاد تغلغلها وعمقها بقيادة جماعة الشر التي تتحكم في مصائر البشر (في اسقاط آخر ذكي وواقعي).

ومن الواقعية إلى الفانتازيا حيث ندخل في عالم انتشر فيه وباء غامض تتعطل فيه المرايا ويفتقد الناس وجوههم. تطاردهم أشباح تتلو عليهم كل ما خبئوه داخل صدورهم تضعهم أمام أنفسهم.

ترى كيف سيكون العالم دون مرايا؟

وسط هذا الجنون نجد قضايا ومشكلات اجتماعية وسلوكية معاصرة حيكت بمنتهى البراعة وسط الأحداث الرئيسية جميعها تأخذنا إلى دواخل الإنسان ونفسه الأمارة بالسوء واحساسه المتنامي بالعظمة.

وسط العتمة يخرج علينا (باختو- توليب - نوار) بمصابيح تبث الأمل قبل الضوء، يحاربون طيور الظلام بالفن والإيمان
لكل منهم سلاحة (الكتب- الكاميرا و الموسيقى).

ممكن أكون غلطانه بس أنا حسيت أن الأسماء والمواقع الجغرافية لها معنى ومغزى مهم.

أكثر حاجه عجبني تقفيل كل الخيوط اللي اتفتحت، مفيش شخصية ملهاش لازمة أو تاريخها ودوافعها مش واضحة.

الرواية رغم سوداويتها إلا أنها مليانه شاعرية وموسيقى وحياة بالإضافة إلى الرسائل الخفية رغم وضوحها.

لو هوصفها هقول أنها رواية متوازنة حتى نهايتها متوازنة وتحث على التفكير رغم الصدمة.

الرواية مليانه اقتباسات لكن أكثر اقتباس لمسني ونور قدامي طريق وخلاني أفكر جامد

"بعض الناس يكرهون المرايا، وبعضهم يحبونها كجزء مهم من تاريخهم اليومي. الذين يكرهون مراياهم يجدون فيها أظاة للباطل، أداه تزور الحقيقة رغم أنها سطح زجاجي فضي ينقل التفاصيل كما هي لا غير، أما من يحبونها فإنهم يجدونها رمزا لحقيقة لا يمكن تزويرها. إنها مفاهيم نابعة من التلافيف السرية للإنسان، وما تخلق فيها من تصورات عن الحياة، وعن الذات التي خلقت لتعيش صراعات لا تنتهي "

أول قراءة للكاتب وبإذن الله متكونش الأخيرة

Displaying 1 - 30 of 40 reviews

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.