كان صديقنا مصابًا بمرض فرط التفكير؛ لذا كان يسير منحنيًا إلى الأمام، الأفكار أكلته. ذات يومٍ خلع رأسه ودار في الغرفة يلمس الأشياء ليتعرف عليها بطريقة أخرى، وعرّف الأشياء حسب ملمسها، وكان لا يثق في الأشياء الناعمة، لأن قلبه ينزلق عليها بسهولة، وفي المرة الماضية أصابته كدمة بسبب انزلاقة خاطئة. حسب خطواته جيدًا، وحين شعر أن قلبه سينزلق، وضع رأسه مرة أخرى، رأى أن ألم التفكير أقلّ حدة.
الحقيقة أني قرأت المجموعة أثناء كتابتها، وحنان تعرف رأيي عن كل قصة بمفردها. لكن حنان لا تعرف أنها تكتب كتابة بديعة لدرجة لا أشعر بالملل لإعادتها أكثر من مرة، وأنا بطبعي شخص سايكو كما تقول حنان ورحمة، لا يعجبني العجب، وأغضب من أي حرف لا يوجد في موضعه الصحيح، والجميل أن حنان تضع كل كلمة في موضعها بإتقان، لا ينقصها إلا أن تشفق على «علي» وترده للأميرة سالمًا حتى يتوقف عقلي عن البحث على مصيره. حرام عليكِ يا حنان، أريد أن أعيش.
عزيزتي حنان، أردتُ أن أخبركِ بكل تؤدة وهدوء أنكِ تدفعينني إلى كره أحرفكِ إلى حدٍ يجعلني أذوبُ فيها إلىٰ أن ألتحمَ معها، إلىٰ حدٍ يجعلها تغمرني حتىٰ أغرق فيها؛ ولكن ولأول مرةٍ يشعر إنسانٌ أن رئتيه أكثر اتساعًا وهو يغرق! أخبريني، كيف تجعلين صدري يستقبل الهواء بكفاءةٍ أكبر وأنا ألتهمُ أحرفكِ بعينيّ؟
منذ فترة كتبتُ : ألذ صفعة تتلقاها حينما تتعرى أمام أحرف كاتب؛ فتجد نفسك، بقاياك، هزائمك، أشلاء روحك بين طيات رواية أو كتاب. ما ألذ الصفعات حينما تعبر عنّا.
وقد جاءَ ذلك اليوم الذي شعرت فيه بتلك الصفعة، جاء ذلك الكتاب الذي أحدث ألمًا لذيذًا يدغدغ قلبي كلما باغتته صفحاته. جاء"يسير باحثًا عن رأسه".
السيدة حنان، أنتِ تجردينني من ثيابِ القوة أمام نفسي ويالجريمتك! تكتبين؛ فتسدين مسامي المفتوحة، ولكنك وبدون قصدٍ- أو بقصد- تفتحين مئات غيرها بنصلِ سيفِ كلماتك! تروضين تلك الثائرة المتمردة على كل حرفٍ وكتاب، وتجعلينني طوعة أستفرغ مآسيّ أمام دُررك. أنتِ تُحيين الحروف بداخلي، تحدثين صمتًا صاخبًا جللًا بكلماتكِ في جرشيتي، تجعلين رأسي يتحول إلى علامة استفهام كبيرة.
كلماتكِ تجعل السقيع يلحفني حينما يخرج من ثغري ذلك السؤال اللعين.."ليه؟"
في كل مرةٍ كنت أنجح في تخليد شعوري بالعربية في نصٍ أو ما شابه؛ كنت أكتب إهداءً إلى نفسي أنني امرأة تسطو على اللغة وتستطيع أن تروّض الكلمات. لكن هذه المرة لن أهدي تلك العبارة إليّ..سأهديها إليكِ عزيزتي حنان.
ختامًا "هنا امرأة تسطو على اللغة وتروّض الكلمات" لكنها لن تُدعى دنيا محمد مصطفىٰ هذه المرة، ستدعىٰ حنان سعيد السيد.
كان الإهداء مختلفًا، معبرًا عن ما تحمله السطور (.....الكتابة فوق القيود. إلى الكتابة) -كم أمقت الكتابة، كم أمقت أن أدوّن مشاعري على ورق وأقرأها بين فينة وأخرى (لماذا جعلوا الكتابة فخًا؟). أسوأ ما يجتمع ع المرء الوحيد (الكتابة، والليل) مزيجًا هائلًا من تآكل الروح والعقل وربما الجسد.
كانت رحلة سعيدة وموجعة، بين هذه السطور. لا أنضب الله لكِ قلمًا.
This entire review has been hidden because of spoilers.
الصمت في حرم الجمال جمال! كاتبة مبدعة بكل ما تحمله الكلمة من معني. بتتفنن في وصف الألم. كنت اتسائل دوما ، ماذا يفعل الرجل إذا تمني شيئا؟ فأجابت : عليه أن يحارب من أجله! والأن أعود وأسأل ماذا يفعل المرأ حين يشعر بشوق أكبر منه لشخص آخر! تقول عن صاحبنا أن الافكار أكلته ، وأنا أقول أن القرءاة ووصف حنان وأفكارها اللامتناهيه هي من أكلتني! فأي جمال هذا الذي تسطره يداكِ.