"فلتعرفوني من خلالِ عيونِهم وقلوبِهم". إننا أمام رواية عن أحمد شوقي، يتحدث فيها 28 شخصية عن أمير الشعراء من وجهة نظرهم، لنعرف عنه ما لم نعرفه من قبل. وعبر لسان ووعي حسين شوقي، وأم كلثوم، وحافظ إبراهيم، وزكي مبارك، والعقاد، ومحمد عبد الوهاب، وغيرهم من الشخصيات المتماسة مع شوقي، نسير في درب الحكاية، لنكتشف معًا تفاصيل تلك الليالي.
في روايته "ليالي الكرمة" الصادرة عن "مجموعة بيت الحكمة للصناعات الثقافية"، يرصد الروائي والشاعر أحمد فضل شبلول أطرافا من حياة أحمد شوقي، وذلك من خلال أصوات عدد من أصدقائه ومعاصريه (28 شخصية مختلفة) ويقسم الرواية ثلاثة أقسام تبعا لمسيرة حياة أحمد شوقي، بدءا بالقصر مرورا بالمنفى ثم مرحلة ما بعد المنفى. يبدو حرص الروائي على كتابة سيرة روائية تعتمد على الحقيقة في الأغلب من خلال شهادات هذه الشخصيات التي تركوها عن أحمد شوقي، سواء كان ذلك في كتاب خاص مثل كتب حسين شوقي وأحمد أبو العز وزكي مبارك وطاهر الطناحي وغيرهم، أو مجموعة من مقالات منثورة في كتب ومجلات أدبية مختلفة، بل لم يقتصر على هؤلاء ولكنه استعان بشخصيات أخرى كتب عنهم أحمد شوقي، فاستحضر كليوباترا وجعلها تتحدث عنه وعن طريقة تناوله لحياتها، كما استحضر شخصية الفنان الكبير محمود سعيد وتخيل كيف كانت رؤيته لشوقي خاصة عندما حضر ليلة تنصيبه أميرا للشعراء، وذكر اعتزاز أم كلثوم الشديد به وإشادتها بعبقريته وشعره، وكيف كانت تقتني دواوينه وتضعها بجانبها دوما ولا تقارن به أحدا من الشعراء، وكيف اختارت من قصائده الجميلة ما تغنت به وأصبح بعد ذلك من أهم أغانيها مثل "سلوا قلبي" و"نهج البردة" وقصيدة "النيل" وغيرها، وكذلك يقف عند تلك العلاقة الاستثنائية التي جمعت بينه وبين محمد عبد الوهاب الذي كان له أعظم الأثر عليه حتى أنه يعتبره غيّر حياته وجعل لفنه وغنائه قيمة كبرى، وكيف أن تبني شوقي له فنيا لمدة سبع سنوات كان هو الذي صقل موهبته وفتح عليه أبواب الدراسة الفنية عربيا وعالميا، وكيف جعله بمثابة مستشار له في بعض أشعاره، حتى غنى له أهم القصائد مثل "علموه كيف يجفو" و"يا جارة الوادي" و"مضناك جفاه مرقده" وغيرها من الأغنيات. لم تقتصر الحكايات على الذين أحبوا شوقي أو تعرفوا اليه بشكل إيجابي، بل أضاف أحمد شبلول إلى الصورة أولئك الذين ناصبوه الخصومة أو ظهر بينهم وبين شوقي تنافس أدبي وفكري، ومن هؤلاء الشاعر عباس العقاد، الذي يأتي صوته في الرواية متحدثا عن علاقته بشوقي وكيف جمعت بينهما السياسة في البداية في مجلس الشيوخ، ثم بدأ في نقد شعره حتى كتب كتابه "شوقي في الميزان" وكيف كان أثر هذا على شوقي كبيرا، ويرصد تلك المآخذ الشهيرة التي أخذها العقاد على شعر شوقي باعتباره صاحب مدرسة التقليد المبتكر.
كثير من المرجعية ممزوجة بقليل من الخيال.. نون فيكشن، ثمان وعشرون شخصية تتحدث عن أحمد شوقي بالترتيب الهجائي، بعدد حروف الأبجدية، أو أحجار الدومينو المرصوصة على طاولة السرد، شعراء ومفكرون وصحفيون وحكام ومطربون وفنان تشكيلي، بينها شخصيتان نسويتان أم كلثوم في حرف الألف وكليوباترا في حرف الكاف، إننا نرى أمير الشاعر من وجهات نظرهم، من علاقاتهم به، من زوايا أدبية وعاطفية ونفعية، حب وغيرة، كيف نرى العالم من زوايا مختلفة؟ وكيف نفهم التناقض في الرؤى؟ وكيف نحترم الصوت المغاير وننتقد ولا نحذف من يختلف؟ رواية تعتمد على المراجع تعيش معها تاريخا طويلا لا يكتفي بزمن شوقي مع ثراء ذاك العهد لكنه كما ترى يصل إلى كليوباترا ويمتد إلى مثقفين من جيل الأبناء بالنسبة للبطل وكم كان الفصل الخاص بالأديب عبد المنعم شميس جميلا، تصلح هذه الرواية للتدريس في الإعدادي أو الثانوي لما فيها من مرجعية ثقافية وما تقدمه من احترام الآراء أيا كانت مواقفها الفكرية من ظاهرة واحدة، حرص المؤلف على التنويع الأسلوبي المناسب لكل شخصية غير أن الكتاب لا يخلو أحيانا من التكرار، وهذا النوع من الإبداع السردي له قيمة ثقافية كبيرة