بدأت الكاتبة في أول صفحة من مجموعتها الشعرية «ضبابية متعمدة في كاميرا المحمول»، تخفق منها النصوص بحزن شفاف يمور بتأنٍ عبر السطور وهي تخاطب والدها بمسحة من العتاب الخجول تنفذ عبره إلى عالم الشعر بغنائية حالمة.
وتتدفق نصوص المجموعة عبر لغة جميلة ومزاحة، استطاعت الشاعرة عبرها اختزال الكثير من العبارات التي تحمل مشاعر إنسانية سامية، مع فسحة من الرومانسية التي تتخطى إطار الواقع نحو تأطير الذات والبحث عن مكامن الفرح.
وتضم المجموعة ما يزيد على أربعين قصيدة في الشعر العربي الحديث جاءت تحت العناوين التالية «أحبك كما كنت وأكثر، جنة عليا، 2011، صبراً يعقوبي، أحمر شفاه، الظل، القدر الطيب، سقوط شرقي، عطر الرسائل وقصائد أخرى».
وجدت في الشعر طريقة يتناوب فيها حضور الروح وغياب الصورة ..وبالقليل مما تختزنه ذاكرتها كانت تصنع كل هذا في شكل ورؤيا تخصها ..متخلصة من وضع الشعر في قالب محدد
( لوحة فارغة ) حيث أن هدى المبارك لم تكن آبهةً بوجود الصورة النقيّة, كانت تتعمّد أن تقول في عنوانها ضبّابية, وتتعمد أن تُحكم مكانه بتركيزٍ عالٍ في كاميرا المحمول, ليست العينُ إذن ولا الطرقات ولا أيّ صورة أخرى, إنها تعني تماماً ما تقول, تعي فكرتها, تريدُ من الصورةِ أن تخرج بلا ملامح, إذن العنوان تبريرٌ لوجود صورة بلا ملامح, أو ربّما تفسير.
( بورتريه لمعنى بسيط ) لا تبحث عن الدهشة, ليس بالضرورةِ أن يكون المعنى فاقعاً في اللوحةِ لتراها, بالإمكان الوقوف على صورةٍ عابرةٍ في الأماكن, صورة لا تحتوي على كمٍّ هائلٍ من المجاز والتورية ولو احتوى في داخله على صورة متخيّلة متحررة, إن هدى تسعى لتكوين صورتها إمّا بالثيمة في النّص كما فعلت في نص " قرية الطين " وحديثها عن الأماكن المتشظية بالواقع, أو في " القدر الطيب " والمضي على عمود التاريخ المتسلسل وهذا ما حدث في نص " يبدو أننا افترقنا "ونص "2011" وغيرها من النصوص.
( لوحة مفاتيح ) اللغةُ تتحرّك بمزاجيّة غير متعمّدة, تمسك بالفكرة وتتمايلُ معها, تتورطُ بها أحياناً كما في نص : "عتبات" المقطع الثاني المنتهي ب " يختنقون ", حيث تورطت بالمعنى الخطابي الأبوي, باختناق الأولاد من آبائهم, بينما في نصوص أخرى كانت تتماس معها بشكل جميل ونقي ك نص " أحمر الشفاه " بالمقطع الثاني أيضا : منذ زمنٍ أخطأت العنوان وأرسلتني إليك, أجمل خطأٍ في حياتي.
( لوحة أخيرة ) تكتبُ هدى قصيدتها كما لو أنها تعمل على ترميم الذاكرة, مستطلعةً هواجسها وأدواتها الخاصة جداً واستمالتها للداخل, للوعي الهائم وفتنته وثم إخراجها على شكل نصوص جاهزة للتفقد, نصوص ممتلئة بالطفولة والأنوثة, ولو ادّعت الضبابية المتعمدة إلا أن الصور في معظمها واضحة الوجوه والأماكن والزمن وهذه ثلاثية الذاكرة التي لم تستطع تفاديها أبداً, حتى في أقصر نصوصها القائمة على الإختزال والبساطة.