كتاب مستقبل وهم للكاتب سيغموند فرويد هو كتاب من ترجمة جورج طرابيشي , تلك الترجمة التي تحمل بعضاً من الحذلقة التي تميز جورج طرابيشي في كل ترجماته , و خاصة في تعمده اختيار أندر الخيارات المتاحة للتعبير عن الفكرة , من مثل إختياره "مستقبل وهم" عوضاً عن "مستقبل الوهم" عنوانا لترجمته لكتاب فرويد هذا , هذا الكتاب يتحدث عن مستقبل الافكار الدينية " الوهم " و الأفكار العقلية من وجهة نظر سيغموند فرويد , و لكنه قبل أن يغوص في محاورة ذاتية حول أحقية الأفكار الدينية في المضي قدماً بموازة الافكار العقلية إلى المستقبل , يعود فرويد خطوة إلى الوراء و يتحدث عن كنه الحضارة , و الفئات التي تشكلها , وتلك التي تجبر على تشكيلها , و من ثم يفكك المجتمع وفئاته و يحدد وظيفة كل فئة في دفع عجلة الحضارة , حتى يصل إلى منشأ الافكار الدينية و علاقة نضوجها مع عوامل الطبيعة و طور طريقة تفكير الانسان فالدلالة السيكولوجية والتكوين النفسي للأفكار الدينية , وبعد ان ينتهي من كل هذا بإقناعه المعهود , يبتدع فرويد محاورة ذاتية , يتقمص فيها شخصية ناقد لاذع لأفكاره , يحاول أن يحاججه بوجوب عدم محاربة الافكار الدينية لانها كانت و مازالت و ستبقى مشكل رئيسي للحضارة البشرية , و من ثم يقوم فرويد بالرد على تلك المحاججات , منطلقاً من فكرة أن العقل والتجربة هي الرهان الامثل على المدى الطويل و اي شيء يتناقض معهما , لا بد وان يندثر , من وجهة نظري كقارىء , أعتقد ان فرويد في النصف الثاني من الكتاب و تحديداً في محاورته الذاتية كان متعجلاً في القفز إلى الاستنتاجات , ربما انطلاقا من فرضية ان من سيقرأ هذا الكتاب سيكون ميالاً لآراءه و مستعداً للتصفيق لها , وهذا يخلق انطباع لدى القارىء أن فرويد لا يلقي بالاً كبيراً للطرف الآخر انطلاقا من اقتناعه التام بصحة معالجتة هذا الموضوع المعقد , و هذا اسلوب ربما غير ملائم لهذه المعالجة تحديداً و هو اسلوب يشبه اسلوب سام هاريس ( سام هاريس يشبه فرويد ) في معالجة القضية نفسها خاصة حين كان يتحدث عن قانون اخلاقي موحد لكل الحضارات , في الختام استطيع القول ان هذا الكتاب ممتع جداً خاصة نصفه الأول, ويحوي الكثير من الافكار والمحاججات و يطرح على الانسان العديد من الاسئلة و التأملات , تقيمي للكاتب 4/5 , وبغض النظر إن كنت ترى للوهم النصر أو الهزيمة تذكر ما قاله فرويد في هذا الكتاب " لابد أن نأخذ بعين الاعتبار ان كل انسان تعشش فيه ميول هدامة , وبالتالي مناهضة للاجتماع و الثقافة , وان هذه الميول قوية بما فيه الكفاية لدى عدد كبير من الاشخاص لتحدد سلوكهم في المجتمع الانساني " فهي نصيحة مثلى هنا !
مقتطفات من كتاب مستقبل وهم للكاتب سيغموند فرويد
------------------------
حين يكون المرء قد عاش طويلاً في جو ثقافة بعينها , وحين يكون قد بذل قصارى جهده في احيان كثيرة ليكتشف اصولها و طرق تطورها , لا بد ان يحس ذات يوم باغراء يدعوه الى ان يدير ناظريه في الاتجاه المعاكس ويتساءل بينه وبين نفسه عما سيكونه المصير اللاحق لهذه الثقافة و التحولات التي لا مفر من ان تنتابها , لكنه سرعان ما يكتشف ان ثمة عوامل عدة تنتقص من قيمة مثل هذا البحث , و في طليعة هذه العوامل قلة عدد الاشخاص الذين تتوفر فيهم رؤية شمولية للنشاط الانساني في شتى مجالاته , فمعظم الناس وجدوا انفسهم مكرهين على الاكتفاء بواحد من تلك المجالات او بحفنة ضئيلة منها , وكلما كانت معلوماتنا عن الماضي و الحاضر اقل , داخل حكمنا على المستقبل المزيد من الريب والشكوك
-------------
الناس يعيشون الحاضر عادة على نحو ساذج اذا جاز التعبير و يعجزون عن تقييم ما يحمله إليهم , فالحاضر لا معدة له عن ان يكتسب بعض التراجع , اي ان يصبح ماضياً و حتى يمكنه ان يقدم بعض نقاط ارتكاز ليبنى عليها حكم بصدد المستقبل
------------
الحضارة هي شيء ما تفرضه على اكثرية مشاكسة أقلية عرفت كيف تضع يدها على وسائل القوة و الردع
------------
لابد أن نأخذ بعين الاعتبار ان كل انسان تعشش فيه ميول هدامة , وبالتالي مناهضة للاجتماع و الثقافة , وان هذه الميول قوية بما فيه الكفاية لدى عدد كبير من الاشخاص لتحدد سلوكهم في المجتمع الانساني
-------------
عدم تلبية الغريزة هو الاحباط , والوسيلة التي يفرض بها هذا الاحباط هو الحظر , و الحالة التي تنجم عن الحظر هي الحرمان
-------------
اشتداد ساعد الأنا الأعلى هو ميراث سيكولوجي رفيع القيمة بالنسبة الى الثقافة , ومن يتعزز لديه الأنا الأعلى يتحول من عدو إلى الثقافة إلى دعامة لها و سند , وكلما كان عدد هؤلاء في وسط ثقافي بعينه اكبر , كانت هذه الحضارة ارسخ قدماً و اقدر على الاستغناء عن وسائل الردع والقسر الخارجية
-------------
ثمة عدد لا يقع تحت حصر من المتحضرين الذين سيتراجعون مذعورين , ولا بد , امام فكرة القتل او حب المحارم , ولكنهم لا يتأبون عن تلبية جشعهم و عدوانيتهم و شهواتهم الجنسية , ولا يترددون في الحاق الاذى بقريبهم بالكذب والخداع والافتراء , اذا امكن لهم ان يفعلوا ذلك بلا عقاب , وكذلك كانت الحال بلا شك في الأزمنة الحضارية السحيقة التي لا تعيها الذاكرة
------------
من الطبيعي ان تحسد الطبقات المغبونة اصحاب الامتيازات على امتيازاتهم , وان تبذل كل ما في استطاعتها لتتحرر من عبئها من الحرمانات الاضافية , و حيثما استحال ذلك برز في قلب الحضارة قدر دائم من الاستياء والتذمر , الامر الذي قد تتمخض عنه فتن خطرة , لكن حين لا تكون الحضارة قد تخطت المرحلة التي لا سبيل فيها الى تلبية مطالب شطر من المشاركين فيها الا باضطهاد الاخرين , وربما الغالبية , وهذا هو شأن جميع الحضارات اليوم , فاننا نستطيع ان نفهم ان يتفجر قلب المضطهدين عن عداء حاد و متعاظم للحضارة التي ما كانت لترى النور لولا كدهم و كدحهم , والتي لا يعود إليهم مع ذلك من مواردها سوى حصة ضئيلة للغاية , فلا نستغرب حينها وجود ميل لديهم الى تدمير الحضارة نفسها , بل إلى إنكار الاسس التي تقوم عليها
-------------
ان المثل العليا تحتذي بأشكال النشاط الاولى التي تأذن بها مواهب فطرية و ظروف خارجية لحضارة بعينها , ثم تتثبت هذه الاشكال الاولى في صورة مثل أعلى حتى تكون قدوة تعتدى , وشعور الرضى و الارتياح الذي يمنحه مثل من المثل العليا للمشاركين في حضارة معينة هو من طبيعة نرجسية , والاساس الذي يقوم عليه هو الاعتزاز بما تم تحقيقه بنجاح , وحتى يأخذ ذلك الشعور بالرضى والارتياح كامل ابعاده , تقوم كل حضارة بمقارنة نفسها بالثقافات الاخرى التي نذرت نفسها لمهام اخرى وشادت لنفسها مثلا عليا اخرى , وبفضل هذه الفوارق والاختلافات تدعي كل حضارة لنفسها حق ازدراء الحضارات الاخرى , هكذا تصبح المثل العليا الثقافية علة شقاق و عداوة وبغضاء بين الجماعات الثقافية المختلفة , وكذلك بين الامم
-------------
ان السيطرة النفسية هي التي تمهد الميدان امام السيطرة المادية
-------------
الافكار الدينية معتقدات , توكيدات تتعلق بوقائع العالم الخارجي أو الداخلي وعلاقاته , وهذه المعتقدات تعلمنا أشياء لم نكتشفها بأنفسنا و تتطلب من جانبنا فعل إيمان , ولما كانت هذه المعتقدات تطلعنا على اهم ما في الحياة وعلى اكثر ما فيها اثارة للاهتمام , على ما يخيل إلينا , فانها تحظى برفيع التقدير , فمن يجهلها يكن مطبق الجهل , و من دمجها بعلمه يسعه ان يعد نفسه مالكا لمعرفة عظيمة الاغتناء
-------------
الاحساس المرعب بالضائقة الطفلية ايقظ الحاجة الى الحماية - الحماية بالحب - وهي حاجة لباها الأب , وادراك الانسان ان هذه الضائقة تدوم الحياة كلها جعله يتشبث بأب , أب اعظم قوة و اشد بأساً هذه المرة , فالقلق الانساني ازاء اخطار الحياة يسكن ويهدأ لدى التفكير بالسلطان الرفيق العطوف للعناية الإلهية , ما ان ارساء اسس نظام اخلاقي يكفل تلبية مقتضيات العدالة , هذه المقتضيات التي لبثت في غالب الاحيان غير متحققة في الحضارات الانسانية , ثم ان اطالة الحياة الارضية بحياة مستقبلة تقدم اطار الزمان والمكان الذي ستحقق فيه تلك الرغبات
-------------
إنه لجميل ورائع حقاً ان يكون هناك إله فاطر للكون و عناية إلهية رؤوف و نظام اخلاقي للكون و حياة ثانية , لكن من المثير للفضول فعلا ان يكون هذا كله هو بالتحديد و بالضبط ما يمكننا ان نتمناه لأنفسنا , والاغرب من ذلك ايضا ان اسلافنا , الذين كانوا يئنون تحت نير البؤس والجهل والعبودية , قد امكن لهم ان يتوصلوا إلى حل جميع معضلات الكون و ألغازه الصعبة تلك
------------
المذاهب الدينية ليست موضوعا يستعرض فيه المرء عضلاته الفكرية , مثله مثل اي موضوع آخر , فعلى اساس هذه المذاهب تقوم حضارتنا , وشرط بقاء المجتمع الانساني ان تؤمن غالبية الناس بها
-------------
لو ادخلنا في اذهان الناس انه لا وجود لا لإله عادل و فائق القوة , ولا لنظام إلهي للكون , ولا لحياة ثانية , لاحسوا للحال بأنهم معفون من كل التزام بالامتثال لقوانين الحضارة واتباعها , ولو رفع كل تحظير و حرر الفرد من كل خوف ,لاطلق الانسان العنان لغرائزه اللااجتماعية الأنانية , لسعى إلى فرض سطلانه و سيطرته , و بذلك ستعود الى الظهور الفوضى التي توصلنا الى وضع حد لها بعمل حضاري تمديني استغرق آلاف السنوات
-------------
التشابه بين الدين و بين العصاب الوسواسي قائم حتى في التفاصيل , وأنه لولا هذا التشابه لما أمكن فهم العديد من خصائص تكوين الاديان وأشكاله , و بالتوافق مع هذا كله نجد المؤمن الحق في منجى , إلى حد كبير , من خطر بعض الامراض العصابية , فارتضاؤه بالعصاب الكوني يعفيه من مهمة اصطناع عصاب شخصي لحسابه الخاص
-------------
ان الاعتراف بما لبعض المذاهب الدينية من قيمة تاريخية يزيد في مقدار الاحترام الذي نسلم به لها , لكنه لا ��نال البتة من قيمة ما نفترضه من وجوب افضائها واستبعادها عن تعليل الاحكام الثقافية والمقتضيات الحضارية
-------------
المؤمن مرتبط بجوهر دينه بروابط عاطفية , بيد ان هناك عددا كبيرا من الناس غير مؤمنين بالمعنى الحرفي نفسه , فهم لا يمتثلون لقوانين الحضارة الا لخوفهم من تهديدات الدين , وهم سيظلون يخشون الدين ما داموا يعتقدون انه يؤلف جزءا من ذلك الواقع الذي يفرض عليهم تقييدات , وهؤلاء هم الذين يتخطون كل مانع ويحطمون كل قيد بمجرد ان يتجرؤوا على العدول عن الايمان بحقيقة الدين , لكن ليست الحجج والبراهين العقلية هي التي تؤدي الى هذا الانعطاف لديهم ,و هم لا يعودون يخشون الدين حين يتبينون ان غيرهم ايضا ما عاد يخشاه , وانما هؤلاء الناس سيعلمون بأفول النفوذ الديني حتى إذا لم انشر محاججتي
--------------
البندان الرئيسيان في المناهج التربوية الحالية تأخير النمو الجنسي لدى الطفل واخضاعه منذ نعومة اظفاره لسلطان الدين
-------------
مهما كان صوت العقل خافتا فإنه لا يتوقف ان لم يجد من يسمعه
-----------------
ما من شيء يستطيع على المدى الطويل ان يقاوم العقل والتجربة , وتناقض الدين مع كليهما امر لا يحتاج الى بيان , وليس في مستطاع حتى الافكار الدينية المطهرة و المصفاة ان تفلت من هذا المصير , ما دامت تسعى الى انقاذ شيء ما من سمة الدين العزائية
------------------