وها أنا انتهيت من قراءة أول كتابٍ خضّتُ به تحدّي لسنة 2016... الزقاق - للروائي المالطي جوزيف كتكوتي ... قمت قبل قليل بكتابة ملخّص اكثر من رائع في نظري حول الرواية ... ولكنّي بالخطأ قمت بمسحه ... ولا أعلم مالذي سيكون عليه هذا المقال !! عموماً ... تدور احداث هذه الرواية حول زقاق موجود بـ (فاليتا) ... عشت فيه من خلالها بحلوها ومرّها ... وخالطتُ شخصياتها الفظةِ والفذة أيضاً ... تجوّلت في هذا الزقاق مراراً وتكراراً كما ارتدت بعض المنازل فيه ... تنشقت عبير جنينة السلطان ... كما استنشقت نسيم البحر الهادي يوم "لابسي" . فتصوير الكاتب لكل ماحدث ، كان علي قدر من الروعة مما يجعل كل كلمة فيها تتغلغل في اعماقك حد الثمالة ... يبدأ بطل الرواية ستيفان روايته بهذا النصّ : "هذا الزقاق لا يبعد كثيراً عن طريق القرية : حيث تختفي الحياة عند المغيب ، وهو يقع في قلب (فاليتا) حيث يعيش الغني والفقير جنباً الي جنب وتختفي وجوه الناس خلف أقنعة النفاق ، ولقد رأيت السعادة والتعاسة .. الميلاد والموت .. والقتال .. والاغتيالات .. رأيت كل شيء ، وأتيت هنا منذ ستين عاما ، واتذكر بوضوح كما لو أنه حدث بالأمس ، وكل ذلك حدث طوال ذلك الزمن .. " . كان ستيفان في الثانية عشر من عمره عندما توفيّ والده وانتقلت به والدته واخوته الي هذا الزقاق الضيّق ذو الجدران العالية ... شعروا في باديء الامر انه سجن ... أنهم محاطون بأناسٍ بغيضين ... ولكنّهم سرعان ماتأقلموا في العيش في هذا المكان ... عملت والدته كثيراً كي تكبّره واخوته ... وعمل هو بدوره حينما وجب عليه ذلك لإعانة أمه وأشقاءه ... حتى كبر وصار يدرك الحياة وخاض من تجاربها مايعينه علي حمل هموم المستقبل والمعيشة . ... " ذلك أن الناس الذين هم في حب مثلي يتغافلو ويتجاهلون كل شيء" . هذا ماقاله ستيفان بعدما كان يستمع لحديث (مينو) و (كرستينا) حول علاقتهما ... مينو ذو الاربعون عاماً ... وحبيبته التي تصغره بأعوام ... وتجاهل هو بدوره والدته وماقالته له حول عشيقته (روميلدا) ... وتحذيره منها . ... روميلدا هذه من أحبّها ستيفان ... هي الوحيدة والاولي والاخيرة التي طرقت باب قلبه ودخلت قبل ان يُؤذنَ لها بذلك ... ولكنّها كما قال عنها ستيفان انها شديدة الانتباه ... لقد خشيت علي ستيفان ولم تشأ ان تزرع في عقله فكرة الزواج او الارتباط ... وذلك لأن والدته تعرف عنها كل شيء ... ولا تريدها له مهما كلّف ذلك الامر . ولكنّ ستيفان لم يكن مهتم علي الاطلاق بما كانت عليه روميلدا ... لا يهمّه الماضي ... ... "فسلاسل الحبّ ليس من السهل تحطيمها" ... قالها ستيفان في خضم اللوم ... لام أمّه علي الوقوف ضدّه في مثل هذا القرار المهم بالنسبة له بالدرجة الاولي ... كيف لها ان تتدخل في شؤون ابنها علي هذا النحو ... ولكنّ ستيفان أصرّ علي موقفه و قال "والآن ظهرت روميلدا ... لكم أحبها ... سواء رضوا ام لم يرضوا ". ... "ذلك النذر قدّمه لي شخص ما أيضاً وقد انتهي ... ليس ثمة فائدة منه" . هذا ما قالته روميلدا لستيفان عندما اقسم لها عن مشكاة الصليب المعلقة علي الجدار في جنينة السلطان ... اقسم بأن يكون مخلصاً لها الي الابد ... ولكنّها لسبب ما لم تستطع ان تعطيه الثقة ، وان تقبل الزواج منه ... كانت قصتها غامضة ، وفيها من الريبة مايكون ... خصوصاً بالنسبة لوالدة ستيفان التي تعرف عنها كل شيء ... أما ستيفان نفسه ، فلم يكن يبالي بما مضي وما يدور حول عشيقته من اقاويل... وظلّت تلك العبارة تتردد في ذهن ستيفان لوقت ليس بالقليل . .... "سوف يحسم كل شيء بنفسه في النهاية" . هذا ماحسم به ستيفان نقاشه مع روميلدا حول موضوع أمّه ورفضها لها ... وقد دار هذا النقّاش في يوم "لابسي" ... وهو عيد ديني يعني "يوم السعادة" ... كانا علي القارب يبحران علي الامواج الهادئة المترقرقة ... والنسيم اللطيف ... وحين رجعا الي اليابسة ... كانت ستفتح ذات الموضوع فقال لها : "الاوقات التعيسة تأتي بعدها أوقات سعيدة ... هل يمكن ان نعيش هنا في راحة وسلام ... ان شيئاً لم يحدث ... نحن جزء واحد لا يتجزأ". ... "هذا شأن الزمن ، لكن الحب سيقهر كل شيء كما يقولون" . هذا ماقاله مينو عندما سحب روميلدا من يدها خارجا بها من شجارها مع نينا والدة ستيفان . كانت نينا واقفة فى نهاية الزقاق مكورة شفاهها وشابكة يديها تنتظر روميلدا حتى تمر فتعترض طريقها وتحذرها مرة اخرى وتأمرها بالابتعاد عن ابنها ، وعلى الرغم من تغاضي روميلدا المشاكل ومحاولتها تغيير طريقها ، الا ان والدة ستيفان قد واجهتها ونشب بينهما شجار حله سكان الزقاق وصار بعضهم يؤيد نينا والاخر روميلدا . ... "ستيفان ... اسمع ، انى أحبك ولكن سيأتى يوم تتأسف فيه على اننا نلتقي دائما" . قالت روميلدا ... ومن ثم شرعت في الحديث عن ماضيها الذي لم يشأ ستيفان يوما ان يعرفه ، ولكنها حكت له عن كل شيء حتى يتخذ موقفا واضحا ولا يقل عندها خادعة ان حدث ماحدث فيما بعد ... وفي خضم حديثها ، تذكرت كلمات والدها : "انه سيد مثقف من فاليتا سوف يرتكب تجاهك حماقة ما" . فعلا هذا الرجل ارتكب تجاهها حماقة ما ... تركها تتخبط في عتمة الأزقة بفاليتا وحيدة وهى التى تركت جل حياتها من أجله تلبية لنداء حبه ... هدا الرجل يدعى (جون) التقته أول مرة بمدينة فاليتا في رحلة مع والدها لشراء ماعز جديدة للمرعى ... ولأنه رجل ذو نفوذ وسلطة ... فقد بحث عنها حتى وجد بيتها في اليوم التالى ... أحبته قبل ان تصل عمر الثامنة عشر ... وقد حذرها منه (لوقا) جارها ... ولم تستمع له وتبعت قلبها حتى قادها الى الجحيم يوم علم والدها بكل ماحدث ... فانقلبت حياتها رأسا على عقب ... ولم تكن تعلم ماذا تفعل ... فقد كانت تحت الإقامة الجبرية بين جدران المنزل ... واخيرا اتخذت قرارا ندمت عليه لاحقا...هربت مع جون الى فاليتا ... تاركة وراءها كل شيء ... وعاشت معه فترة دون زواج ، وعندما قررا ان يتزوجا ... جاءها ذات يوم وصعقها بأنه سيسافر لمدة سنتين ... وفي تلك اللحظة تلاشت كل آمالها ، وعلمت انه لن يعود مرة اخرى ... ولما كانت عليه من عزة نفس وكبرياء ... وخوف ايضا ... لم تستطع العودة الى القرية ... واهلها ... وصديقها لوقا ... والمرعى ايضا والنسيج . تأقلمت في العيش في الزقاق ، واستغل وحدتها الكثير من الذئاب البشرية ، وظلت على هذا الحال حتى اشتغلت في حانة ... وهذا مازاد في لوك الاقاويل وحياكة الاشاعات حولها ... ولكنها لم تكترث ... كانوا يرونها عاهرة ... ولكنها لم تكن كذلك لمن عرفها ... لم تكن كذلك البتة بالنسبة لستيفان ... فقد حكت له على الرغم منه ، لانها تخشي عليه من مستقبل مربوط بها دون أمل ودون جدوى ... ... "كانت هذه قصة حياة روميلدا ... الصفحة السوداء التى لم يغفرها الكثيرون ... اولئك الذين يرون الشر في الآخرين لابد من ان يتذكروا كلمات المسيح : (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر). الحياة تتدفق مثل المياه المتدفقة من التلال والتى تعترضها على الدوام أخاديد ومنعطفات ... مرت السنوات ... السنة تلو السنة ... لم يكن سلوك روميلدا هو الذي منعنا من الزواج . بل تلك الأشياء غير المتوقعة والتى لا يمكن التنبؤ بها " . .... "لو كنت أهتم بما يقولونه لقدتهم الى المحكمة جميعا وأوقعتهم في مشاكل لا حصر لها ... ماذا يهم ؟ دعهم يهذرون" . هذا مايقوله (الكونت) لستيفان كلما سأله عما اذا كان مايقال عنه من بذاءة صحيح ام لا ... الكونت رجل في السبعين من عمره ، عازب ، تبنى طفلة صغيرة تدعى (سندرا) ... ولما كان عليه من اللطافة والود والرحمة معها ، حتى انها كانت تناديه (جدي) ... كان ذو هيئة عسكرية صارمة ، ولكنه ودود لطيف طيب القلب ... كان دائما يمسك بيده عصا تبدو وكأنها موروث عائلي اكثر من كونها عصا ليتوكأ عليها . .... "هكذا كانت (لوجرس)... هكذا كانت شخصيتها ... لقد تعذبت من أجل ان تنقذ شخصا اخرا من المتاعب ... لكن كيف كانت نهاية قصة موتها؟ " . لوجرس هذه كانت امرأة وحيدة عزباء ... تعيش مع القطط التى تهيم بها ... ووجدت ذات يوم مقتولة ... وكان المتهم بقتلها (سبيجولو) الفتى الشقي الذي يثير الذعر اذا ما وجد في مكان ما ... يسرق ، يضرب ... اما القتل ... فلا ... ولكن كل من يراه يزمع انه هو القاتل ... قال ستيفان بعدما حكى له الكونت عنها وعن طيبتها وحنانها وتضحيتها من أجل ذلك الفتى الذي أحبته عندما كانت في العشرين ... قال : " ان الموت لمحنة ... البعض يموت من أجل الكراهية ... البعض يموت من أجل الإنتقام او الحب ... لكن احدا لا يملك حقا بأن يقتل ... إنه شيء فظيع ومرعب بأن تقتل ... بأن تسرق حياة احد ما ... إن يد العدالة من المؤكد ان تقبض على القاتل ... ماهو الموت ؟ لماذا كثيرا مايسأل المرء نفسه هذا السؤال ويكون فكرة حين يكتنفه الظلام ؟ لماذا كثيرا مايكون المرء فب زحمة مشاكله العقلية يتصور ويشعر بأن الموت مثل شيء بارد قد تغير ... بارد مثل الثلج ؟ ماهو الموت ؟ لكن على المرء ان يسأل نفسه عن شيء آخر : ماهى الحياة ؟ في تصورى أرى الحياة مثل جسر يعبره الناس من الحياة الى الموت ... البعض يعبره ... البعض يسقطون في أعماق المياه الهائجة ... هذه هى الحياة ... فقط مجرد ممر يؤدي الى البحر الجارف . لكن الموت ... ماهو ؟ ان الموت هو ذلك البحر الذي يبتلع كل الناس الذين يعبرون الجسر البحر الذي لا يمكن لأحد ما ان يهرب منه ... البحر الأزرق المخيف ... هذه هى الحياة ، والموت ". ... "وهذه الحادثة الأخيرة سجنتها الى الأبد عن عالم الناس المفترض فيهم ان يتمتعوا بسلامة العقول ومع ذلك يصنعون الحروب والدمار !". يحكى ستيفان هنا عن كرستينا حبيبة مينو التى فرضت عليها الظروف واجبرها الزمن ومن يحيط بها ان تدخل مستشفي الأمراض العقلية مرارا وتكرارا ... فقد اقتحمت حجرة المفتش عندما كان يستجوب سبيجولو عن حادثة مقتل لوجرس وقطتها ... كانت تصيح "لقد قتلتها ... لقد قتلتها" . وان شيئا لم يحدث عدا ان المفتش لم يكترث لما قالته وأمر ضباطه ان يأخذوها بعيدا ... وسجنت في مستشفي الأمراض العقلية هذه المرة الى الابد ... ... "ان الشيء الرائع وغير العادي انه في احوال كثيرة تأتى من الشخصية الرديئة نوعيات رائعة وعظيمة ، وكان بهذه المناسبة انى رأيت سبيجولو ليس كشخصية رديئة محتالة بل كالانسان الذي بسلوكه وكلماته ساعد القانون . وانتصر العدل". هكذا امتدح ستيفان موقف سبيجولو عندما تنصل من التهمة الملفقة إليه واخرج نفسه من هذه الورطة كالشعرة من العجين ، موديا بحياة القديسة (كارولين) العجوز الأرملة التى رأت سبيجولو يوم مقتل لوجرس على عتبة باب لوجرس وقد اشتكت عليه ... ولكن ذلك قد وقع على رأسها وسجنت الى الابد . ... ومرت السنين وصارت حياة ستيفان اصعب ... شعر ان الكون لايطاوعه فيما يرغب ... الكل ضده ... أمه ... الناس ... الحياة ... روميلدا أيضا ... قال لها : " انت تقولين ذلك لكن كيف تستطيعين ان تعرفي ؟ حين يكون المرء غارقا في الحب عليه ان يكون ممتلئا بالأمل والطموح " . ردا على جزمها ان شيئا لن يحدث مما يريد ... لن يبنيا حياة ولا عائلة معا ... ان والدته لازالت ترفضها ، والمجتمع ايضا الذي حتم عليها هذه المعيشة والطريقة الصعبة في الحياة . ان الماضي يلاحقها أيما وجدت ، ويمنعها من التوحد فيمن اراده قلبها . .... "ما الحلم ؟ ان الحلم غيمة مبعثرة . أحيانا يجلب المرح ، وأحيانا يجمدك لدرجة انك حين تستيقظ تشكر الله ، وتأخذ نفسا عميقا من الراحة . بعض الاحلام تكون مرعبة ، لكن الحقيقة نفسها قد تكون اسوأ بكثير ". واخيرا هزم اصرار ستيفان عناد والدته ورضت بالامر الواقع وصار ستيفان قريبا من تحقيق حلمه ... ولكن شيئا ما قد حدث وغير مجرى الاحداث كلها ... بالرغم من كل ذلك لم يستسلم ستيفان لعوائق الحياة التى كثيرا ما اعترضت سبيل حياته الى مبتغاه . ... احتلت مالطا... وانتهى حلم ستيفان قبل ان يتحقق ... هجروا منازلهم ... ولم يعد اى منهم يدرى عن الآخر ... لن احرق لكم تفاصيل الحكاية ... فيجب ان تعيشوها لوحدكم ... كما عشتها وتبددت احداثها في اعماقي وتغلغت ... وعلى الرغم من بساطتها الا انها تحمل من معانى فلسفة الحياة مايجعلك تفكر فيها دائما وتهيم بها كلما خطرت على بالك ... لقد عشتها بكل جوارحى ... رواية خفيفة مستساغة تصور زقاق بمدينة بكل احداثه وشخصياته الفظة والفذة على حد سواء ... وأخيرا اختتم ستيفان روايته بهذا النص : " إننى الآن هرم ، ودورى ان أجلس محدقا عبر النافذى مراقبا الاطفال وهم يلعبون ، وصغار المحبين ذاهبين قادمين مثلما تعودنا ان نفعل . كل تلك البقايا والمخلفات هي ذكريات بالنسبة لى ... الحياة تتدفق ... أيامى حصيت وعدت ... وإنى أتوق الى يوم حين أجد نفسي في عالم رائع عظيم محاط بأولئك الذين أحببتهم الى حد بعيد . الحب سرمدي . " . #النهاية