شمس الدين بدران من مواليد 1929 وهو وزير الحربية المصري الأسبق في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في الفترة ما بين 1966-1967.. وهي الفترة الحرجة في تاريخ مصر والعالم العربي حيث شهدت حرب حزيران أو الأيام الستة والتي هزم فيها العرب. عرف عن شمس بدران أنه كان قريباً من المشير عبدالحكيم عامر وقريباً أيضاً من الرئيس جمال عبدالناصر حيث أن الأخير لم يتوانَ عن تسميته خليفة له حين أقدم على الإستقالة بعد حرب 67.. وهذا رغم قربه الشديد من المشير عامر والذي تمت شيطنته وسجنه وتصفيته كما يدعي شمس بدران في مذكراته. تم إعتقاله هو وستة ضباط كبار كان عامر من ضمنهم بتهمة الإهمال والتسبب بكارثة حزيران وتمت إدانته والحكم عليه بالأشغال الشاقة وتم سجنه فعلاً.. قبل أن يخرج بصفقة سياسية مع السادات بشرط أن يخرج من مصر ويصمت إلى ما شاء له أن يصمت. يقيم حالياً في مدينة بلايموث البريطانية.
حين أقبلت على قراءة هذا الكتاب، وكما هي العادة، بحثت عن النسخ المتوفرة، فوجدت عدة نسخ؛ منها هذه التي قرأتها بالفعل وهي مجموعة من الحلقات التي نشرتها جريدة السياسة الكويتية عام 2014. وهناك نسخة أخرى، بإمضاء حمدي الحسيني.. وقد وجدت بخصوص هذه الأخيرة مداخلة من شمس بدران شخصياً في برنامج على أحد القنوات المصرية يكذب فيها أن له أي علاقة بهذه المذكرات الخاصة بالحسيني.. ويؤكد أنها مكذوبة وليست على لسانه.. وحتى أنه أقر بكونه لم ينشر مذكراته بعد. وأنه سينشرها عن طريق الأهرام. وأعتقد أن جريدة السياسة الكويتية قد اقتطفت ما نشرته من هذه المذكرات الأصلية.. ولكنني أشك بكونها كاملة فهي لا تتجاوز الخمسين صفحة !
لقد غطى هذا الكتاب عدة مواضيع، يمكنني تصنيفها كالتالي: حياة ناصر الخاصة، شخصية ناصر، أسطورة ناصر، الصراع بين ناصر وعامر، حرب اليمن، مسؤولية هزيمة حزيران، المعتقلات والأخوان المسلمين.
يبدأ بدران كتابه هذا، وهو ما يشبه المقابلة الصحفية أكثر مما يشبه اليوميات أو المذكرات الحقيقية، ما قيل عنه من أنه قام بنشر فضائح جنسية خاصة عن الرئيس جمال عبدالناصر، ويؤكد فيه أن ناصر كان أحد أكثر الضباط الأحرار التزاماً أخلاقياً وأن ما قاله بخصوصه لم يتعدَ حقيقة أنه كان مصاباً بالسكري ولذلك كان يعاني، كحال كل مرضى السكري، من مشكلة العجز الجنسي، وكان صلاح نصر يزوده بأفلام جنسية سجلتها المخابرات المصرية لسعاد حسني ! كي يستثار جنسياً ! حقيقة، لم أفهم ما قيمة هذه المعلومة أو السياق الذي يجعل وزيراً سابقاً بحجم بدران من أن يأتي عليها.. ثم فهمت الأمر حين قلب الأمر بعدها فوراً متسائلاً: لماذا لم يغضبوا من تلك الأقاويل في حق المشير مع زوجته برلنتي عبدالحميد.. ثم يسهب بأن المشير على الأقل كان متزوجاً من برلنتي بل وأنجب منها طفلاً. إذن، فكلامه السابق عن ناصر كان بهدف استفزاز الناصريين وثأراً للمشير الذي تم توظيفه ككبش فداء لهزيمة حزيران. وبغض النظر عن صحة هذا الإدعاء من قبل بدران.. فهو إدعاء تافه، ولا يتعدى برأيي الخاص، سوى الثأر الشخصي لنفسه، أو للمشير عامر.
إنتقل بعدها بدران في الكلام عن بذخ ناصر، ومدى نجاح التوظيف الإعلامي في تمثيل زهد ناصر. وأن ذلك ليس صحيحاً. فناصر كان يوصي على مقتنيات وألعاب من بيروت لأطفاله. ويبرر، أنه من حق ناصر وعائلته الحياة في مستوى رئيس الجمهورية.. لكنه لم يكن كما كان شائعاً يعيش حياة الكفاف ! وأن كل ذلك الكلام هو من صنع محمد حسنين هيكل الذي خلق أسطورة ناصر، وهو المسؤول عن كل تلك الأكاذيب حول ناصر وجعلته هو ذاته يصدقها فيتحول إلى نصف إله.
انتقل الكلام بعدها، إلى التغيرات التي حدثت على شخصية ناصر بعد محاولة إغتياله الفاشلة الأولى عام 1954 وحرب 1956 ومؤامرة إغتياله الفاشلة الثانية عام 1965 والتي أوكل ناصر مهمة التحقيق فيها إلى بدران الذي كشف عن مؤامرة الإخوان المسلمين لاغتيال ناصر. يقول بدران بأنه قد تم إعتقال حوالي خمسة آلاف شخص خلال هذه التحقيقات من ضمنهم سيد قطب والذي حكم عليه فيما بعد بالإعدام. وينكر تماماً أنه قد تعرض إلى سيد قطب بالذات بأي شكل من أشكال التعذيب.. لكنه لم ينكر استخدام التعذيب مع بقية المعتقلين بل وقال أن بعض أوامر التعذيب كانت تأتي مباشرة من عبدالناصر إلى آمر السجن الحربي حمزة البسيوني وأحياناً أخرى منه شخصياً أي بدران. ولكنه ينفي تماماً أن يكون هناك أكثر من عشرة معتقلين فقط من ماتوا في السجون.. وحتى هؤلاء لم يموتوا من التعذيب إنما ماتوا من الصدمة ! صدمة اعتقالهم ومواجهتهم بالأدلة الدامغة التي تدينهم.
في الواقع، ماتوا من الصدمة ؟ إذا كانت المعتقلات المصرية بريئة لهذه الدرجة في العهد الناصري.. لماذا كل ذلك التكتم عليها ؟ كان بإمكان الحكومة المصرية أن تظهر أوراق التشريح التي تثبت أسباب الوفاة.. وكان بإمكانها التصريح بعدد الوفيات وغيرها.. ولكن أياً من هذا لم يحصل. لماذا يا ترى ؟
من جهة أخرى، كانت شهادة زينب الغزالي والتي كانت في كتابها "أيام من حياتي" قد وصفت اعتقالها وتعذيبها على يد بدران.. مفرطة في المبالغة، فهي أشبه ما تكون بمشهد تعذيب رجل من قريش لفتاة أسلمت حديثاً ! قد تكون هناك مبالغات كما يقول بدران في إدعاءات الأخوان لكن هذا لا ينفي وجود التعذيب كما أقر بدران ذاته. وقد أنكر بدران كذلك أنه يعرف أو التقى حتى بزينب على الإطلاق.. وقد أعلن عن دهشته لما تحدثت عنه في كتابها.
يحمل بدران السادات مسؤولية حرب اليمن نقلاً عن لسان ناصر بأن فكرة التدخل العسكري المصري في اليمن كانت فكرة السادات وذلك لأنه كان على علاقة مع زوجة مسؤول يمني ! لا أدري، مدى صحة ذلك. وإن صحّ ذلك حقاً.. فهي من أسذج ما سمعت من مبررات لرئيس دولة بأن يمضي قدماً في أمر كهذا. لقد كانت حرب اليمن مشكلة حقيقية للجيش المصري.. وقد تم توظيفها سياسياً وإعلامياً بشكل جيد. لكنها أثقلت كاهل مصر عسكرياً ومالياً.. والقول بأن كل ذلك هو بسبب السادات ولأنه كان على علاقة بيمنية هو أمر مخزٍ سواء بحق السادات أو ناصر كرئيس للجمهورية.. او الناقل بدران نفسه.
عودة إلى حرب حزيران، حيث يشير بدران بالطبع، إلى مسؤولية ناصر الكاملة عن ما حدث. وأن الهزيمة العسكرية كانت بسبب المناورات السياسية الفاشلة التي قام بها ناصر والتي دفعت مصر ثمناً غالياً عنها. ولكنه لم يقل أي شيء يذكر عن زيارته –أي بدران- لموسكو وتأكيداته بأنه لو حدث هناك إعتداء عسكري على مصر فإن الإتحاد السوفييتي بنفسه سيتدخل ويخوض الحرب إلى جوارهم ! من غير الممكن بالطبع، تجاهل مسؤولية ناصر الأولى والأخيرة عن قيام الحرب. لكن بدران شخصياً لا يقل عنه مسؤولية.. فهو بتأكيداته تلك أعطى القيادة المصرية الضمانات العسكرية اللازمة مما جعل ناصر جريئاً بما فيه الكفاية للقيام بتلك المناورات السياسية المتهورة. مما لا شك فيه، أن ناصر قد استخدم بدران وعامر وغيرهما كأكباش فداء للهروب من المسؤولية.. ومن قبل ذلك كانت تلك اللعبة المتقنة المتمثلة بالإستقالة ثم الرجوع عنها بعد الرفض الجماهيري لها.. ولكن هذا لا يعني براءة عامر وبدران والقيادة العسكرية المصرية لمسؤولياتها عما حدث. الفكرة هنا، هو أن الجميع كان يتحمل قدراً من المسؤولية.. ونعم، صحيح، أنه من الخطأ تحميل كل الخطأ لطرف دون الآخر.. وإن كانت القيادة المتمثلة برئيس الجمهورية هي من تتحمل المسؤولية الكبرى عما حدث.
عموماً، تمثل مذكرات رجل بحجم بدران وسياق حياته السياسية قدراً كبيراً من الأهمية في محاولة لفهم هذه الفترة الحرجة من تاريخ الأمة. لكن المشكلة هنا، هي أنها مجتزأة ومقتطعة، ناهيك عن سرقتها عن طريق أمثال حمدي الحسيني وتوظيفها لأهداف السبق الصحفي مما يفقدها الكثير من المصداقية. بالطبع، يستطيع كل طرف أن يقول ما يشاء عما حصل من وجهة نظره. ولكن الحقيقة غالباً ما تكون في مكان ما وسط ما يقوله الجميع. إنها شيء ما من كل ما قيل.
الكتاب عبارة عن ذكريات مشوشة مقتطفة به بعض الوقائع اذا كانت صحيحة فهي تظهر مزيدا من خبايا عبدالناصر ، ولمحة عن السادات وفكرة التدخل ف اليمن ، وهيكل مروج فكرة ناصر الأسطورة ، ويبرئ ذمة عبدالحكيم عامر بل ويدافع عنه ف كثير من المواقف ، الكتاب أقل مما توقعته بالنظر الي الضجة التي أثيرت حوله حين تم نشره
المذكرات ناقصة ولا تتجاوز الـ ٤٥ صفحة، هي أقرب للمقتطفات من المذكرات. أتمنى أن نقرأ المذكرات الحقيقية لواحد من أهم الرجال في نظام عبد الناصر رحمه الله.