لأننا نعيش اليوم في هذه الفضاءات المفتوحة التي تملأ العالم من حولنا, والتي تتسم بسمة التواصل والحوار, والتي تُعبر عن شبكة معقدة وعميقة جداً من الحوارات المتبادلة والنقاشات الساخنة, والمحاولات التي لا تنتهي لتثبيت القناعات أو تغييرها. ولأن أصول الإحتجاج وكيفية الاستدلال تُعد حقلاً علمياً واسعاً ساهمت فيه مجالات علمية متعددة مثل الرياضيات والمنطق الأرسطي والمنطق الحديث والمنطق المابعد أرسطي إلا أن الميزة الأساسية للحجاج بوصفه فرعاً علمياً يعتني بهذا الحقل تكمن في أنه الفرع الوحيد الذي يهتم بمساحة الأخلاقيات الحوارية بصورة تعدل اهتمامه بتقنيات الاستدلال نفسها ولا تقلُّ عنها. يأتي هذا الكتاب بُعدّة مفاهيمية وتكوينية مميزة استطاع المؤلف - بكل اقتدار - أن يصوغها في قالب يعين القارئ على إقامة حجة صحيحة يساند بها فكرته دون أن يتخلى في الوقت نفسه عن الصيغة الأخلاقية التي تبعث حياة التواصل فيما بينه وبين مخالفه, فهو تواصل ولكن يجب أن يبقى إنسانياً كذلك. إن هذا الكتاب يقع في توفير عُدَّة تكوينية للقراء والباحثين, تُعينهم على مزاولة الفعل الثقافي بصورة سليمة قائمة على أُسس منهجية صحيحة, حيث يُعد الحلقة الرابعة من سلسلة تكوين الذي أصدرها المركز ضمن سلاسل منشوراته السابقة.
سواء كنت تبحث عن تطوير مهارات الحوار الجدلي أو المناظرة القائمة على الحجج والبراهين المتنوعة ، أو كنت تبحث عن تحليل للحوارات والجدالات القائمة في سوقنا العلمي والثقافي فإنك واجد ذلك في هذا الكتاب الرائع الجميل.
خلطة محكمة من أقوال السابقين واللاحقين مع نماذج يومية وقضايا معاصرة تقرب وتوضح بعض قضايا الحجاج وقيمه وأسسه و تقنياته. لو استعرض أحدنا الجانب النظري في هذا الكتاب وطبقه على عدد كبير من برامجنا العربية الكلامية أو الكتابية، لربما عرف أن كثيرا مما نراه ونقرأه إنما هو زعيق غراب أوخربشة دجاج.
مباديء الحوار وقيمه وتقنياته من لوازم الأمم المتحضرة والمتعلمة من قديم الزمن، فالبشر فيه يضيفون وينتقدون وسنجد مثال ذلك واضحا في ثقافتنا العربية من أيام الوليد الباجي في المناهج في ترتيب الحجاج إلى عصرنا الراهن مع الدكتور طه عبدالرحمن في "الحوار أفقا للفكر".
الدكان، مؤلف الكتاب، عرفته من خلال برنامج تلفزيوني تناظري حواري راق، ثم اختفى عن الشاشة، فهل أراد أن يضعا دستورا قبل أن يعود، أم أنها ملاحظات من خبرته؟!
أعجبني ترتيب الأفكار في الكتاب وتضمين الكاتب لأمثلة واقعية في كل فقرةٍ تقريباً، حيث أن بعض الأمثلة كانت مناظرات أثار الكاتب فضولي حين ذكرها فذهبت وشهادتها وهذه تحسب نقطة إيجابية له. الكتاب قصير ولكنه دسم قليلاً ويحتاج لتركيز.
ما أحواجنا إلي قيم الاختلاف والتفاعل الحواري التى اغتني بها تراثنا الفكري والثقافي العربي..
كانت العملية الحجاجية تُدار بين الفقهاء والمحدثين والفلاسفة والاصوليين والبلاغيين واللغويين على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم الثقافية بكل وعي ورقي على الوجه الذي أدى إلي تعميم المعرفة وتعميق الثقافة الحوارية لدى المتلقين.
الحجاج سبيل إلي معرفة الحقيقة من طرق متعددة وتكوين الملكة الحجاجية وممارستها بوعي بين المتلقين،في شتي السياقات الثقافية والفكرية والاجتماعية والإعلامية،من شأنها أن تفضي إلي تقليص شقة الخلاف السلبي،المبني على النبذ والإقصاء بين أطراف الخطاب.
تاتى هذه الدراسة في الكلام على ماهية وأهمية الحجاج وصلته بفروع المعرفة وأنساق الثقافة وتاريخه التكوينى،هذا من الجانب النظري للسؤال،ومن الجانب التطبيقي تري منطلقات الحجاج وأبرز تقنياته.
كتاب د.محمد الدكان، بعنوان: "الدفاع عن الأفكار"، كتاب لا تملّه، فقد أعادني سنتين للوراء حين قرأتُ كتاب الشيخ د.سلمان العودة: "أسئلة الثورة"، كتابان يتميّزان بسلاسة الأسلوب، وحسن تركيب الكلمات، فلا تشعر إلا وقد شارفت على النهاية، كتابنا هذا متميّز، فقد تطرّق مؤلفه إلى مبادئ التواصل الحجاجي، واستخدم واقعة "الربيع العربي" وما صاحبها من محاورات كمقاربة عملية تطبيقية منظورة لالتماس منطلقات الحجاج الست، وكذلك في تقنيات الحجاج فإنّه استخدم حوارات معاصرة؛ كحوارات نماء، والبيان التالي، والاتجاه المعاكس كمقاربة لذلك، وهذه الأمثلة العصرية جعلت في الكتاب لمسة متميّزة، ولهفة تُصيب القارئ لمواصلة القراءة؛ لمعرفة مزيد من تلك التحليلات المنظورة.