• إذا كان واجباً على كل إنسان أن يدرس تاريخ بلاده فإنه يجب على المصري أن يدرس تاريخ مصر لا لأنه تاريخ مصر وفقط بل لأنه تاريخ الدنيا، تاريخ الحضارة القديمة التي أخرجت الإنسان من العصر الحجري وجمع الطعام والرحلة في الغابات إلى عصر الزراعة وإنشاء الحكومة والأسرة. يستعرض الكتاب بعض مظاهر الحضارة المصرية القديمة ويثبت أن مصر أصل الحضارة وأن مقولة "جاءت مصر أولاً ثم جاء التاريخ" ليست عبارة رنانة خاوية وإنما تعبر عن حقائق لا يمكن إنكارها، حتى قال برستد: "لقد ثبتت هذه الحقيقة العلمية ثبوتاً نهائياً وهي أن الحضارة نشأت أولاً في مصر".
• قطعت مصر أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد وهي بوتقة للعقائد الدينية، عرفت فيها دفن الموتى ومعنى الخلود والعالم الآخر والإثابة على الحسنة والعقاب على السيئة وكثير من الحكم السامية، وقد ألهمت العالم كثيراً من العقائد فتغنى الإغريق بالرب آمون، وعبد القرطاجنيون قرص الشمس المصري، وبنيت الأهرام في السودان، وعبد الهنود الربة هاتور (البقرة المقدسة في مصر القديمة)، وما زلنا نجد أثر الحضارة المصرية في إلياذة هوميروس الإغريقية وفي الآرام المبثوثة في أنحاء أوروبا وفي الأساطير الدينية الرومانية القديمة وفي الملوكية.. إلخ.
• من مظاهر الحضارة المصرية القديمة اعتقاد المصريين القدماء في "الذهب" بأنه يطيل العمر ويمنع الموت فوضعوه في توابيت الملوك، وقد أخذ الهنود هذه العقيدة عن الفراعنة حتى أنه يُوصف في كتبهم باللغة السنسكريتية بأنه خالد ويعيد الشباب ويطيل الحياة ويكثر النسل. أما عن "التحنيط" الذي اخترعه جدودنا ومنه عرف الإنسان الكيمياء حتى إن الإغريق أطلقوا لفظة كيمي (وتعني مصر) على هذا العلم، ومن الزراعة عرف الإنسان الفلك، إذ اضطر إلى معرفة الأوقات الزراعية على النظام الشمسي حتى لا يخطئ أيام الزرع أو الحصاد، وكان المصريون من زرعوا القمح حتى شاع في العصور القديمة باسمه المصري.
• كما كان للفراعنة السبق في طائفة كبيرة من الصناعات مثل الفخار والتعدين وصنع السفن والملاحة ونسج الأقمشة وصناعة الزجاج. وليس هناك شك في أن الأطباء والفلاسفة الإغريق كانوا يحجون إلى مصر وينقلون عنها، بل لقد دخل فيثاغورس في نظام الكهنة في طيبة وعاش في مصر أكثر ما عاش في وطنه، كما زار أفلاطون مصر، ويقول طاليس أول فلاسفة الإغريق (600 قبل الميلاد) بأن الماء أصل الأشياء، وهي عقيدة مصر التي تنص عليها ديانة أوزوريس.
• ولقد نهض الفن الإغريقي القديم على الأسس التي وضعها المصريون القدماء، وحسبك أن تنظر إلى صور العمود المصري والعمود الإغريقي، وبين التمثال الإغريقي الأول وتماثيل المصريين القدماء، وكذا زخارف المصريين الذي قال عنها بتري: "العالم مدين في زخارفه للمصريين الذين أوجدوا أول مدنية على الأرض". كما أن الآلات الموسيقية التي تستعمل في أفريقيا الغربية الآن هي نفسها الآلات المصرية القديمة.
• هذا هو تاريخنا الذي يجب أن ندرسه أبنائنا، وهو أحسن ما تُغذى به وطنيتنا، ويبعث في نفوسنا الكبرياء الوطنية ويحثنا على أن نستعيد مركزنا للقيادة في الحضارة كما كان أسلافنا.