«الزمن يجري سريعاً ويجرف أمامه كل شيء، لكنه لا يقدر على تبديد الحكايات.»
📖 ملحمة المطاريد – عمار علي حسن
هذه واحدة من أجمل الروايات العربية الحديثة التي قرأتها على الإطلاق؛ وهي تتقصى ثيمات الأرض، والسلطة، والانتماء عبر سيرة «عائلة الصوابر» الممتدة لنحو خمسة قرون من تاريخ مصر، بدءاً من العصر المملوكي حتى الاحتلال البريطاني.
لا تصنف الرواية كعمل تاريخي تقليدي، بل هي «رواية أجيال» بامتياز، يحضر التاريخ فيها—بتحولاته من المماليك والعثمانيين وصولاً إلى الاحتلال البريطاني—كإطار عام للأحداث.
يعيد الكاتب تعريف «المطاريد» بوصفهم هاربين من الجور، وباحثين عن العدالة والاستقرار؛ ويظهر أحياناً كأنّه يعبّر من خلالهم عن حالة الشعب المصري ككل:
«منذ متى كانت الأرض في مصر ملك الناس؟»
وتتجلى براعة الكاتب في التوظيف الرمزي للأسماء، حيث يبرز الصراع الثنائي بين:
▪︎ "الصوابر": الذين يتجرعون الصبر على القهر وفقدان الأرض، ويورثون مظلوميتهم للأبناء.
▪︎ "الجوابر": حيث يمثل "الجبر" سطوة القهر والافتراء لا جبر الخواطر.
وينسحب هذا الرمز على الأفراد؛ فمن "صابر" الجد المؤسس، إلى "رضوان" القانع، وصولاً إلى "غنّوم" باني المجد، ترسم الأسماء جزءاً من طباع أصحابها.
تتشبّع الرواية بروح الصعيد الصوفية والشعبية، من حلقات الذكر والمجاذيب إلى أنغام الربابة. ويلعب نهر النيل دوراً حيوياً في السرد كقوة فاعلة تعيد تشكيل مصائر البشر مع كل فيضان.
أسلوبياً، اعتمد الكاتب لغة كثيفة وبناءً ملحمياً؛ فيفتتح الفصول بالحكم ويختمها بالشعر العامي على لسان "القوّال"، مما يمنح النص إيقاعاً تراثياً حياً.
من ناحية الشخصيات، ينحاز العمل للمنطق الملحمي الذي يُعلي من شأن الفعل الجماعي على حساب التحليل النفسي الفردي؛ فالشخصيات تؤدي دورها الوظيفي في صراع الأرض ثم تفسح المجال لمن يليها. واللافت أن الكاتب لا يترك تفصيلاً عالقاً؛ فكل شخصية مهما بدت هامشية تعود لاحقاً ليتضح موقعها في هذا التاريخ العائلي الطويل.
وتأتي النهاية المفتوحة لتؤكّد أن الصراعات لا تنتهي بالصلح الشكلي ما دامت "الحكاية" حية؛ فالمظالم الموروثة قادرة دائماً على إشعال فتيل النزاع من جديد.
وهكذا، تستمر ملحمة الصوابر في الصبر على غدر الزمن؛ صبرٌ يُورَّث كما تُورَّث الأرض والحكاية كما ينشد القوّال:
«صابر والزمن غدَّار.. يعاند اللي يريده
بيده كاس مُر دوار.. كل ما ينقص يزيده».
الخلاصة: "ملحمة المطاريد" نص متماسك يجعل من الذاكرة الشعبية قوة فاعلة تعيد إنتاج صراع الإنسان مع الأرض والسلطة، في مزيج متقن بين الفن الروائي والوجدان الشعبي.