يحتشدون أمام باب القصر ويصرخون بالهتاف، تملؤهم نشوةٌ متوحشةٌ ويشعرون بفوران الدماء في عروقِهم، يطالبون سليمان بأن يخرجَ إليهم وينعتونه بالفأرِ الجبان، وخلفَ البابِ المُوصَدِ تتشبثُ به مريمُ تمنعُه من الخروج؛ لو تلقَّفَه هذا الجمعُ المجنون بالخارجِ لأجهز عليه، إنهم سكارى بخمرِ الاكتشافِ الجديد، ومثلما وُضع الديناميتُ بين يدي الإنسانِ لأول مرةٍ، وقيلَ له أنه قادرٌ على تفجيرِ الجبالِ فاستخدمه في أول فرصةٍ سنحتْ له ليتأكد، ومنذ ذلك الحينِ لم يتوقف عن إحراق العالم، يقف هؤلاء أمامَ البابِ في انتظارِ فرصةٍ مُماثلة؛ لقد وُضعَ بينَ أيديهم اكتشافٌ لم يكونوا يعرفونه من قبل؛ الحرية، والآن يُلوّحون به بانبهارٍ ويتحرّقون شوقًا للتأكد من أنه يعمل ومما يمكنُه عمله. مثلَ أطفالٍ نَزِقينَ يُلوِّحون بأصابع الديناميت بالخارج، وعلى سليمانَ -من أجلِ الجميعِ لا من أجلِه وحدَه- ألا يكونَ جبلَ التجربةِ الأولى.
أخيرا مع العدد الثاني من عواصف الغبار! أحببت تطورات الأحداث في القلعة جدا، احتدام الأزمات فيها عكس بشكل ذكي ما أرادت الكاتبة توصيله من تخبطات المجتمعات الصغيرة الناشئة، الشخصيات بدأت هنا تتضح أكثر، ودخلت شخصيات جديدة مثيرة للاهتمام وأعتقد أنها ستكون ذات أدوار أكبر في الأعداد القادمة، أعجبني رسم الكاتبة لشخصيات الأخوات ميرة وتمايز كل واحدة عن الأخرى، ولشخصية الطفل آسر ودوافعه لدخول القلعة، وتناولها مشكلة إدمان الصورة ومواقع التواصل بهذا الشكل رغم اختلاف عالم مدينة الزجاج عن عالمنا. أحببت شخصية ذات القلنسوة السوداء وأتطلع إلى لحظة كشف السر وراءها، وكذلك أعجبني اختراع الكاتبة لفئة دنيا منبوذة من مدينة الزجاج وتسميتها إياها ببلاد الهمل، وأتوقع أن يكون لها دور أكبر في الأعداد القادمة أيضا. هذا عن العالم الحاضر، أما عن رحلة هذا العدد فقد كانت غير متوقعة على الإطلاق بالنسبة لي، سقراط؟ في البداية استغربت وجوده بين الأحداث قبل بدء سليمان رحلته، ظننت أن الكاتبة تنقل زاوية نظر فلسفية للأمور التي تتناولها في حاضر العدد، لكن عندما خاض سليمان رحلته التي اكتشفت أنها إلى أثينا في زمن سقراط تفاجأت قليلا لتصوري عن السلسلة أنها تاريخية، ثم أدركت أن التاريخ يشمل من أهم ما يشمله تاريخ الأفكار. أرتني الكاتبة سقراط الذي لم اقرأ عنه من قبل فأحببته، تأثرت بمواقفه ومرافعته للدفاع عن نفسه وموته، وأعجبتني أسئلته وصياغة الكاتبة الذكية لحواراته. ينتهي العدد بسؤال كبير: ماذا حدث لمريم؟ في انتظار العدد الثالث تشوقا إلى حل ألغاز هذا العدد ومعرفة شخصية الرحلة الجديدة وزمنها.
أحب متابعة السلاسل وهي تكبر وتثبت نفسها عددا بعد عدد، وفي هذا العدد يتطور عالم عواصف الغبار من كافة النواحي، الشخصيات، الأحداث، الفكرة، الصراع الثابت والقصص المتغيرة كذلك.
عندما كثر اللغط أيام صدور العدد الأول إليكترونيا راهنت على هذه السلسلة، والآن أسعد بأنني كسبت الرهان، وأن رؤيتي لتلك الموجة العالية من الهجوم كانت صائبة، فمعظم من قرؤوا العدد الأول وهاجموه لم يكونوا أبدا من قراء الكاتبة ولا يهتمون بها، ذكروني بالأشخاص الذين يكمنون في قائمة الأصدقاء على فيسبوك ولا يظهرون إلا ليعترضوا، ساعتها قلت لنفسي الكاتبة متحققة من قبل هذه الرواية وأغلب من يهاجمونها من شلل معينة ولم يقرؤوا لها رغم اشتهار أعمالها وتميزها، لكن لولا الجائزة التي كانت على قراءة العدد من دار النشر ما فكر أحدهم في القراءة لها فهي خارج قائمة الكتاب الذين يعودون بالمنافع على المتقربين منهم 😀
حبيتها جدا وحبيت خميرة وسميرة وذات القلنسوة السوداء وحزنت جدا على سقراط، أميرة بعد ما كنت كرهتها بشدة وعايزة أدخل أجيبها من شعرها تعاطفت معاها في مشهد نهايتها، ضحكت كتير في مشهد كلام آسر لمتابعيه عن أنه حاكم القلعة ومنيمها من المغرب 😁
هذا الجزء أكثر تأنيًا من سابقه، في بدايته ومنتصفه وخاتمته. تأنيًا متزنًا أعطى لكل حادثة حقها من السرد بلا استعجال. وقد أنهيتُه في جلسةٍ واحدة، وكأنني سليمان وقد ابتلعني الكتاب ووجدتُ نفسي أسير وأسير، "مسحوبةً بقوة غامضة" :)
تحدث عن سقراط، الفيلسوف الموحّد السؤول الجسور الذي لا يهرب من الأسئلة في عقله، بل يطرحها أمامه وعلى الملأ وإن أدى هذا لفوضى، يرتّبها سؤالًا تلو الآخر بتفكير متأنٍ منطقي، ويجيب عليها بصبرٍ دؤوب. أهكذا الفلسفة؟ ألسنا نسيء فهم الفلسفة طوال الوقت؟ أم أساء لها أصحابها حين انتحوا بها منحى غير الذي أُريدَ منها؟ . . . أستذكر أبياتًا من قصيدة «بالرغم منا قد نضيع» لفاروق جويدة، على خلفية هذه الرواية وعالمها المتخيّل، الذي ليس خياليًا كثيرًا في الحقيقة، يقول فيها:
درب المدينة صارخ الألوان، فهنا يمينٌ أو يسارٌ قاني والكل يجلس فوق جسمِ جريمةٍ هي نزعةُ الأخلاق في الإنسانِ . . . من يمنح الغرباء دفئًا في الصقيع؟ من يجعل الغصن العقيم يجيء يومًا بالربيع؟ من ينقذ الإنسان من هذا القطيع؟ . . . . • "هذا هو الناتج الحتمي للحداثة التي يزعمها من أنشأوا العالم الجديد. لقد أنشأوه على أنقاض أخلاق الإنسان وكرامته وتاريخه، وحين تُنزَع هذه الثلاثة من الإنسان يصير كما رأيت؛ حداثيًا منكّسًا في الخلق، حتى الإنسان البدائي ساكن الكهوف وقاتل الوحوش كان أذكى منه وأكرم، لكن إنسان العالم الجديد مجرد حيوان ناطق، نزعوا منه تاريخه فلم يعد يعلم كيف كان يعيش، وكرامته فلم يعد يشعر بغضاضةٍ في أن يتعرى ليعيش، وضميره فلم يعد يجد حرجًا في أن يقتل ليعيش." صـ٥٤ • "إذا ظننت أن عدوًا لا يمانع أن يخلد في الجحيم مقابل أن تكون رفيقه فيه سيتركك وشأنك فقط لأنك اعتزلته في قلعةٍ محصنة، حتى ولو كانت هذه القلعة هي روحك وأسوارها أفكارك النبيلة، فأنت لم تفهم الحكاية بعد -حكايتك-!" صـ١٠٤ • "لن أغير طريقي أبدًا، وحتى لو كان عليّ أن أموت عدة مرات لا مرة واحدة؛ لأنني أؤمن بأن الحديث اليومي عما يجعلنا صالحين والتساؤل مع نفسي والآخرين هو أعظم ما يمكن أن يقوم به الرجل؛ فالحياة بدون تساؤل عن حقيقتها وغايتها لا تستحق العيش." صـ١٨٧ • "لم يعد يغضب أو يحزن، صار ميتًا يمشي على قدمين ليؤدي أمانته فقط لا غير، الأمانة التي لولاها لخلع نعليه واستلقى في قبرٍ ينتظر الموت أن يأخذ ما تبقى منه ويمضي به." صـ١٩٦
كان عندي فضول من العدد الأول لمعرفة إلى أين ستكون رحلة البطل، وهل ستتبع الكاتبة ترتيبًا ما للأحداث التاريخية التي ستتناولها، وكانت إجابات هذا العدد مفاجأة ممتعة، فلم أتخيل أن تكون الرحلة إلى زمن سقراط للتعرف على فلسفته وتماسها مع الواقع السياسي والاجتماعي وما تدعو إليه من التساؤل والسمو على العيش في متطلبات الجسد. لأكتشف بعدا جديدا لفهم الكاتبة للتاريخ وزاوية اخرى لتناولها إياه، فهي لا تعتبر التاريخ أحداثًا ووقائع فقط، بل هناك الأفكار والفلسفات التي تؤثر فيه وتغير مساره أحيانا.
تطور الشخصيات في هذا العدد رائع جدا، الأحداث مشوقة، وعالم السلسلة آخذ في التنامي وصراعها يتعقد أكثر فأكثر. قرأت العدد في منتصف شهر فبراير ومنذ ذلك الوقت وأنا في انتظار العدد الثالث.
أغبطك على عقلك الكبير وأفكارك التي لا تنتهي يا شيماء، أنتِ مُلهَمة بشكل يثير الإعجاب، وكل كتاب لك ينبئ ليس فقط بموهبتك الفريدة، وإنما أيضا بإيمانك العميق بمبادئ نبيلة باستطاعتك التعبير عنها ببراعة.
عدد جميل ووقت طيب مع سقراط وأفكاره من ناحية وتطورات القلعة ومدينة الزجاج من ناحية أخرى، في انتظار العدد التالي.
واضح أني بقيت من جمهور السلسلة، كنت خايفة من العدد الأول بسبب الريفيوهات المحبطة عليه بس حسيت فيها تحامل غريب مفهمتش سببه ودا كان دافع القراءة، وإذ فجاة ألاقيني في خلال يوم ونص مخلصة العددين 😅
ابدعت ياشيماء حقا في هذا الجزء يبدا عالم جديد في البناء ونرى اختلاف الشخصيات والأفكار وتأثيرهم على بعضهم البعض اعجبني جدا الجزء الخاص بسقراط واسئلته الفلسفية
تطورات رائعة في هذا العدد، عالم السلسلة يتفتح رويدا وبهدوء، وما يعجبني هنا أن الكاتبة كما في العدد الأول ت��قي أساسات لأحداث جديدة، ما يجعلني غاية في الترقب.