بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, أما بعد
إن قضية الحكم بغير ما أنزل الله من القضايا التي اختلف فيها قديماً وحديثاً , ولكننا لا يمكننا أبداً المقارنة بين الاختلاف قديماً والاختلاف حديثاً , فقديماً كان من المسلمات التي لا يُجادل فيها أحداً أن من ترك حكم الله وتحاكم إلى غيره أو بدّل حرفاً من دين الله كفر كفراً مخرجاً من الملة , ولكن الخوارج غالت في هذا الاعتقاد حتى كفرّت عليّ رضي الله عنه لما قبل بتحكيم عمرو بن العاص وأبى موسى الأشعري في قضية التحكيم المشهورة وقالوا أنه كافر واحتجوا بآيات سورة المائدة , وأيضاً كفرّوا حكام بني أمية لَما ظهر منهم بعض الفساد والجور والظلم في قضايا معينة مع علمهم بما هم عليه من معصية , وأيضاً كانوا يحتجون بأية " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " المائدة-44 على كفر مرتكب الكبيرة وخلوده في النار . وكان هذا هو مدار الخلاف بين الخوارج والصحابة ومنه قول ابن عباس رضي الله عنه " كفر دون كفر " وقوله " ليس بالكفر الذي يذهبون إليه " فكانت هذه الأقوال موجهة للخوارج في رده علي غلوهم في التكفير.
أما الاختلاف حديثاً فهو مع فرقة مختلفة تماماً من المنتسبين للإسلام وهم المرجئة الذين فرطوا في قضية الحكم بما أنزل الله , فلم يكفرّوا الحكام الذين يَحكُمون بالقوانين الوضعية التي وضعها اليهود والنصارى من القوانين الفرنسية أو الأمريكية ..الخ ويستبدلون شريعة المَلك المحكمة بزبالات عصارة هؤلاء البشر وينبذون كتاب الله وسنة نبيه صلْ الله عليه وسلم وراء ظهورهم ويتهمونهم بالرجعية والتخلف و عدم مواكبة العصر والتطور , والأدهى من ذلك أنهم يجبرون المسلمين على تقبلها والتحاكم إليها ومن لم يقبلها أو رفض الانصياع إليها يعاقب ويسجن , ومع هذا كله يحتج المرجئة بأقوال بن عباس وأبى مجلز على أن هؤلاء الحكام عصاةً فقط وليسوا كفاراً ولهم واجب الطاعة على المسلمين لأنهم ولاة أمرهم .
فيتضح مما سبق لماذا لا يمكننا المقارنة بين الاختلافين فقديماً كان الخلاف غلوْ الخوارج وحديثاً تفريط المرجئة.
مدار هذا الكتاب على هذا القضية فهو يرد على المرجئة بالدليل من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة, والكتاب مُفصّل وأسلوبه جميل وسهل وقسّم المؤلف الكتاب إلى ستة مباحث وهم
الأول : تحكيم الشريعة ومنزلته في العقيدة. ويوضح فيه المؤلف بالأدلة أن تحكيم الشريعة جزء لا ينفصل عن العقيدة وأن الدين الإسلامي يتكون من عقيدة وشريعة وأنهم لا يمكن فصلهما عن بعضهما.
الثاني : النصوص الدالة على وجوب التحاكم إلى شرع الله. يعرض المؤلف أدلة غزيرة من كتاب الله ويقف مع بعضها وأقوال العلماء والمفسرين فيها.
الثالث : الآيات من سورة المائدة في الحكم بغير ما أنزل الله ومتى يكون كفراً أكبر ومتى يكون كفراً أصغر. وهذا هو مدار الكتاب كله وأكبر مبحث فيه ولنا وقفة مفصلة معه نلخصه فيها لأنه هو لُب الكتاب وما قبله تمهيداً له وما بعده تعليقاً عليه. والآيات هي من أية رقم 41 حتى 50 سورة المائدة.
الرابع : نماذج لمواقف العلماء من المبدلين لشرع الله. يعرض المؤلف في هذا المبحث مواقف مثل موقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع المرتدين مانعي الزكاة و موقف بن تيمية رحمه الله من التتار المحكمين الياسق ويتعرض لنماذج أخرى.
الخامس : شبهات وجوابها. يرد المؤلف في هذا المبحث على كثير من الشبهات التي يلقيها المخالفون .
السادس : مسائل متعلقة بالموضوع. يتحدث المؤلف في هذا المبحث عن الفرق بين النظام الشرعي والإداري, وعن التكفير شروطه وضوابطه.
أما المبحث الثالث الذي هو مدار الكتاب كله وأكبر مباحثه فنلخصه هنا وقد قسّمه المؤلف إلى خمسة مطالب
المطلب الأول : في أسباب النزول. هناك قولان في سبب نزول الآيات أولها أنها نزلت في رجل وامرأة من اليهود زنيا , وحد الزاني في التوراة هو الرجم, ولكن كثر الزنا في شرفاء اليهود فكانوا إذا زنى الشريف تركوه وإذا زنى الضعيف أقاموا عليه الحد فاجتمعوا على أن يجعلوا بينهم شيئاً يقيموه على الشريف والضعيف فجعلوا التحميم والجلد , وثاني الأقوال أنها نزلت في طائفتين من اليهود وهما قريظة والنضير , وكانت النضير أشرف من قريظة , فكان إذا قتل رجل من قريظة رجل من النضير قُتل به , أما إذا قتل رجل من النضير رجل من قريظة فُودي بمئة وسقٍ من تمر.
ومن خلال عرض السببين يتضح أن , أولاً هناك تناسب بين أسباب النزول وبين الآيات لأن الآيات ورد فيها ذكر الذين هادوا وأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه . ثانياً أن الآيات بما فيها من حكم بالكفر والفسق والظلم لمن حكم بغير ما أنزل الله إنما جاءت بسبب حكم واحد فقط اتفق اليهود على الحكم فيه بغير ما أنزل الله إما في الزنا أو في القِصاص. ثالثاً أن المصالحة والرضي بين طرفين على أمر مخالف لأمر الله لا يجعله جائزاً.
المطلب الثاني : من المقصود بالآيات وهل هي عامة أم خاصة؟. خلط بعض الناس بين سبب نزول الآيات وبين مدلول حُكم الآيات فقالوا أن الآيات نزلت وتخص بالحكم أهل الكتاب , والراجح الذي عليه أغلب أهل العلم أن حُكم الآيات في أهل الكتاب وفي المسلمين أيضاً لمن فعل مثلهم , لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب , وبن تيمية له كلام في هذا السياق معناه أن نصوص الكتاب والسنة يتناولان عموم الخلق إما بالعموم اللفظي والمعنوي أو بالعموم المعنوي , وأن الله إنما قص علينا قصص من قبلنا من الأمم لتكون عبرة لنا ولنشبه حالنا بحالهم ونقيس أحكامنا بأحكامهم , ومقصود بن تيمية هو أن اللواط مثلاً حُكمه التحريم ودليل التحريم هو الآيات التي نزلت في قوم لوط فإنها وإن نزلت في قوم لوط لكنها تعُمُنا بالعموم المعنوي والله قصها لنا لنقيس حُكم من فعل منا هذا الفعل على حُكم قوم لوط وكذا جميع أفعال من سبقنا من الأمم. وكذلك آيات الحكم بغير ما أنزل الله نزلت في أهل الكتاب ولكننا داخلون في الحُكم لعموم اللفظ ومن فعل منا مثل فعلهم له مثل حُكمهم.
المطلب الثالث : متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبر. يكون الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً كفراً أكبر مخرج من الملة في ثلاث حالات وهما :
أولاً الجحود والاستحلال : وهذا ما لم يختلف عليه أحد من المسلمين ومبنى على قاعدة أصولية هي أن من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة سواء كان أصلاً من أصوله أو فرعاً من فروعه أو أنكر حرفاً قطعياً مما جاء به الرسول صلْ الله عليه وسلم أو أنكر الواجبات أو استحل المحرمات فهذا كله كفر أكبر مخرج من الملة. ونذكر هنا كلام للشيخ ابن باز عند كلامه عن نواقض الإسلام " ويدخل فى القسم الرابع – من نواقض الإسلام – من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنّها الناس أفضل من شريعة الإسلام , أو أنها مساوية لها , أو أنه يجوز التحاكم إليها – ولو اعتقد أن الحكم بالشريعة أفضل – أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين , أو أنه كان سبباً في تخلف المسلمين , أو أنه ينحصر في علاقة العبد بربه دون التدخل في شئون الحياة الأخرى , ويدخل في القسم الرابع أيضاً من يرى أن إنفاذ حُكم الله في قطع يد السارق أو رجم الزاني المحصن لا يناسب العصر الحاضر , ويدخل في ذلك أيضاً كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات أو الحدود أو غيرهما – وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة – لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرمه الله إجماعاً – وكل من استباح ما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة كالزنا والخمر والربا والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين " نقلاً عن كتاب مجموع فتاوى ابن باز .
ثانياً التشريع المخالف لشرع الله : إن إدعاء التشريع من دون الله بسن القوانين العامة والأنظمة المخالفة لشرع الله يتضمن أمرين , أحدهما رفض شريعة الله , إذ لو لم يرفضها لما استبدل بها غيرها . والثاني التعدي على حق من حقوق الله الخالصة وهو حق الحكم والتشريع حيث ادعاه لنفسه.والمتأمل لقصة سبب نزول آيات المائدة يجد أن اليهود لم يستحلوا تغيير حُكم الله في الزنا إنما عدلوا عن حُكم الرجم للزاني المحصن إلى حُكم التحميم والجلد وجعلوه نظاماً عاماً يطبق على الجميع , ومع أنهم كانوا يشعرون بالذنب والوقوع في المعصية إلا أن الله جعل ذلك مسارعة منهم في الكفر وحَكمَ عليهم بأنهم كافرون , وكل حالة تشبه حالتهم سواء وقعت من المسلمين أو غيرهم فحكمها كحكم حالة اليهود. ويلاحظ أن مناط الحُكم أن اليهود اتفقوا على ذلك واجتمعوا عليه وليس حالة فردية. واستشهد المؤلف بكلام مشايخ وعلماء كُثر من المتأخرين والمتقدمين يؤكدوا أن من فعل هذا كَفرَ كُفراً أكبر. واحترت أي كلام أضع في مراجعتي ففضلت ألا أضع شيئاً وأترك القارئ يرجع إلي كلامهم بنفسه.
ثالثاً طاعة المبدلين لشرع الله مع علمهم أنهم خالفوا شريعة الله وحكمه : هذا الموضع وقع فيه كثير من الغلوْ حتى وصل ببعض الذين أفتوا في هذه القضية أن التزموا من أجلها تكفير المجتمعات الإسلامية المحكومة بهذه القوانين , ولم يستثنوا إلا من حاربها أو أعلن مفاصلته للمجتمع كله , ولا شك أن هذا غلوْ في تطبيق النصوص على الواقع. وننقل هنا فتوى للشيخ بن العثيمين مفادها أن أتباع الأمراء والعلماء في تحليل ما حرم الله أو العكس على ثلاثة أقسام , أولها من تابعهم عالماً بمخالفتهم لشرع الله راضياً بها فهذا لا شك في كفره كفراً أكبر. ثانيها من تابعهم لهوى في نفسه وهو راضياً لحكم الله ويعلم أنه الحق فهذا لا يكفر ولكنه فاسق. ثالثها من تابعهم جاهلاً يظن أن هذا حُكم الله وهذا على فئتين , الأولى من يمكنه معرفة الحق بنفسه فهذا آثم لتفريطه وتقصيره في حق الله لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم , الثانية من كان جاهلاً لا يمكنه معرفة الحق بنفسه فيظن أن هذا هو الحق ويتبعهم بغرض التقليد فهذا لا شيء عليه ويعذر بجهله.
المطلب الرابع : متى يكون كفراً أصغر. من خلال النظر في النصوص وأقوال العلماء يتضح أنه لابد من وجود قيود لكي يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أصغر , هي أولاً أن تكون السيادة للشريعة الإسلامية وأن يكون الأصل العام في الحكم هو التحاكم إلي شرع الله , ثانياً أن يكون الحكم بغير ما أنزل الله في قضايا عينية لا في الأمور العامة , ثالثاً أن يكون القاضي أو الحاكم غير جاحد ولا منكر لحكم الله ولا مستحل الحكم بغير ما أنزل الله ولكنه حكم في هذه القضية المعينة بغيره لهوىٍ في نفسه وأن يعلم أنه بهذا مرتكب لمعصية كبيرة أشد من الكبائر , وأن لا يبدل شيئاً في حكم الله إنما يبدل في مناط الحكم , بمعنى أنه لا يفعل فعل اليهود بأن يُثبت التهمة علي المتهم ومن ثم يبدل شرع الله فهذا كفر أكبر, إنما يُسقط التهمة من عليه بأن لا يقبل شهادة أحد الشهود مثلاً وبالتالي تكون التهمة انتفت من علي المتهم. هذه هي شروط أن يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أصغر.
المطلب الخامس : ابن عباس رضي الله عنهما وقوله كفر دو�� كفر.احتج بعض مرجئة هذا العصر بقول ابن عباس كفر دون كفر وبرواية رويت عن لاحق بن حميد التابعي الثقة المشهور بأبي مجلز رواها الطبري في تفسيره احتجوا بهم على أن الحاكم بغير ما أنزل الله الذي يستبدل شرعه بقوانين من وضع الرجال لا يكفر كفراً مخرجاً من الملة إنما كفره كفر أصغر , ولا شك أنه لا يعتقد هذا القول إلا السفهاء الذين لا يعلمون عن دين الله شيئاً وابن عباس رضي الله عنهما وأبا مجلز حاشهما أن يقولا هذا القول , إنك إن أردت أن تأتي بفتوى أو رأي لأحد من السلف الصالح لتُسقطها على واقعنا الذي نعيشه الآن لابد أن تعلم أولاً الواقع الذي قيلت فيه هذه الفتوى أو هذا الرأي لئلا يكون الإسقاط في غير محله , وهذا ما فعلته المرجئة بالضبط , إن المتأمل للتاريخ الإسلامي يجد أنه في فترة ما قبل التتار لم يحدث آبداً أن سنّ حاكم -أياً كان هذا الحاكم- حكماً مخالفاً للشريعة الإسلامية وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها والفصل بها بين الناس ,وطبعاً يدخل في هذا الفترة التي عاش فيها ابن عباس وهي فترة الخلفاء الراشدين وبداية حكم بني أمية , والفترة التي عاش فيها أبو مجلز وهى فترة حكم بني أمية , وفي هذه الفترة بدأ ظهور طائفة الخوارج ومعلوم أنهم كفرّوا عثمان رضيّ الله عنه وخرجوا عليه بحجة أنه لم يحكم بما أنزل الله وأنهم كفرّوا عليّ رضيّ الله عنه بحجة أنه قبل بتحكيم عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص وبهذا يكون حكم بغير ما أنزل الله وأنهم كفرّوا حكام بني أمية لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله , وهذا هو مدار كلام بن عباس وأبي مجلز يردون به على طائفة الخوارج والإباضية الذين غالوا في تكفير حكام بني أمية, ومعلوم كما سبق أن بني أمية كانت تحكم بما أنزل الله وكانت الشريعة الإسلامية هي الأصل الذي يُحكم به ولكن بعض حكامهم كان بهم ظلم وفسق وجور , وهؤلاء الذين ينطبق عليهم شروط الكفر الأصغر التي سبقت , ولذلك كان ابن عباس يقول لهم "كفر دون كفر" ويقول أيضاً " ليس بالكفر الذي يذهبون إليه " قاصداً بذلك الخوارج , ويقول ابو مجلز" إنهم يعملون بما يعملون -يعنى الأمراء- ويعلمون أنه ذنب " , ومما يدل على أنه كان يخاطب فرقة الإباضية ما رواه الطبري في رواية عن عمران بن حدير قال : قعد إلى أبي مجلز نفر من الإباضية ....ثم ذكر الأثر. وورد أيضاً أن ابن عباس كانت له مناظرات مع الخوارج رواها أهل الحديث بأسانيد صحيحة, وورد أن عليّ رضيّ الله عنه أرسله إلى الخوارج ليناظرهم ورد على شبههم كلها حتى رجع أكثرهم وبقي منهم بقية قاتلهم عليّ رضيّ الله عنه. ويكفى هذا لإيضاح الفكرة ولكن هناك أدلة أخرى كثيرة جداً ذكرها المؤلف.
أما المرجئة فقد أخذوا هذا الكلام الذي يحكي واقع غير واقعنا إطلاقاً وأسقطوه على واقعنا بدون أي وعي منهم , وقالوا أن الحاكم المُبدل لشرع الله الذي نحى الشريعة بالكلية لا يكفر كفراً أكبر إلا إن كان مستحلاً فقط ونسوا أن مجرد استبداله للشريعة وتبديله حكم الله بقوانين وضعها اليهود والنصارى وإجبار المسلمين على التحاكم إليها يعتبر استحلالاً ورفضاً للشريعة وأن هذا العمل عمل كفري يُخرج فاعله من الإسلام دون النظر إلى استحلاله من عدمه.
لقد لخصت المبحث الثالث قدر استطاعتي ولكن لابد من قراءة الكتاب فهو مفيد جداً وأنا اختصرت كثير منه وهناك مباحث كاملة لم أتعرض لها ومن أهمها المبحث الخامس شبهات وجوابها فهو مبحث مهم جداً , والكتاب لا غنى عنه لكل مسلم يبغى الحق صادقاً في ذلك.