تُعبر إسراء النمر في ديوانها «ذلك هو البُعد» عن علاقتها بالحياة والموت وما بينهما، وتصف المشاعر التي انطبعت على روحها الشاعرة، جراء النبذ والعجز، والوحدة والفراغ، والخوف، والخفة التي يسببها الألم، ولا تجد غير الوهم وسيلة للاستمرار، حيث تقول: «أحيانًا أحتاج للوهم كي أحيا». كما تكشف عبر قصائد متنوعة عن العلاقات العائلية والعاطفية التي تركت ندوبًا في وجدانها ولم تحصد منها غير الألم.
إسراء النمر: صحفية وشاعرة من مواليد القاهرة عام 1991. تخرجت في كلية الإعلام جامعة القاهرة 2012، وبدأت مشوارها الصحفي في يناير 2011 منطلقةً من قسم التحقيقات في مجلة "آخر ساعة"، وأنجزت خلال تواجدها في المجلة عشرات التحقيقات الصحفية المهمة، إلى أن انتقلت في أكتوبر 2015 للعمل في جريدة "أخبار الأدب"، وتخصصت من حينها في الصحافة الثقافية.
عملت كذلك في عدد من الصحف والمواقع، أبرزها مجلة "الثقافة الجديدة" إذ انتُدِبَت نائبًا لرئيس التحرير في الفترة من مارس 2022 وحتى مارس 2025.
صدر لها ديوانان وهما: "العيون التي غادرت سريعًا" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2020، وديوان "ذلك هو البُعد" عن دار ديوان للنشر والتوزيع 2025. وفي الكتب غير الشعرية صدر لها كتاب "ألعاب حسين عبد العليم.. الصياد الذي لم تنجُ منه أية رائحة" عن دار صفصافة 2023، والحائز على منحة آفاق للكتابات الإبداعية والنقدية، كما قامت بإعداد وتقديم كتاب "آني إرنو.. خزائن لم تعُدْ فارغة" نوفمبر 2022 عن الأديبة الفرنسية الحائزة نوبل للآداب في العام نفسه.
تُرجمت قصائدها إلى لغات عدة، وهي الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية واليونانية.
وحازت على جائزة الصحافة المصرية (فرع الصحافة الثقافية) عن عام 2022.
عندما وقفت أمام جناح منشورات ديوان في معرض الرياض للكتاب كان على قائمتي العديد من الكتب التي أردت الاطلاع عليها، ولم يكن هذا الديوان الصغير واحداً منها، أنا حتى لم أسمع باسم الشاعرة قبلاً -للأسف-. اطلعت على القصيدة الأولى، وقبل أن أنتهي من قراءتها أخذت الكتاب ووضعته مع بقية الكتب التي أردت اقتناءها! لا زلت أتذكر كيف أخفيته سريعاً كما لو أنني عثرت على كنز أردت إبقاءه لي وحدي! من عادة كتب الشعر الحديث -حسب تجربتي المتواضعة جداً- أن تأتي قصائد الديوان الواحد متفاوتة في جمالها وعذوبتها، ورقّتها في جسّ روح القارئ، وقدرتها على نقل الحالة المسيطرة على الشاعر عبر قصيدته؛ دون غرابة مضللة أو ابتذال سمج. هذا الديوان كان مختلفاً! هذه الكتابة عبقرية بشكل لافت؛ اللغة حسيّة نابضة وواضحة، لم تكن مثقلة بكلمات زائدة عن الحاجة، الأمر الذي كان يمكن أن يجعل النص مترهلاً. كل قصيدة بدت امتدادًا للأخرى، لا تكرارًا لها، والتي في مجملها خلقت أوجهاً وزوايا رؤية عديدة للداخل، حيث الشاعرة/المادة الخام، وكأن هذا الديوان كُتب عبر نَفَس واحد طويل وممتد.
هذه كتابة معقدة لأنها بسيطة، والبساطة هنا لا تعني الخفة أو السطحية أبداً، بل اختيار واعٍ ودقيق لما يُقال وما يُترك، كي تصل الحالة كما هي: حقيقية وصافية وهشّة وقابلة للتماهي، دون حشو وإرباك.
ذلك هو البُعد، فأيُّ بُعدٍ نبحث عنه نحن؟ أذلك البعدُ السحيقُ المُحمَلون إليه كرهًا، أم ذلك البعدُ القريبُ المُجبَرون عليه غصبًا وغضبًا؟ فلا أظنّ أني أملك من أمري شيئًا طوعًا. ولذلك وجدتُ البُعد الذي أبحث عنه بين ثنايا الديوان الصغير للكاتبة إسراء النمر.
بين تلك السطور الداكنة، بين كل تلك العتمة، بين ثنايا الديوان الغامقة، ستبحث أنت عن ذاتك، ستبحث عن قلبك، ستبحث عنك حيث لا يوجد سواك، والفراغُ السرمدي، والظلامُ من كل جانب..
أُعجبتُ كثيرًا ببعض اقتباسات الديوان، وببعض القصائد المحددة، المتتالية، وزادني شرفًا حديثي حول تلك القصائد مع الكاتبة إسراء النمر. وربما زاد ذلك من إعجابي بالديوان، وحلَّ بعض الألغاز التي وجدتها أثناء تصفّحي للديوان..
"❞ أحيانًا أحتاج للوَهْمِ كي أحيا
كأن أتوهم…
أنني جميلة
فلا أفكر في الانتحار
أن السماء قريبة
فلا أتوقف عن الصلاة
أن غرفتي هي المكان الآمن الوحيد
فلا أغادرها
أن الحزن يجعل قدميّ ثابتتين على الأرض
فأتشبث به
أن الله خلقنا بقلوبٍ منكسرة
فلا أبكي. ❝
أحيانًا أحتاج للوهم كي أحيا، أحيانًا أحتاج للوهم في أكثر لحظاتي السرمدية، في لحظاتي المغمورة بالحزن. أحيانًا أبحث عن السماء، وأتوهم بالفعل أنني بداخلها، محمولٌ على غيومها، أُعاشر ملائكتها، أبحث عن أجنحتهم كي تحملني إلى الأرض مرة أخرى. وإن عدت، فسأعود إليهم باكيًا: لِمَ تركتموني في تلك الغرفة أحزن، دون أن تغادرني روحي إلى السماء؟ فلذلك وجدتُ وَهْمي بين ثنايا ذلك الديوان.
"❞ يحدث أن يفرش لك أحدهم بساطًا
دون أن تطلب منه ذلك
ويحدث أن يسحبه فجأةً من تحت قدميك
لكي تسقط
لكنك تُحلّق. ❝"
❞ كانت الوحدةُ تأتي من قبل
في هيئة عتمة
رصيف طويل وموحش
رجل أشيب
امرأة بجيوبٍ مثقلة بالحجارة
حقيبة سفر
أما اليوم
فالوحدة هي شمس السابعة صباحًا
وأنتَ تجر قدميك بصعوبة
كأنك قادمٌ من جنازة
أنتَ بالفعل قادمٌ من جنازة
ما تظنه نومك. ❝
إنها الوحدة. الوحدة تأتي في كل الصور، وأكثر ما أخشاه حين تأتي في صورة الموت. وأيُّ موت؟ موتي أنا لا أخشاه؛ ربما أخشى وحدتي في العتمة، في الظلام المدفون ليلًا. فهل أنا قادمٌ بالفعل من جنازة؟ جنازتي أنا؟ فَلِمَ كلُّ ذلك العويل؟ لم يصل إلي في حياتي ولو قليلٌ منه، فلم أرَ سوى قلوبٍ مثقلةٍ بالحجارة بالفعل.
كل رجل أحببتُهُ قال إنني جئتُ في الوقت غير المناسب… أمي أيضًا قالت إنني جئتُ رغمًا عنهم… مُعلمة الحصة الأولى كانت تُذنبني لأنني أتأخر دائمًا… الأماكن التي عملتُ فيها تخلت عني سريعًا… القطارات بالطبع كانت تفوتُني والصلوات والشمس… حتى البحر اعتذر لي؛ لأن جوفه قد امتلأ.
لا أستطيع أن أحبك؛ لأن روحك لم تؤلمني حتى الآن الحبُّ: أن تؤلمني روحك وأنا _منذ زمن_ لم أعد أشعر بالألم وهو يحك باطن قدميّ بأظافره. ،، أحيانًا أحتاج للوَهْمِ كي أحيا