من جديد مع الالتفاتات الرقيقة و الحكايات اللطيفة والروح العذبة...
"في أول الليل، في ذلك البرزخ المشحون بالوجد - بين اليقظة والنوم - تذكر مقولة لا يدري إن كان أنشأها أم أنشأها غيره ليرددها هو باقتناع : ما تحمله الذاكرة حي، أكثر مما يجري في الحياة ذاتها، لأنه مقيم وليس بعابر وراح يلوذ بحنايا الذاكرة. تذكر كثيرين من أهله وأصحابه. تذكر الحاضرين هناك والغائبين. وكانوا يهلّون عليه من عمق الظلال ، فيرتعش قلبه لحنان طلعتهم. لقد كان محباً وكان محبوبًا من كل هؤلاء. وغمره فرح صاف، فأخذ يستعيد الذاكرة، ويمعن في تلمس التفاصيل.
غفا بارتياح لم يعرفه من قبل ، وفي النهار صحا مبتهجا في غمرة النور، ما أطيب النور - قال مرتاحًا - ثم قال: إنه في الليل سيواصل التذكر. سيواصل النداء. لكن - وانتابته برهة من حيرة - هل يقف النداء عند حدود النداء؟ ألن يفضي النداء إلى طلب التلاقي؟"
"بالأمس، وحتى اللحظات الأخيرة قبيل نعاسي، مكث هذا الإحساس بافتقاد المكان، والحنين إليه، يمضني. وكنت أتساءل مستوحشا : كيف يمكن أن تظل الأماكن موجودة دون محبيها؟ وكيف تمضي الحياة في سلسلة لا تنقطع من الفراق تلو الفراق ؟"
"في صباي، عندما تأكدت ملامح مشيتي، قالوا لي إن مشيتي تشبه مشية أبي، فهو يميل بصدره قليلا إلى الأمام، كأن صدره يقود حركته كلها .
وفي شبابي، صرت أحاول - في مشيتي - أن أمنع صدري من الانكباب مزيدًا إلى الأمام، لأن ذلك كان يقارب انحناءة الشيخوخة لدى أبي.
الآن، أدرك أنني أمشي محنياً باطراد، ولا أحاول مقاومة ذلك، لأنني أوغل في عمر الحكمة، وأسلم بأنني لست إلا أبي، مثلما كان أبي هو جدي.
ما نحن إلا الشخص نفسه، الطيف الذي يتجلى ثم يشف ثم يتلاشى، ثم يعود إلى التجلي من جديد.
هذا أمر محزن إن فكرنا فيه بغرور. أما التواضع، فإنه يمنحنا نافذة واسعة بلا حدود، لنطل على جمال لا حدود له."