لما كانت هي شاهد على عصر معين ومرآة لواقع متحول، فإن (إرادة الكتابة) هي الأساس لدى كل من يستهويه هذا الفعل، ويريد تجسيده في عمل فني أو مسرحي أو أدبي أو حتى تاريخي وعرضه على جمهوره. في هذا الكتاب قراءات نقدية تطل على أهم وأعظم الكتابات التي حفل بها التاريخ القديم والحديث لكتابة جميعها تؤكد على "أن الكتابة لا تولد إلا من رغبة بمحو الذات" فكيف تعامل الكتَاب مع هذا المعنى وكيف تجسدت إرادة الكتابة في أعمالهم وخرجت بأجمل الأعمال هو ما سيفرده هذا الكتاب على صفحاته عبر ثلاثة محاور جاءت تحت العناوين الآتية: 1- الهاجس الأكبر: الصورة، 2- في جحيم الثنائيات، 3- حتمية الإختراع، ما يميز هذه المحاور أن كل منها يقدم مادة نقدية معرفية مستقلة عن الأخرى، وتتعلق بمسألة من مسائل الكتابة، تلك التي تعكس هواجس الكتابة وروادها وأسئلتها عبر التاريخ بالموائمة مع أفضل ما قدم من مواد فنية ومسرحية وأدبية لأكثر من كاتب من الغرب والشرق.
العنوان ظلم الكتاب.. لو مررت بالمكتبة وشاهدته أمامي ربما ساتجاوزه. الكتاب بحث في الذات وفي الحياة وفي الآخر بطريقة فلسفية عميقة.. هو محاولة للإجابة عن السؤال : لماذا نكتب وما حاجتنا للكتابة عن طريق الغوص في مجاهيل النفس ومناقشة أكثر الأفكار التي ربما نخجل منها أو حتى نجهل وجودها الكتاب محاولة للبحث عن إجابات، لكنك تنهيه وانت بلا اجابات محددة بل بمقدار هائل من التأمل والأسئلة.. المزيد من الأسئلة. من أمتع الكتب التي قرأتها من فترة طويلة
" قرأت كتاباً في يوم من الأيام؛ فتغيرت حياتي" عندما انتهيت من قراءة الكتاب تذكرت هذه العبارة التي ابتدأ بها اورهان باموق إحدى رواياته. هذا الكتاب كان يخلقني من جديد وهو يفتح أبوابا لا متناهية من التأملات في ذواتنا ورغباتنا وخيالاتنا، هواجسنا ومحاولاتنا بين الوهم والواقع، صراعاتنا بين الحقيقة والخيال. الكاتبة مدهشة جدا وهي تتوغل في الحديث عن الكتابة بكل تجلياتها ودوافعها، عن الثنائيات وجحيمها، عن الصورة والمثال، والتكوين البشري مقابل أحلام لا حدود لها. كان مذهلا بالنسبة لي كيف جمعت الكاتبة التحليل الفلسفي والروايات الأدبية والقصائد ونزعات النفس في مرايا واحدة تعكسنا، بلغة شعرية قريبة من القلب. ربما توقعت أحيانا سأجد بضع إجابات ولكني لم أجد إلا مزيدا من الأسئلة.
تخاطب بلقيس الكركي في هذا الكتاب ذاتها الكاتبة، كما لو كانت جزءاً منفصلاً عنها، ولكنها في الوقت ذاته تتحدث من صميم هذه الذات التي تقكر وتحلم، وتودّ لو أنها تترك الواقع جانباً وتعيش في ذلك الهامش الرّحب، هامش الكتابة. ثمة نبش في الداخل، عن دوافع الكتابة ومبرراتها، ومن ثم التشكيك في كل الدوافع والمبررات لأن الرغبة تسبق الفكرة وتبررها، ولأن "الإنسان مهما تقدم في معرفة نفسه فإن أكثر التصورات نقصاً لديه هي صورته عن تكامل الدوافع التي تشكّل وجوده". سعيدة للتعرف على كاتبة عربية تكتب بهذا المستوى من الإدراك والحساسية.
فلسفة الكتابة وصورتها بين الكاتب والمتلقي بشكل أكاديمي لا يخلو من دهاليز ربما تُشتت الفكرة وتجعلها تبدو غير متّسقة مع الفكرة العامة للكتاب. لدرجة وصلت لمرحلة أتساءل مالذي تريد بلقيس إيصاله. أرهقت الكتاب قليلًا بكثرة الإقتباسات والعجن الأدبي بدءًا من أفلاطون وأرسطو نهاية بفيرجينيا وولف وسارتر عدا عن ذلك كتاب مهم في الكتابة والرغبة بها، أرى نفسي مستقبلًا أعود لأنظر لبعض المقاطع أو ربما إعادة قراءته.
هناك متعة ما بقراءة نصوص لأشخاص التقيتهم في الواقع، أنا سعيدة لأني قابلت بلقيس الجميلة قبل مدة. هذا لا ينفي أن قراءة الكتاب كانت مزعجة أيضا، بدءا من موضوعه، الذي ضمّنت الكاتبة نقدا ذاتيا له بين الأوراق بقولها (أو اقتباسها) : " الكتابة عن الكتابة إفلاس". كان هذا شعوري الأول حين قرأت العنوان؛ فأنا بالعادة غير مهتمة بأي نص عن الكتابة أو كيف نكتب أو لماذا نكتب. الكتابة عن الكتابة تبدو لي حقا افلاس.
بداية الكتاب كانت ممتعة حدّ الطيران، لكنّ الطيران تحوّل تدريجيا إلى زحف، ومع ذلك ظل الكتاب مصدر بهجة كلما عدت إليه؛ لذلك ربما أنهيته، ولو أنه أخذ وقتا طويلا جدا. أكثر شيء أزعجني فيه موضوع الاقتباسات؛ فعادة حين يقتبس الكتّاب الذين أحب نصوصهم شيئا؛ أشعر بحضورهم داخل هذه الاقتباسات وأفهم فكرتهم أكثر من خلالها، لكن مع بلقيس كنت أشعر بوضوح بحضور كاتب كل اقتباس اكثر من حضورها هي. وتبعا لحجم الاقتباسات من الكتاب والذي يكاد يكون نصفه فقد شعرت للحظة وأنا أقرأ؛ أن هذا الكتاب وجد ليجمع نصوص كتّاب الاقتباسات بترتيب معين، وليس كتابا لبلقيس نفسها. ربما ما جلب هذه النتيجة هو محاولة الكاتبة الواضحة عدم التسرّع في الانحياز، لكن هذا خلّف أثناء القراءة شعورا بالبرود والتجمّد أزعجني في معظم سطور الكتاب التي اختفى فيها الحضور المؤنس للكاتب وحل محلها جمل موضوعية دقيقة جافة. تذكّرني بمقولة أحبّها لحسين البرغوثي: "وأفكر، أفكر، أفكر، أفكر، أفكر دائما في أفق ما، قصيدة ما، فلسفة ما، لا قلبي يشعر بما أفكر به، ولا عقلي يتوقف عن الهيمنة على روحي، كل فكرة قطعة حطب يابسة.. " قطعة حطب يابسة، جافة، خالية من الحياة. حتى السطور التي تتكلم عن حميمية حارقة كان البرود حاضرا فيها بشكل لا يصدق. وحين كنت أستطيع بصعوبة أن أميز الكاتبة؛ كنت أراها تقف في الزاوية بخوف وتستمع لأصوات الكتّاب الآخرين بإجلال وتحاول عبثا أن تقرر أين هي بينهم.
أكثر ما أعجبني بالكتاب أنه كان مستفزا ومناقضا لي في أكثر سطوره، أحيانا نستطيع أن نميّز أنفسنا من خلال ما يناقضنا، تقول غادة بلسان إحدى بطلاتها: " قد لا أعرف ما هي حريتي تماما؛ لكنني أعرف جيدا حين يحاول أحد أن يسرقها منّي" .. كذلك قد لا أعرف ابدا من هي أنا .. لكني أعرف جيدا ما هو ليس أنا .. وهذا الـ "ليس أنا" يساعدني كي أرسم تعريفا أقل ضبابية وأكثر وضوحا لي، ولا أستطيع أن أقول كم من البهيج والمفيد أن تعرف نفسك أكثر. أنا حقا ممتنة لبلقيس على هذا الكتاب، شعرت وأنا أقرؤه بأنني أحبها فعلا، وبأنها لمست بقلبي زاوية لم يلمسها أحد آخر، وسيعلق جزء منها بي بالتأكيد.
أنهي المراجعة كما أحب باقتباس من الكتاب: " ما معنى أنّه فهمها؟ أي أنّه يراها بدقّة بعد أن نجحت في أن تحاكي كل ما تبدو عليه وتقول وتفعل، ما تريد أن يظهر من نفسها أمامه (حقيقتها) "
حينما بدأت بقراءة الكتاب قبل ثلاث سنوات قلت في نفسي بأن هذا الكتاب " كثيف " ، وكنت غير قادرة على أن أقرأ في الجلسة الواحدة أكثر من عشرين صفحة ، بعدها يبدأ ثقل الأفكار يتسلل إلي ويرهقني فأتوقف عن القراءة . قلت لمّا يأتِ أوانه بعد وتركته , قبل ثلاثة أشهر رأيت إصدارها الثاني مجاز آخر فاشتريته وبدأت في القراءة ، كنت حزينة ومرتبكة أبحث في الكلمات عن فكرة ما تُسليني وتشغلني ، حينما قرأت مجازها شعرت بأنني بدأت أستوعب أسلوب بلقيس وأفهمه ، وبطبيعة الحال كنت قد قرأت آنا كارنينا ، وقرأت فلوبير ، وأصبحت أعي أشياءً بسيطة ومتفرقة عن بن سينا وابن رشد ، لحظتها أدركت أن ساعة هذا الكتاب قد حانت : وشرعت بالقراءة . أحب أنني حينما أقرأ لبلقيس أحس كأني أمشي على طريق معبد بالدهشة ، اكون في فلوبير وأجد نفسي عند نزار ومحمود درويش ، ثم عند ابن سينا ، ثم المتنبي ، قرائتي لبلقيس تجعلني أعيد النظر في قصة يوسف وزليخا ، بلقيس وسليمان ، تجعلني أعيد النظر في كتب وروايات لم أستسغ قرائتها للوهلة الأولى ، أن اعطيها فرصة ، وجدتني أثناء قراءة الكتاب قد طلبت لذة النص لرولان بارت ، ودونت على نوتة أمامي رواية التربية العاطفية لفلوبير ، الحب في زمن الكوليرا ، دونت اسم البرتو مورافيا وهكذا . تتحدث بلقيس عن فعل الكتابة ، تفلسفه ، تعجنه بالاقتباسات والأدب والواقع والخيال ، قراءة هذا الكتاب شبيهة بالسقوط " سقوط أليس في المتاهة " ، متاهة تقودك لقراءات وأسماء وأفكار كثيرة ، وبعد أن انتهيت من الكتاب وضعته مع مفضلاتي في المكتبة ، واعرف جيداً أنني سأعود له مرّات كثيرة ، لفرط ما لمسني ، ووجدتني بين الحديث والصفحات . كتاب مُدهش ، يقرأ بنفس طويلٍ جداً ، حبّة حبّة , وأحس أن قرائتي لهذا الكتاب كانت فعل لذة واستمتاع ، على مهل وأناة ، مثل قطعة جوكلت نتركها تذوب رويداً بالفم .
الكتاب من أول كلمة لآخر صفحة مجاز واستعارات ومع ذلك كان شديد الدقة لتوصيف فلسفي سيكولوجي لرغبة الكتّاب من الكتابة، الصورة الذاتية المتخيلة، تعرية آليات دفاعية تعرية شديدة البراعة. الكاتبة ذكية كتاب ليس لكل وقت ولكل مزاج، كتاب يُقرأ عند الحاجة الضرورية لكشف ستار النفس وقدرة تحمّل معها
أختصر هذا الكتاب بما كتبته بلقيس عن هذا الزخم الجميل: زخم التداخل بيت الفكرة، والمجاز، والعاطفة، والحدث الغريب. - كتاب مثل هذا يبقى أبدًا ولا يرحل عن الذاكرة والمكتبة الحيّة.
أنا في حضرة كتاب بلقيس الكركي "إرادة الكتابة". سؤال إن كان الكتاب سيرة ذاتية أم لا على ما يظهر لي، ليس بشأن ذي بال. لإنه كتاب يكتسب وجوده الفني من ثرائه التناصي المعرفي بسلاسة ودون إقحام، ومن ذكاء معالجة الكاتبة لعلم نفس الكتابة وفلسفة الكتابة. بلقيس الكركي كانت في تحدٍ مع الوقت لصنع ما تسميه "صورتها الخاصة" أي صورة المؤلف التي تخلع عليها ما لا تنكر من رغبة الخلود. وهي ثيمة تناولتها في كتابها بالنقاش. شخصياً؛ لقد ظلت كلماتها ترن في عقلي وتحركني باتجاه اكتشاف نفسي والحياة. أو ربما المزيد من ثكلهما
أخافني الكتاب ﻷنه تحدث بما يدور في عقلي وروحي بشكل مفرط الدقة لدرجة أنني ظننت أن بلقيس قد مدت يدها إلى داخلي لتكتب ما كتبت، فبحثت عنها في ذاكرتي وحروفي...من كتب من؟! وأفهم لماذا سلطات وزارة الثقافة في الأردن بلد اللاثقافة قد منعت الكتاب...
لو كنت سأكتب كتابا في يوم من الأيام، سيكون أحد ثلاثة: "إرادة الكتابة" لبلقيس الكركي أو "الضوء الأزرق" أو " الفراغ الذي رأى التفاصيل" والكتابين الأخيرين لحسين البرغوثي
عمل ابداعى عظيم جداََ .. ازاى كدا !! معترف ان الكتابات اوجاع متنقله .. بس ان كاتب يقدر يجمع الاوجاع فى اراده كتابيه واحده فدا شئ مدهش جداََ .. رحله من التواريخ الموجعه والاختلاطات النفسيه كلمات كينونيه عميقه التأثير .. موجعه وصفاََ وصوره رغم بعد المعانى بين اسم الكتاب ومحتواه .. الا ان المعنى الكامن بعد الكتابه اوضح شكراََ ا.بلقيس لانك اضفتى للاوجاع وجع .. واضفتى للكلمات موسوعه .. واضفتى للكتابه كتاب