ماهية الشِّعر؛ سؤال مستمر وفكرة أساسية ينشغل بها ديوان «فوات الأوان» للشاعر محمد أبو زيد، انطلاقًا من الشكل والمضمون، مرورًا بعلاقة الشِّعر بالعالم الذي يوشك أن ينهار، وانتهاءً بالشاعر نفسه في مواجهة قصيدته، حيث يتبادلان سؤال: «ماذا بعد؟». ربما لا يفكر محمد أبو زيد في إصلاح "الكون الشِّعري"، إنما يفكر في "عالمه" الخاص، فيُحوِّل القصيدة لسؤال فني ملغوم يتشكل في قصيدته، بمحاذاة تجربته الإنسانية وأسئلته الشخصية، التي مرَّت بمراحل حتى تجاوزَت مرحلة التحديق في العالم باعتباره "مأساة"، وصولًا لحالة من الطفو الخفيف، انعكست على اللغة التي يوظفها والرؤية التي يطرحها، في حين يبقى سؤاله الأهم مستمرًّا: ما هو الشعر؟
#فوات_الأوان #محمد_أبوزيد في غمس كامل للقصيدة بعالم صغير يحيا في الكاتب وبذكاء شديد في التقاط التفاصيل الصغيرة المبهرة وبتيه عظيم لابن آدم في عالم ساحق مجنون سيأخذك الكاتب في جولة مجنونة داخل رأسه لا تنتظم بقافية ولا يسيرها وزن ولا يحدها منطق سيقول لك" أنت لا تقرأ الآن، أنت تطأ صمتي، صمتي الذي يفور على الورقة أمامي وقد تدمي فقاعاته المتطايرة عينيك" وستصدقه وستطأ... في جولتك ستجد قصائد مثل حمل تتضخم ثم تنفجر حروفاً، سيحدثك عن مياه جوفية أصلها شاعر تحول لدودة ودفن بعد أن روى العالم بدمعه وعن شطرات قصائد كالسيوف ونصوص كالرماح، عن شعر مفقود وقصيدة تُطفأ وإنسان يتحول مشجب أو مال عام، عن حياة تعمل طاهية في مطعم وفان جوخ يتبخر ودجاج ينام في ثلاجتك، عن موناليزا تتقاعد وثدي يتفجر، سيحدثك وستصدقه بل وستغرق في تصديقه حد أن تأكلك قصائده في جلسة واحدة. وسنتهيك دمعة تسألك "ماذا أفعل إذا بزغ الموت فجأة في قلبي، وقال لي أنا القصيدة وأنا لا قلم معي ولا دموع في عيني فقط رمال متحركة تخلخل ثباتي رمال ثابتة أتحرك فيها كي أغوص أكثر وأنا بلا يدين، أمدهما إليك كي تنقذني" ينثرك الشعر شظايا على الورق ويقول قارئك هذا أنا! لهذا ربما ستموت القصيدة قبل أن ينتهي العالم تمهيدا للنهاية
شاعر حقيقي يتمرد بعنف وجنون. .....................
النيل جميل إلى درجة لا أحتملها، والصمت مقياس حياتي،
. .
لم أعرف العالم بعد. مضى أكثر من نصف العمر وما زلت أتعثر في عتبة البيت، أستيقظ كل يوم على مجانين يمرون أمام السرير، على صاعقة تضرب رأسي لتضيء الطريق لأعدائي،
. .
وددت أن أتسلق الأشجار وأتبادل النميمة مع القرود، بينما تنام قطتي على كتفي.
. .
تقول لي الريح: رائع أنت يا محمد! فأحولها عاصفةً بطرقعة إصبعيَّ.
. .
أصارع النسيان، فيصرعني،
. .
وردة سقطت تحت قدمي فدهستها كنت أقصد أن أدهسها كنت أريد أن أنسى فاستدعيت الموت كلبًا ذليلًا يرعى خلفي لا أكف عن النباح عليه طوال الليل.
لا شيء حقيقي سوى هذه الفكرة التي تلتهمني. / الذين هربوا إلى الجهة الأخرى، لم يصلوا إلى شيء، ظلوا لسنوات يهرلون بلا جدوى، كعجوز يسير على جهاز المشي بالعكس، كقرد يقفز فوق كرة تدور أسفله بسرعة.
ديوان جميل وفيه تجريب بديع ومختلف، حتى الهوامش ممتعة، اللغة عصرية ومفردات طازجة، وحسيت أنه ديوان مش مكتوب للانبهار به، لكن مكتوب بحرية كبيرة وتجريب وكأنه تمرد الشاعر على الشعر ، تمرد وسّع مدى القصيدة بشكل ملهم .
محمد رجل كل ما هو غير متوقع، تأخذك القصيدة يمين وشمال وتحب أنها تأخذك بين "جسدي طريق للمشاة، أنا خيال المآتة"، وأن تعلق القصيدة في "رمال متحركة تخلخل الثبات." وحده محمد ثابت، شاعر أصيل. " لا شيء حقيقي سوى هذه الفكرة"، أن دواوين أبو زيد تلتهمنا.