في روايتنا هذه تتداخل التواريخ ما بين حديث وقديم، فنجد البطل أب يقف إلى جوار أرجوحة"دواليب" يلعب فيها ابنه.. ثم نعود بالتاريخ إلى سومر وتنصيب ليلوم ملكًا عليها، وكاجينا بن آيمر وزيرًا، وشوكليتو حاجبًا..
ويبدو أن الأيام دوائر فما كان في قصر الملك العظيم ليلوم من حاشية وبطانة سوء -قد تودي به إلى نهايته- ، وكذلك معارضة نجده موجود في كل الأزمة وهنا نرى اسقاطات الكاتب التي وضعها بمهارة..
للكاتب أسلوب مغاير في هذه الروايات عن رواية قرأتها من قبل، فهو هنا يكتب بأسلوب فلسفي في المدينة أربعة من الفتيان، يجتمعون ليناقشوا أمر الدنيا والحال وفلسفة ما حولهم من أشياء.. لمعرفة من وضع نواميس الأشياء..
الدولاب يدور بالأطفال لا يتوقف وكأن الكاتب يبلغنا أن الدولاب هو عجلة الحياة .. أو عجلة البحث عن الأشياء كما في حال الفتيان الأربعة الذين بدأوا في الصراخ : "يا أنت .. يا أنت يا من إياه لا نعرف.. يا واضع نواميس الأشياء.. من أنت؟ من أنت؟ من .. أنت؟؟!
الدولاب يدور وتتداخل الأزمنة في رأس بطلنا والد الطفل فنراه يتخطى الزمن لإبرام لنعرف قليلًا عنه وعن الألواح التي سيكون حارسًا لها ..ثم يعود ثانية للملك ليلوم وهكذا نتأرجح في الدواليب بالأزمنة .. حتى تكشف لنا الرواية عن خبايا وديعة إبرام..
ومثلما التوحيد والخير في قلوب البشر ساكن، فبعض البشر -كما سرد لنا الكاتب- يسكنه إبليس الذي يقنعه بأن يشرك بالله آلهًا أخرى وأن يكون الشر أداته للسيادة..
تطرق الكاتب لقصص الأنبياء والصالحين بأسلوب مختلف عما عهدنا ولكننا نعي تمامًا أنه مثلًا يتحدث عن نبي الله نوح، عن آدم أول الخلق وعن حواءه.. عن أهل الكهف وإبراهيم أبو الأنبياء وزوجتاه ونسله ..
اعتبر وديعة ابرام اعلى سنام ما كتبه الروائي، الرواية عبقرية في موازنتها الافكار الفلسفية مع الاحداث المحبوكة ببراعة واجادة السرد. تحاكي الرواية تأسيس المجتمع البشري الاول وانطلاقة بحث الإنسان عن المطلق وبناءه لبنة لبنة. وتظهر كيف تنمو الافكار مثل كائن حي يتفاعل مع محيطه حاويا كثيرا مطامح البشر او محتوى بها. سيواجه القاريء في البدايات صعوبة في هضم اللغة، كون الشبيب يحاكي بواكير التعبير اللغوي لكن هذه اللغة الصعبة بالذات تساهم في دمج القاريء بعالم الرواية.
الرواية الثانية عشر لطه حامد الشبيب, رواية لما ضُيّع دهراً.
"الدولاب يلف بالأولاد وهم متشبثون بمقاعدهم يتضاحكون ؛ تنحدر بهم الدنيا تارةً حتى ليكادون يمسّون الأرضَ بسيقانهم المتدلية وتارة تصعد بهم شاهقةً فلكأنها تقذف بهم إلى حضن السماء. " ص5