“جولات سيرة القاهرة الحية؛ التجوال بين الحجر واستنطاق حكاياته، والسفر في روح البيت، عبر الشعور بالمدينة كبيت كبير تفرعت منه بيوت أصغر، مؤقتة ودائمة، فارهة وضيقة، وتبيان تجارب السكنى المتنوعة في القاهرة، بداية من الحوش الضيق وصولا لقصور الأمراء، ومرورًا بالوكالات والفنادق والرباع، واستحضار هوية القاهرة التي غابت رويدًا رويدًا ما أن تغير شكل السكن في هذه المدينة العامرة”.
أحببت هذا الكتاب كثيرا وأخذني إلى عالمه البديع، بيوت القاهرة في العصور المختلفة الفاطمية والمملوكية وغيرها، حكايات البيوت الشهيرة وكيف بدأت، مثل بيت الست وسيلة، بيت السناري، بيت الشاعر وغيرها من البيوت .. وصف بديع للمشربيات، والحرملك، والحمامات وقاعات الاستقبال..شرح للتصميم الداخلي للبيوت..البيوت التي بنيت بالأساس لتكون سكن ..كل تفصيلة فيها بنيت على مهل لتوصل معني السكن والراحة .. أسلوب الكاتبة جميل ..شغفها واضح وستشعر له منذ أول لحظة ..ستشعر بالدفء منذ أول صفحة
* أنا حابب أبدأ الكلام من عند لحظة القرار اللي بدأت فيها قراءة هذا الكتاب، و أعتقد إن الغالبية العظمى من هذا القرار راجعة للصدفة، و الباقي هنوضحه بعدين. ببساطة أنا كنت ناوي أقرأ عمل تاني خالص و الأهم إنه كان في صورة ورقية، و الصراحة كنت بقدم رجل و أؤخر رجل في بداية العمل، ليس لسبب محدد و قد تكون بداية بلوك قراءة، و تشاء الظروف إن في يوم بداية قراءة العمل الجديد يتعذر عليا إن الكتاب الورقي يبقى معايا، فبالتالي الصدفة وحدها تدفعني لقراءة كتاب الكتروني من على تطبيق أبجد.
* باقي أسباب اختياري للكتاب مش واضحة كفاية بالنسبة لي، بس أعتقد إني بقالي فترة عاوز أقرأ كتاب غير روائي في أحد العلوم – و بالمناسبة التاريخ و العمارة يصنفوا على إنهم علوم حتى لو العمارة بتصنف في العالم كفن – علشان كده أعتقد إني اشتديت للكتاب بحكم طبيعة دراستي للعمارة و حبي لبيوت القاهرة اللي زرتها أثناء فترة الدراسة.
* في أوساط المهتمين بالعمارة و التاريخ، كلمة بيوت القاهرة اإسلامية بيبقى في الأغلب مقصود بيها شكل أو نمط معين، زي بيت السيحيمي أو بيت زينب خاتون، ولكن الكتاب أخد مفهوم البيوت بشكل أعم و كأنه بيقصد بيها أماكن السكن، فبدأ من أول القصور بتاعة الخلافاء و السلاطين لغاية ما وصل للأحواش و في النص عدا على الربع و الخان و الوكالة. من الآخر أي حاجة الناس كانت بتعيش فيها الكتاب تقريباً جاب سيرتها. و ده في حد ذاته شيء جميل جيد جداً، لأنه بيقدم للقارئ مفهوم كامل عن السكن في القاهرة مش بس علي نطاق الحقب التاريخية ولكن كمان المستويات الإجتماعية و المادية لسكان هذه المدينة.
* الكتاب كمان، وزي ما قالت الكتابة عنه في المقدمة و زي ما عنوان الكتاب نفسه بيقول، بيقدم حكايات عن بيوت القاهرة، فالكتاب بيقدم مزج ما بين التاريخ والعمارة و كمان الحكايات الشعبية المتداولة عن البيوت اللي بيتم تناولها من خلال الكتاب. و الحقيقة إن المزيج ده جميل جداً، لأنه بيخلي القارئ أياً كان اهتمامه يقدر يطلع ولو بحاجة تعجبه من الكتاب، و في نفس الوقت وجود تنوع في المعلومات بيخلي القارئ يتعرف على زوايا مختلفة للنظر للبيوت دي، واللي من خلالها ممكن يتعرف علي مناظير مختلفة تدفعه إنه يدور علي قراءات مختلفة تُشبع الشغف الجديد اللي اتولد عنده.
* بالنسبة لي الكتاب كان في أغلبه سهل، يمكن أصعب حاجة بالنسبة لي هي فكرة الوصف الجغرافي اللي بيستخدم الاتجاهات في وصف التمدد العمراني اللي حصل للقاهرة أو اللي بيتم استخدامه في وصف أماكن جوة البيوت، زي مثلاً الحائط الشمالي أو القاعة الجنوبية، و ده بيكون بيلخبط شوية لو مش قدامك مخطط أو خريطة تقدر تلاحظ عليها الكلام ده. و لكن بالنسبة لي اللي دائماً بتساءل عليه هو مدى استيعاب القارئ العادي – الغير متخصص – للمصطلاحات المعمارية اللي بتستخدم في وصف البيوت و الاثار بتاعت القاهرة القديمة، زي المقعد و التختبوش و الدُرقاعة. المصطلحات دي كانت صعبة عليا أنا شخصياً في بداية دراستي للعمارة في الكلية فما بالك بشخص غير متخصص، إزاي هيقدر يفهم و يتخيل هذه المصطلحات. و الحقيقة إن الكتاب لم يُقدم شرح لأغلب هذه المصطلحات. فنقدر نقول إن الجزء ده بالذات كان محتاج يُقدم بشكل اكثر تبسيطاً للقارئ الغير متخصص، او نقول إن الكتاب من الزاوية المعمارية محتاج قارئ يكون عنده شوية معرفة ولو بسيطة بالمصطلحات دي علشان يقدر يستمتع و يستفيد بالكتاب.
هناك كتب تجعلك تقرأها بعينيك فقط، وهناك كتب تجعلك تراها وتشعر بها وكأنك تعيش داخلها. بيوت القاهرة ينتمي للفئة الثانية، إذ تأخذنا ياسمين هُنا في رحلة استثنائية بين بيوت المدينة، حيث تتحول الجدران إلى شهود على التاريخ، وتصبح الحجارة صفحات تحكي قصصاً لا تنتهي، الكتاب ليس مجرد استعراض معماري، بل سرد حميمي لعلاقة القاهرة ببيوتها، وكيف تشكلت هويتها عبر العصور، بدايةً من الحوش الضيق وصولاً لقصور الأمراء.. عبر ستة فصول سردية، تنقلنا ياسمين عبر الأزمنة، ونشهد من خلال السرد والوصف أشكال البيوت وتطورها، قاهرة المعز، القصر الفاطمي، حارة براجون، الأحواش، التكايا، بيوت المماليك، قصر بشتاك، بيت الرزاز وغيرها الكثير!
أكثر ما أحببته واستمتعت به هو قدرة ياسمين على منح كل بيت صوتاً خاصاً به. لم أشعر لوهلة أنني أقرأ وصفاً جامداً، بل كنت أسمع همسات الجدران، وأتخيل الحياة التي دارت بين أروقتها. حتى ولو أنني لا أعرف ياسمين وحسها المرهف، فاللوهلة الأولى سأشعر أنها لا تتعامل مع العمارة كعنصر مادي فقط، بل ككيان يحمل في داخله ذاكرة الناس الذين سكنوه، وحكاياتهم التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من نسيج المدينة وهويتها.
وبينما كنت أقرأ الكتاب ووصولاً لنهايته، شعرت برغبة ملحّة في زيارة القاهرة حالًا، أن أمشي في شوارعها القديمة، أن أتنقل بين البيوت التي تحدثت عنها ياسمين، أن أرى بأم عيني التفاصيل التي وصفتها بحبّ ودقة. صدقاً كنت أتصور نفسي برفقتها، نستكشف سوياً الأماكن التي خطّت عنها كلماتها، ونتبادل الحديث عن كل التفاصيل الصغيرة التي تجعل كل بيت كياناً نابضاً بالحياة. شعرت أنني لا أريد أن أقرأ عن القاهرة فقط، بل أن أعيشها، أن أتنفس عبق تاريخها، وأرى هويتها تتجلى أمامي في حجارتها العتيقة.
هذا الكتاب ليس مجرد رحلة في العمارة وحكايا الحجر، بل دعوة مفتوحة لاكتشاف القاهرة من جديد، والتواصل مع روحها الحقيقيّة. انتهيت منه وأنا ممتنة لهذه التجربة، ممتنة وشاكرة لياسمين التي جعلتني أراها كما لم أفعل من قبل، وأتمنى أن أخوض هذه الرحلة معها على أرض الواقع يوماً ما.