منذ عام 2011، ومع اندلاع الاحتجاجات في الدول العربية، أثير جدل بين المثقفين حول جذور هذه الحركات في التاريخ المحلي لكل بلد، ومنها دولة الكويت. وهذا، بدوره، دفع عبد الرحمن الإبراهيم – أستاذ التاريخ في معهد الدوحة للدراسات العليا – إلى البحث في تاريخ تطوّر الدساتير الأربعة في الكويت ونشأتها من عام 1921 حتى عام 1962، فانطلق من عدة تساؤلات كان أهمها: هل تاريخ الكويت مهمّاً؟ ولماذا ترتبط معظم الأبحاث بفئتين فقط هما الشيوخ -متمثلة بالأسرة الحاكمة- والتجار؟ ولماذا أُهملت باقي فئات المجتمع وأُهمل دور القوى الاجتماعية المهمة في المشهد السياسي الكويتي؟
إن القوى المرجّحة هي رؤية جديدة تعبّر عن فئات اجتماعية مهمّشة لا هامشيّة، فهي موجودة وتُشكّل غالبية السكان – من علماء دين وغواصون وقوى عاملة وبدو وقرويون وشيعة (عرب وعجم) ومثقفون. وقد مرّت هذه القوى بثلاث مراحل: الأولى هي مرحلة الضعف في عهد مبارك الصباح (1896-1915)، حيث كانوا من أتباع الشيوخ والتجار من دون القدرة على تغيير المشهد السياسي. والثانية هي مرحلة النمو في عهد أحمد الجابر (1921-1950)، إذ تطور الاقتصاد، وتم اكتشاف النفط وظهرت مؤسسات حديثة مثل المكتبة الأهلية والنادي الأدبي، وظهرت المجالس التشريعية والبلدية والتعليم والمعارف والأوقاف الإسلامية… فبرزت القوى المرجّحة كقوة تستخدمها الأطراف المتنافسة على النفوذ. أما الثالثة فهي مرحلة التمكين في أوائل الخمسينيات، وفيها أصبحوا جزءاً من العملية السياسية، وفازوا بغالبية مقاعد المجلس التأسيسي.
إن الهدف من هذه الدراسة هو الإجابة عن كيفية تطور العلاقة بين الأسرة الحاكمة والتجار والقوى المرجّحة، من عقد اجتماعي غير مكتوب يعتمد في جوهره مبادئ الشورى في عام 1921، إلى دستور حديث مكتوب قائم على الأنظمة الديمقراطية في عام 1962.
كتاب اقل ما يُقال عنه انه رائع. تناول موازين القوى السياسية في الكويت من جوانب عديدة وبجرأة كبيرة لم نعهدها من كاتب كويتي من قبل. انصح بقراءته للمتخصص او من يملك خلفية واسعة في تاريخ الكويت السياسي والاجتماعي.
اكثر ما اعجبني في الكتاب هو تحليل الكاتب للأحداث السياسية في الكويت من الجانب الإجتماعي، حيث انني لم اجد السردية "المملة" في كتابه كما وجدتها في اغلب الكتب التي تناولت تاريخ الكويت السياسي بالبحث والدراسة.
يقدّم هذا الكتاب قراءة مختلفة للتاريخ السياسي الكويتي، إذ يخرج من الإطار التقليدي الذي يحصر الفضل في نشأة الدولة وتطورها ضمن ثنائية الشيوخ والتجار، ليُظهر أن مسار بناء الكويت الحديثة كان نتاج تفاعل اجتماعي أوسع وأكثر تعقيدًا. لا ينفي المؤلف الأدوار القيادية والتجارية المؤثرة، لكنه يعيد توزيع الضوء على فئات ظلّت في الهامش السردي رغم حضورها الفعلي في صناعة التحولات.
يتتبّع العمل تشكّل الحياة السياسية والاجتماعية قبل الاستقلال، موضحًا كيف ساهمت فئات متعددة من البحّارة والغواصين والحرفيين والعمال، إلى المتعلمين الأوائل، وروّاد الصحافة، والنخب الثقافية والإصلاحية في خلق بيئة مدنية مهيّأة لقيام الدولة. فالتعليم النظامي، والصحافة، والمنتديات الثقافية، والمبادرات الأهلية لم تكن تفاصيل ثانوية، بل أدوات وعيٍ عام أسهمت في بلورة مفهوم المشاركة والمسؤولية العامة.
ويبرز الكتاب بشكل خاص دور هذه القوى في الدفع نحو تنظيم الحياة السياسية، والمطالبة بتمثيل أوسع، ووضع أطر قانونية واضحة تنظّم العلاقة بين الحاكم والمجتمع. فالتجارب المبكرة للمجالس، والحراك الإصلاحي، والنقاشات العامة حول الإدارة والعدالة، كانت جميعها مقدمات فكرية وسياسية مهّدت لاحقًا لترسيخ المفهوم الدستوري. بذلك، يضع المؤلف الحقوق السياسية من المشاركة والتمثيل والمساءلة في سياقها الاجتماعي الطبيعي، لا بوصفها منحة منفصلة عن مسار المجتمع.
أما في الجانب الدستوري، فيُظهر الكتاب أن دستور الكويت لم يكن قفزة مفاجئة في الفراغ، بل تتويجًا لمسار طويل من التراكم الفكري والاجتماعي. فوعي الناس بحقوقهم، وتنامي النقاش حول العدالة والتنظيم والمؤسسية، أسهم في خلق مناخ يطالب بدولة قانون ومؤسسات. هذه المطالب لم تصدر عن النخب وحدها، بل كانت انعكاسًا لتحولات اجتماعية عميقة شاركت فيها فئات متعددة عبر التعليم والعمل والصحافة والعمل الأهلي.
وتتجلى أهمية هذا الطرح في كونه يعيد تعريف مفهوم “القوة المرجّحة”؛ فالقوة هنا ليست فقط في القرار السياسي أو النفوذ الاقتصادي، بل في القدرة على تشكيل الوعي العام، والتأثير في اتجاه المجتمع نحو المدنية والتنظيم والحقوق. ومن خلال هذا المنظور، يصبح بناء الدولة الكويتية عملية جماعية، اشتركت فيها القيادة والمجتمع على حد سواء، في مسار تفاعلي لا أحادي.
في المجمل، يقدّم الكتاب إضافة فكرية مهمة لفهم تطور الكويت كدولة مدنية دستورية، ويذكّر بأن الحقوق السياسية والدستور لم يكونا نتاج إرادة منفردة، بل حصيلة حراك اجتماعي واسع، وتراكم طويل من الوعي والمشاركة والمطالبة المنظمة. إنه عمل يعيد الاعتبار لفكرة أن المجتمعات تصنع تاريخها بقدر ما يصنعه قادتها.